موقع الكاتب والأكاديمي المغربي جمال بوطيب

"الإنسان أشكل عليه الإنسان" أبو حيان التوحيدي

تقديم

حكايا و ضحايا

تقديم المجموعة القصصية " البرتقالة الوحيدة للموتى"

 للقاص المغربي عبد القادر الطاهري

للبرتقال حكايا و ضحايا

أول الحكايا

...أن الكاتب هو للكتابة  حليل وخليل...

و الكتابة ، و إن كانت عانسا ، هي ترفض الرضا بزيجة كيفما اتفق ولا تمتد يدها سيمياء استجابة إلى كل من خطبها .

قديما....

 ركبت الكتابة مُهرها و جابت المدن والقرى، وفي أسواقها ودون أن تغادر الصهوة ،أفشت سرها ، و حددت مَهرها: أي هدية – وإن صغرت - من " بطن خبث " ... و البقية يعرفها الذين لاقوا الهزبر هناك و حاوروه، و بالريشة المغموسة في دمه كتبوا إلى بنت العم: " إنا ضحايا ..."

 حديثا...

 لم تتراجع الكتابة عن مهرها، و على الخطاب وزعت دليلا غير سياحي، يخص جاهلي الموقع الأثري " بطن خبث" ...

و ظلت هي تلك المرأة الحنانة ،الأنانة ،المنانة، الشداقة، الحداقة، البراقة...

باختصار تلك المرأة المنصوح بعدم الزواج منها

أليست الخطبة هاهنا حمقا كفعل ؟ !!

أو ليس الخاطب هاهنا أشد حمقا كبعل ؟ !!

بلى، بالتأكيد...

و لكن الحمق بعض الإبداع.

الحكاية الثانية...

 حكاية الفاكهة المشتهاة في نصوص المجموعة...

تعي نصوص " البرتقالة الوحيدة للموتى " نصيتها ، بكل مكوناتها ، وعيا تتبدى ملامحه من خلال السعي الدائب إلى الاشتغال على محاور متكاملة و متعددة تعددا يمكن أن يقلص بمنطق التكامل والتنافر والتضاد في ثلاثية  الطفولة و الأنوثة والمدينة التي ترتبط عناصرها نسقيا بمنطق السببية والمسببية الحاكم لحكايا الضحايا: الطفولة و الأنوثة و المدينة...الطفل ضحية الأنثى والأنثى ضحية المدينة والمدينة ضحية النسق. 

     إن محور السرد في هذه النصوص هو الإنسان الذي بقدر ما يعي وضعه بمفارقاته المؤلمة و الساخرة و الساحرة ، فإنه يعي بالمقابل إواليات تجاوز هذا الوضع حتى في حالات  اللاوعي مما يجعل من الحلم مرتكزا لهذه النصية .

     إن النصوص هي نصوص حلم بمحاورها المشار إليها سابقا، فمريم مثلا الحالمة بطفولة غير التي عاشتها و بزوج غير الذي يرتكن مشلولا هي في الآن نفسه ضحية للمدينة و حلم للجندي المتقاعد والسيد و المدرس و المحامي الشاب. ويطرد الحلم في النصوص كلها وبتشاكلات محتلفة ، غير أن الحلم هاهنا ليس بحثا عن أفق مغاير بقدر ماهو كتابة للأفق المفتقد.. وهو ما عبرت عنه كل المواقف الفنية في النصوص كلها من خلال الفواعل ممثلة في الجنازة في نص "مريم" والزواج في "عنترة الصغير"، و المطر في "ستمطر قططا"، و الشتاء في "الجوقة" ،والملاحقة في "البحث عن أشلاء الجسد المفقود"، و الهرب في "هدية.. و أشياء أخرى"، و الشمس في "الزلزال" ،و الموت في "البرتقالة الوحيدة للموتى"، و الدم في "أحبك آمنة" ،و الجثة في "الحلم".

يسيطر الحلم على كل النصوص ؛ بل إن المجموعة عنونت أحد نصوصها به (الحلم) ،فشخوصها حالمة ولا تملك غير الحلم "رددت بصوت مختنق:

لا نملك غير الحلم/ أي حلم (ص61) " ،وهي تحلم بحقها في الحياة "إنه لا يريد أكثر من حقه في الحياة" (ص20)، وبالشمس وبغد اجمل واشرف " أحلم بالشمس (ص48)" ، وبالسير بهدف كانت خطواتي بلهاء و من دونما هدف (ص45)، وتتعجب من اللعنة التي تطارد المدن الصماء " هل هذه المدينة صماء (ص35) ، والملعونة"  ملعونة هذه المدينة " (ص46)و" اللعنة تطارد هذه المدينة منذ زمن بعيد" (ص47) متسائلة متى يتقيأ الإنسان الكارثة التي يحملها في أغواره " تقدمت خطوتين ثم وقفت و قلت لها بصدق:

متى يتقيأ الإنسان الكارثة التي يحملها في أغواره (ص13) ، ومتعجبة من حمله بذور انهياره بداخله رددت بيني و بين نفسي في آسى كبير: من العجيب حقا أن يحمل الإنسان في جوفه بذور انهياره (ص37)، معمقة سؤالها وعجبها في إشكال وجودي هو : لماذا نحمل معنا موتنا؟" لماذا نحمل معنا موتنا" (ص61) ، وحين يعي وجوده  وجسده يجد نفسه قد صار شيئا اخر غير أناه وتحول جسده الى جثة يعيها صاحبها " استجمعت قواي توقفت للحظات ثم رددت بصوت أجش إنها جثتي"  (ص64) .

الحكاية الثالثة...

يعود القاص عبد القادر الطاهري إلى القصة بعد عقد من الغياب الواعي والوعي الساخط فهو صوت ثمانيني هادئ وعميق راعف المداد قادر على إخضاع أعناق الحرف و الشفير تماما مثل تلك الأصوات التي اختارت طوعا أو كرها أن تتوارى: الحسنون : الحسن بنمونة وحسن كاوز وحسن البقالي والمحمدان محمد وافق ومحمد جنبوبي، وبوزيان مومني وغيرهم ممن أخطأهم التذكر ونتمنى أن تجد نصوصهم طريقها إلى التحليق وتكون حبات غير منفرطة في عقد القصة القصيرة المغربية مشكلة نسيج الألف حكاية.

الحكاية الأولى بعد الألف....

 

هي حكاية القصة القصيرة المغربية بكل أسمائها وأجيالها وتجلياتها ونصوصها وأشكالها الممتدة على طول عقود من الألق والبهاء والتي لا يمكن أن نتصور مستقبلها إلا زاهرا.

 

 ·       د/ جمال بوطيب

المادة المقبلة:
 تقديم كتاب " فن الالقاء وتربية الصوت" للأكاديمي العراقي الدكتور بدري فريد حسون

 

 



أضف تعليقا

mmm1962 من مصر
25 اغسطس, 2007 08:17 م
د.جمال بو طيب
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شرفت بالتعرف على مدونتك القيمة والمتميزة..
وأشكرلك طرحك الكريم وتقديمك لهذه النصوص المبدعة
أخوك
محمد الجرايحى