الجمعة, 24 اغسطس, 2007
حكايا و ضحايا …
تقديم المجموعة القصصية " البرتقالة الوحيدة للموتى"
للقاص المغربي عبد القادر الطاهري
للبرتقال حكايا و ضحايا …
أول الحكايا
...أن الكاتب هو للكتابة حليل وخليل...
و الكتابة ، و إن كانت عانسا ، هي ترفض الرضا بزيجة كيفما اتفق ولا تمتد يدها سيمياء استجابة إلى كل من خطبها .
قديما....
ركبت الكتابة مُهرها و جابت المدن والقرى، وفي أسواقها ودون أن تغادر الصهوة ،أفشت سرها ، و حددت مَهرها: أي هدية – وإن صغرت - من " بطن خبث " ... و البقية يعرفها الذين لاقوا الهزبر هناك و حاوروه، و بالريشة المغموسة في دمه كتبوا إلى بنت العم: " إنا ضحايا ..."
حديثا...
لم تتراجع الكتابة عن مهرها، و على الخطاب وزعت دليلا غير سياحي، يخص جاهلي الموقع الأثري " بطن خبث" ...
و ظلت هي تلك المرأة الحنانة ،الأنانة ،المنانة، الشداقة، الحداقة، البراقة...
باختصار تلك المرأة المنصوح بعدم الزواج منها
أليست الخطبة هاهنا حمقا كفعل ؟ !!
أو ليس الخاطب هاهنا أشد حمقا كبعل ؟ !!
بلى، بالتأكيد...
و لكن الحمق بعض الإبداع.
الحكاية الثانية...
حكاية الفاكهة المشتهاة في نصوص المجموعة...
تعي نصوص " البرتقالة الوحيدة للموتى " نصيتها ، بكل مكوناتها ، وعيا تتبدى ملامحه من خلال السعي الدائب إلى الاشتغال على محاور متكاملة و متعددة تعددا يمكن أن يقلص بمنطق التكامل والتنافر والتضاد في ثلاثية الطفولة و الأنوثة والمدينة التي ترتبط عناصرها نسقيا بمنطق السببية والمسببية الحاكم لحكايا الضحايا: الطفولة و الأنوثة و المدينة...الطفل ضحية الأنثى والأنثى ضحية المدينة والمدينة ضحية النسق.
إن محور السرد في هذه النصوص هو الإنسان الذي بقدر ما يعي وضعه بمفارقاته المؤلمة و الساخرة و الساحرة ، فإنه يعي بالمقابل إواليات تجاوز هذا الوضع حتى في حالات اللاوعي مما يجعل من الحلم مرتكزا لهذه النصية .
إن النصوص هي نصوص حلم بمحاورها المشار إليها سابقا، فمريم مثلا الحالمة بطفولة غير التي عاشتها و بزوج غير الذي يرتكن مشلولا هي في الآن نفسه ضحية للمدينة و حلم للجندي المتقاعد والسيد و المدرس و المحامي الشاب. ويطرد الحلم في النصوص كلها وبتشاكلات محتلفة ، غير أن الحلم هاهنا ليس بحثا عن أفق مغاير بقدر ماهو كتابة للأفق المفتقد.. وهو ما عبرت عنه كل المواقف الفنية في النصوص كلها من خلال الفواعل ممثلة في الجنازة في نص "مريم" والزواج في "عنترة الصغير"، و المطر في "ستمطر قططا"، و الشتاء في "الجوقة" ،والملاحقة في "البحث عن أشلاء الجسد المفقود"، و الهرب في "هدية.. و أشياء أخرى"، و الشمس في "الزلزال" ،و الموت في "البرتقالة الوحيدة للموتى"، و الدم في "أحبك آمنة" ،و الجثة في "الحلم".
يسيطر الحلم على كل النصوص ؛ بل إن المجموعة عنونت أحد نصوصها به (الحلم) ،فشخوصها حالمة ولا تملك غير الحلم "رددت بصوت مختنق:
لا نملك غير الحلم/ أي حلم (ص61) " ،وهي تحلم بحقها في الحياة "إنه لا يريد أكثر من حقه في الحياة" (ص20)، وبالشمس وبغد اجمل واشرف " أحلم بالشمس (ص48)" ، وبالسير بهدف كانت خطواتي بلهاء و من دونما هدف (ص45)، وتتعجب من اللعنة التي تطارد المدن الصماء " هل هذه المدينة صماء (ص35) ، والملعونة" ملعونة هذه المدينة " (ص46)و" اللعنة تطارد هذه المدينة منذ زمن بعيد" (ص47) متسائلة متى يتقيأ الإنسان الكارثة التي يحملها في أغواره " تقدمت خطوتين ثم وقفت و قلت لها بصدق:
متى يتقيأ الإنسان الكارثة التي يحملها في أغواره (ص13) ، ومتعجبة من حمله بذور انهياره بداخله رددت بيني و بين نفسي في آسى كبير: من العجيب حقا أن يحمل الإنسان في جوفه بذور انهياره (ص37)، معمقة سؤالها وعجبها في إشكال وجودي هو : لماذا نحمل معنا موتنا؟" لماذا نحمل معنا موتنا" (ص61) ، وحين يعي وجوده وجسده يجد نفسه قد صار شيئا اخر غير أناه وتحول جسده الى جثة يعيها صاحبها " استجمعت قواي توقفت للحظات ثم رددت بصوت أجش إنها جثتي" (ص64) .
الحكاية الثالثة...
يعود القاص عبد القادر الطاهري إلى القصة بعد عقد من الغياب الواعي والوعي الساخط فهو صوت ثمانيني هادئ وعميق راعف المداد قادر على إخضاع أعناق الحرف و الشفير تماما مثل تلك الأصوات التي اختارت طوعا أو كرها أن تتوارى: الحسنون : الحسن بنمونة وحسن كاوز وحسن البقالي والمحمدان محمد وافق ومحمد جنبوبي، وبوزيان مومني وغيرهم ممن أخطأهم التذكر ونتمنى أن تجد نصوصهم طريقها إلى التحليق وتكون حبات غير منفرطة في عقد القصة القصيرة المغربية مشكلة نسيج الألف حكاية.
الحكاية الأولى بعد الألف....
هي حكاية القصة القصيرة المغربية بكل أسمائها وأجيالها وتجلياتها ونصوصها وأشكالها الممتدة على طول عقود من الألق والبهاء والتي لا يمكن أن نتصور مستقبلها إلا زاهرا.
· د/ جمال بوطيب
المادة المقبلة:
تقديم كتاب " فن الالقاء وتربية الصوت" للأكاديمي العراقي الدكتور بدري فريد حسون

الاربعاء, 22 اغسطس, 2007
الخيال الـمتعدد
قراءة أولية في أعمال الكاتب والباحث جمال بوطيب
د. يوسف الإدريسي
على سبيل التمهيد :
ليس من باب الادعاء القول إن الأعمال الأدبية والنقدية لجمال بوطيب تتمنع - بثراء محكيها وتناغم تشكلاتها وعمق تصوراتها - على كل مقاربة سطحية ومتسرعة لا تعي الرؤى الجمالية المتحكمة في عوالمه التخييلية والموجهة لها، ولا تبصر الخيط الرفيع الرابط بين عمق التنظير وبلاغة التعبير ، ولا تدرك الخاصية الإبداعية التي تسم مسيرته الأدبية، والتي تكاد تكون "غريبة"، لكونه ما إن يستأسد في نوع أدبي ، ويصير علامة بارزة فيه حتى يغادره إلى نوع جديد ...ومغاير...
وليس مجازفة في القول التأكيد على قيمة الرجل وتميزه في المشهد الثقافي المغربي الراهن ، نظرا لما راكمته تجربته الأدبية والنقدية – خلال السنوات الأخيرة- من أعمال متنوعة في العديد من المجالات ، إلى حد يجعل المتتبع لأنشطته الفنية وكتاباته الأدبية والنقدية ، التي جاوزت إلى حدود هذه اللحظة الاحتفائية 11كتابا، يحار في تصنيفه ضمن إحدى خانات الأدب المغربي الحديث، فعلاوة على انخراطه في العمل المسرحي كتابة وتمثيلا ، ساهم في ترسيخ نمط جديد من الكتابة القصصية يحق له أن يفاخر بريادته فيه ، فكان من جيل - بالرغم من كونه لا يؤمن بمقولة الأجيال- رفض الإيمان بعقيدة الآباء المؤسسين ، واختار لخياله الشدو بلغة الممانعة والإقامة في الهامش، رافضا الحذو على منوال " التجارب المختمرة " ، و التزلف إلى محارب " الآباء المؤسسين، فإذا به يصبح هو المركز ويتحول كثير من المتشككين إلى الهامش ، ويكفيه فخرا هنا أنه صاحب أول مجموعة قصصية من القصص القصيرة جدا تصدر بالمغرب .
وبعد أن امتلك ناصية القصة، وأصبح اسمه مرتبطا بها ، تخلى عنها ، فجرب الكتابة في الرواية، ولم يكد القراء والمتتبعون ينتبهون إليه روائيا ، حتى فاجأ الجميع بإصدار ديوانه : أوراق الوجد الخفية،الذي ينم عن ملكة شعرية رصينة ومتميزة .
هكذا هو جمال بوطيب مع الأجناس الأدبية... ما إن يفض بكارة جنس أدبي جديد و يغوص في أحشائه الدافئة ، حتى يتخلى عنه مستكشفا مغامرة أخرى وتجربة جديدة مع جنس جديد ... ولعمري إنه مثل العاشق الولهان الذي كلما ابتهجت المرأة بسحر عالمه وجنونه الطفولي ، حتى يتركها باحثا لنفسه عن حضن دافئ جديد.. لم يوطأ من قبل...
1- جمال بوطيب ساردا :
إن هذا التنوع والتعدد الذي نتحدث عنه هنا ، والذي يكاد يشكل عنوانا عريضا للتجربة التخييلية لجمال بوطيب الموسومة بالفرادة والتميز، لا يعزى إلى كثرة كتاباته وتواليها، فالكتاب لا يذكرون بعدد المؤلفات التي تركوها ، ولا حتى بتنوع مجالاتها المعرفية والأدبية، وإنما بطبيعة مسارهم الأدبي والعلمي ، ونوع الإضافات التي قدموا. وإذا كانت مجموعته القصصية : زخة...ويبتدئ الشتاء الصادرة عن اتحاد كتاب المغرب سنة 2001 تجعله – بحق- رائدا في هذا النوع من القصص القصيرة جدا، فإن مجموعاته القصصية الأخرى لا تقل أهمية عنها، لكونها تميزت بمياسيم فنية وتقنيات سردية خاصة .
ذلك أن القارئ لقصص: الحكاية تأبى أن تكتمل (1993) وبرتقالة للزواج !! برتقالة للطلاق!! (1996) ومقام الارتجاف (1999)، فضلا عن " زخة" سيلاحظ أن جمال بوطيب يستدعي في محكيه السردي- لغايات جمالية وتجريبية أيضا- أساليب متنوعة مستمدة من خطابات متنوعة : الشعر والفلسفة والتصوف والثقافة الشعبية... وغيرها، وهو في ذلك- وبالرغم من الإشارات الإجناسية التي يثبتها على أغلفة قصصه- لا يروم تطبيق قواعد الكتابة القصصية وقوانينها على أعماله، وإنما يسعى إلى تشكيل نصوص تعي النظرية، وتسعى إلى تجاوزها وخرقها عبر كتابة نوع أدبي جديد يمتح من السرد محكيه ، ويستلهم من الشعر إيحاءاته المجازية ، ومن الفلسفة حكمتها وأسئلتها الأنطولوجية ، ومن التصوف إشراقاته ، لكي ينتج في نهاية المطاف نصا يقف في الحدود المتجاورة لكل هذه الخطابات ، كما تدل على ذلك العديد من المقاطع في قصصه.
ويتبدى ذلك التعدد والتنوع الذي نتحدث عنه في تجربة جمال بوطيب ، كما تتمظهر النزعة التجريبية التي تسم كتاباته في روايته : سوق النساء أو ص.ب :26، التي وصل فيها التففن في الكتابة والتمرد على مقولة " التجنيس" وقوانين الكتابة السردية إلى أبعد مدى، فجعل القارئ يقف مشدوها أمام عالمها التخييلي، الذي تمتزج فيه شعرية الحكي وسردية الإيحاء إلى حد يبيح القول إنها ديوان سردي أو شعر محكي.
فقد قسم جمال بوطيب روايته إلى عشرة فصول، إلا أنه لم يبدأ بالأول وينتهي بالعاشر، كما جرت العادة في الكتابات الأدبية وغير الأدبية، ولكنه عمد إلى خرق تراتبية فصولها، فصنفها بشكل متشابك مخادع على النحو الآتي:
- الفصل العاشر: رأس الخيط
- الفصل الثامن: خيط الرأس
- الفصل الأول: باب الريح
- الفصل الخامس: ميثاق العشرة
- الفصل السابع: ريح الباب
- الفصل الثالث: دار الضمانة
- الفصل الثاني: قدري
- الفصل التاسع: الربق
وإذا كان التشابك بين فصول الرواية يظهر جليا في بداية كلمات بعض الفصول بالكلمة التي ينتهي بها الفصل الأخير من ترتيب أجزاء الرواية، أو بجعل آخر كلمة من بعض الفصول هي أول ما يستهل به الفصل اللاحق مع تنويع ذلك تعريفا وتنكيرا (رأس الخيط /خيط الرأس، باب الريح/ريح الباب)، فإن " الخداع" يتبدى في إسقاط الفصلين الرابع والسادس من الرواية ، وهو إسقاط متعمد ينسجم و يتعالق مع قاعدته الأدبية التي سطرتها في أول مجموعة قصصية أصدرها، ألا وهي أن كل ما يكتبه حكايا تأبى أن تكتمل، هذا فضلا عن كونه يروم إيقاع قرائه في شرك تخييله، بجعلهم يشاركونه – بخيالاتهم- إكمال الحكاية ، في انتظار حلول موسم جديد ل" سوق النساء" ، وذلك بإصدار الجزء الثاني من الرواية !! !! !!
2 - بوطيب شاعرا:
ولا تكتسي الرواية قيمتها في هذا الجانب فحسب، بل في امتزاج الشعري والسردي في متنها النصي، وهو امتزاج يتخذ أشكالا عديدة ، ويمكن تلمسه من خلال مستويات متنوعة، إذ يتخلل الشعر بعض مقاطعها، ويطبع بعض أساليب حكيها بميسمه الإيحائي، مما يجعل القارئ يتساءل غير مرة إن كان إزاء قصيدة محكية أم أنه بصدد حكاية شعرية. وليس المقصود هنا المقاطع التي تم فيها حل كثير من المقاطع الشعرية القديمة والحديثة، وإعادة صياغتها بأسلوب نثري، وإنما المقاطع التي تخللها الشعر فأضفى على البنية السردية للرواية –بتناغماته الإيقاعية صوره الإيحائية- قيمة إيحائية بارزة تتبدى من الإهداء، وتظل حاضرة إلى آخر الرواية ، ويكفي التدليل على ذلك بقوله: « (...) وصادق ذلك الشاعر المغربي الذي سئل لماذا صار الشعراء يأكلون في المهرجانات أكثر مما يقرؤون القصائد، فأجاب ساخرا ساخطا: لأن المشرفين على المهرجانات هم أصلا منظمو حفلات.
ألا أيها الشعر مهلا
فإن وهن العظم
لم تهن الكبرياء
هي الخيل تكبو
لكن أعناقها
تطاول دوما عنان السماء*
(...)
* مقطع شعري للشاعر المغربي عبد الرفيع الجوهري[1]»
وقد بلغ تناغم السردي والشعري في روايته أعلى درجات الجمالية والإيحائية في قوله:
« (...) فارغ أنا من الداخل كعجز نخلة. وأشعر أن الفراغ خلفته " أما" يوم غرت بي حمرة وجهها وتوهجه وتركتني وسافرت ذات فجر.
حتى عندما أحببتك لم أفرح كثيرا.
" أما"...
وجل أنا من بعدك..سيدتي
إذ فجر " غشت" غشني
وبانطفائك رشني..
ألثم وجنة باردة
ويدا سكنت..
من بعد ما سكنت غلالات القلوب.
" أما"...
أعذريني حين نسيت صدرك،وخنت العهد.. وفكرت في أن أجعل من أخرى أما لي.
" أما"...
(...)[2] »
والواقع أن شعرية الحكي عند جمال بوطيب ليس وليدة روايته ، فقد ظهرت بجلاء قبل ذلك في مجموعاته القصصية على نحو لافت، حيث ظل الحكي عنده ممتزجا بالشعر ومتناغما معه. وإذا كان قد أعلن نفسه شاعرا سنة 2003 حين حصل على جائزة مفدي زكريا المغاربية للشعر، فقد مهرها رسميا بشهادة ميلاد بديوانه الشعري : أوراق الوجد الخفية (2007)، وهو ديوان تشي قصائده بطاقة إبداعية قادرة على توظيف الموروث الديني والأسطوري والنظريات النقدية والفلسفية – قديمها وحديثها- لتشكيل عوالم تخييلية جديدة ومتجددة، مما يعني أن قراءة قصائده والتفاعل -وجدانيا وذهنيا - معها لن يتحقق بصورة دقيقة وجيدة ما لم يع القارئ ويلم بالنصوص المعرفية والجمالية التي يتناص معها في قصائده، ويدرك الأمكنة والأحداث التي يحيل إليها ، فإذا كان متيسرا فهم ما يقوله في الورقة الأولى من قصيدة: أوراق الوجد الخفية عن فاس انطلاقا من استحضار البنية الدينية الحاضرة بقوة من خلال الآية 25 من سورة مريم، وذلك في قوله :
« (...)
فاس
هزي إليك
بجدع الأبجدية
تساقط عليك حروفا
اهمزي الألف
والواو
وما لا يهمز »[3]
فلاشك أن الأمر متعذر على القارئ للورقة الثانية: وهران من القصيدة نفسها، إذا لم يكن له علم بجغرافية وهران وتاريخ الجزائر ككل، وخاصة في قوله:
« (...)
جبهةَ البحر ...
زجي بالرسغ
في طرف الصبوة
تنتفضْ
محجات " العربي بن مهيدي"
و " أحمد زبانة"
يصادر ماء " سعيدة" ،
يصفو ماؤك المالح،
تغدو
ضفيرة " جميلة بوحيرد "
زلالا للبلاد.
(...) » [4]
وسواء في قصصه أم في شعره ، تظل العلاقة المتشابكة بين الشعر والسرد حاضرة بقوة، وإذا كانا قد أشرنا أعلاه إلى أن الشعر يحضر بشكل لافت في قصصه وروايته، فمن الملاحظ أن الأمر نفسه يتحقق في ديوانه الشعري، خاصة في قصيدته : عتاب التي صاغها في قالب حواري، والتي تتناص أسطرها الشعرية مع عناوين أعماله القصصية، ويتضح ذلك من قوله(التشديد غير أصلي):
« اللائم:
لماذا كلما أوغل البحر
في النزيف
أرهقت
ذاكرة البرتقال الحزين
أو لم تعلمك الحكاية
ياصديقي
أن البعد
مرتعه الحنين؟
الملوم:
جراحي تترى...
ياخديم الشعر
لا تسل،
صديقك لم يرهق
ذاكرة برتقال...
صديقك لم تعلمه الحكاية
غير الصبر والدمع
وخنق السؤال...
(...)»[5]
ولاشك أن انشغال جمال بوطيب بتجريب نوع جديد من الكتابة الأدبية تقوم على هدم الحدود الفاصلة بين الأجناس الأدبية، وفي مقدمتها الشعر والسرد، وابتكار نوع جديد يقف في التخوم الفاصلة بينهما، لا يدخل ضمن طموح أدبي فحسب، ولكنه يندرج ضمن انشغالاته العلمية والأكاديمية.
3-جمال بوطيب ناقدا :
يشكل موضوع السرد والشعر جزءا من المشروع النقدي لجمال بوطيب ، وهو مشروع استهله بكتابين هامين هما: الجسد السردي، أحادية الدال وتعدد المرجع (2006) ؛والسردي والشعري، مساءلات نصية (2007) ، ساءل فيهما حدود التداخل والتمايز القائمة بين الشعر والسرد ، ودرس أبرز القضايا والإشكالات التي ترتبط بهما، انطلاقا من رؤية منهجية تتوسل بالمقاربة النصية والتحليل الأسلوبي لكل منهما ، عبر نماذج منتقاة من مختلف عصور الأدب العربي.
ينطلق جمال بوطيب في كتابه الأول : الجسد السردي من فكرة جوهرية مؤداها : أن السرد - باعتباره فعلا ينتج حكيا - يمثل الحقيقة الكونية والجوهرية التي توحد – وتدور في فلكها- كل الظواهر الطبيعية والكائنات الحية بما فيها الإنسان، لا فرق في ذلك بين الذات/الجسد، والمنقوشات، والأخبار، والأصنام والرحلات، والحيوانات، بل وحتى الأشعار، وبذلك يغدو كل التراث إبداعا، لكونه يتضمن – مهما اختلفت مواضيعه وأساليبه- محكيا سرديا ، لأن« السرد باعتباره منقولا خبريا يوجد في منقوش ما، لتضمن هذا المنقوش لـ: السارد/ الناقش، والمنقوش له/ المسرود له – وإن كان الذات – والناقش الحقيقي والناقش الضمني والموضوع السردي. ثم إن صانع الصنم أو مشكله يحاكي ويحكي أثناء خلق الأجساد، ويخلق حكايتها، ويضمن عبادتها، ويخاطبها وينطقها في حالات ومواقف مختلفة ومتباينة، فرحا وحزنا وغضبا ورضا ...إلخ
ألا تحكي جمال العرب ونوقهم، ومحمولاتهم في رحلاتهم، وسلعهم، أخبار وقصص بلدانهم ومصادر الرحلة ومنتهياتها .
ألا تقوم معلقة امرئ القيس كلها – وهي الشعر- على الحكي سواء أكان مضمرا أم معلنا(...)»[6]
وفي رأي بوطيب أن الحضور السردي اللافت في كثير من الأشعار القديمة يستلزم مراجعة الأحكام التي سطرها النقاد والدارسون، قديما وحديثا، وصنفوا من خلالها العديد من " القصائد" ضمن الجنس الشعري ، بالرغم من كونها حافلة بالحكي السردي. ولذلك يؤكد ضرورة إعادة تسمية كثير من النصوص التراثية ، وفي مقدمتها الشعر، والنظر إليها ليس باعتبارها قصائد ، وإنما مسردات ، لأن السرد حاضر فيها وبجلاء، فـ«الأخطل يحكي، وجرير أيضا. والفرزدق نظم سردا موزونا. وانتظم من والاهم أو من عاصرهم للبنية السردية العامة في الكتابة: "عمر بن أبي ربيعة" و "عكاشة العمي" و " جميل بثينة" و " مجنون ليلى" و " المتنبي" و " أبو تمام" ، بل أكثر من ذلك ابتدعت نصوص سردية نواة للنص السردي الكبير وصدرت بها النصوص.»[7]
ولم يكتف جمال بوطيب في الاستدلال على قوة طرحه ونجاعته بالنظر في الشعر فحسب، ولكنه وسع مجال دراسته وتحليله ليشمل مستويات متعددة ومتنوعة من الموروث العربي الذي تنتظم بنيته النصية وتتشكل على أساس الحكي السردي، فكشف عن المرجع الرمزي المتحكم في : كليلة ودمنة، وتناول المرجع الإحالي في : ألف ليلة وليلة، وقارب المرجع الخيالي الرمزي في: المقامة، وأبرز المرجع المثال في : السير الشخصية، والمرجع الواقعي في :الرحلات....إلخ
وإذا كان بوطيب قد ظل منشغلا في : الجسد السردي بالاستدلال على كون المحكي السردي هو المتحكم في بنيات النصوص التي درسها ومضامينها، فقد أفرد للعلاقة بين السردي والشعري كتابا خاصا، حاول في ثناياه مساءلة المتبقي من خصائص كل واحد منهما ، في ظل التداخل القائم بينهما على مستوى أجناس الكتابة وفروعها، والذي يتجلى أساسا في تخلي بعض النصوص السردية عن سرديتها لصالح الشعر، وهكذا وقف -بعد أن سطر تحديدا مفهوميا لجملة من المفاهيم كالشعري والسردي ، والشعرية والسردية...- عند بعض النصوص السردية والشعرية ليثبت نجاعة الفرضية التي يقوم عليها الكتاب والمتمثلة في « غياب الاستقلالية الجنسية في الكتابة وهجانة النوع الأدبي، واستعصائه الدائم والمستمر على التصنيفات المدرسية الصارمة، ومروقه ونزه عن المناهج التحليلية التي قد تصر بمرجعياتها الفكرية والنظرية ، وبمفاهيمها الضابطة وتمثلاتها التطبيقية على خنق حرية النص المؤسسة على سؤاله الدائم والمستوجب للمساءلة النصية الدائمة أيضا»[8]
لقد مكنت الرؤية المنهجية والتحليل الأسلوبي الذي تبناه جمال بوطيب في كتابه : السردي والشعري من الكشف عن الشعرية الكامنة في النصوص الروائية التي اشتغل عليها ، دون اختيار مسبق ومقصود لها، فانتهى إلى أن طريقة التسلسل المتناغم للأحداث في : مخلوقات الأشواق الطائرة، لإدوارد الخراط، كما أن الانزياح عن التقسيم الثلاثي للزمن الذي يتخلى عن وظيفته في تنمية السرد لصالح تكثيف الشحنة الإيحائية للحظة السرد ، والحرص على الإطناب في الوصف المغرق في الذاتية ، فضلا عن توظيف طاقات الخرق والتجاوز والانزياح في اللغة المستعملة كل ذلك –وغيره مما فصل بوطيب القول فيه- يجعل أسلوب الكتابة الشعرية حاضرا في رواية إدوارد الخراط بشكل لافت. والأمر نفسه يتحقق في كثير من الدواوين الشعرية كما أوضح في كتابه من خلال النماذج المدروسة.
ومضة الختام:
سعت هذه الورقة المتواضعة إلى الإيماء إلى أهمية أعمال الأستاذ الباحث والأديب المبـدع : د. جمال بوطيب عبر تقديم إشارات متفرقة ، وتسجيل ملاحظات أولية تومئ إلى بعض جوانب الخصوصية والتميز في تجربته التخييلية وممارسته النقدية، وإذا كان ثابتا أنه راكم تجربة غنية وهامة في الأدب والنقد ، فمما لاشك فيه أن كل عمل من أعماله يحتاج إلى قراءات فاحصة ومستفيضة للوقوف بدقة على طبيعة وحدود إسهامه في إثراء المشهد الثقافي المغربي الراهن.

الاثنين, 20 اغسطس, 2007
دينامية الكتابة في مجموعة
" برتقالة للزواج...برتقالة للطلاق"
عبد الإله بسكمار
كيف يمكن للمبدع أن يقدم لمجموعته القصصية ( بخلاف المتعارف عليه في هذا المجال ! ) وهو على وعي تام بطبيعة الكتابة والأفخاخ المنصوبة أمامه،وانتباه حذر لدوائر هشاشتها الخاصة؟ لعل الأمر يتعلق بزواج عرفي مشكوك في خلفياته ومقاصده، وقد منحه صاحبه صفة البوح عبر خطاب مثير أعمق ما فيه أنه يتوجه الى قارئ نوعي مفترض: " عن القصة سأتحدث !! هل هذا ممكن ؟! قطعا لا !! ولا تسألوني لماذا؟ لأنني أولا لا أملك الجواب.. ولأنني ثانيا أمقت الأسئلة التي أكبل بها و أفخخ بها عن القصة، وعن الكتابة، وعن قصة الكتابة". والواقع أن مجموعة " برتقالة للزواج !!.. برتقالة للطلاق !! " لجمال بوطيب ( الصادرة عن بطبعة أنيقة وبلوحة جميلة للفنان بنيونس عميروش عن دار الجسور – وجدة – سنة 1996 ) تطرح جملة من التساؤلات وأشكال القلق التي تخترق الموقف القصصي من خلال علائقه الملتبسة مع واقع عصي على التنميط والعقلنة. هي إذن لعنة تطارد المبدع كظله الحميم، تميمة كأنها الداء والدواء معا، إن الكاتب لا يملك إلا أن يكشف الغطاء عن بعض ملامح ورطته، مع أن الكتابة تكفي ذاتها بذاتها والعمل الفني بمجرد انفلاته الى السوق، بل ربما قبل ذلك يصبح ملكا للقارئ وبالطبع لا بأس أن تلتبس عند هذا الكشف معاناة القاص مع مواقفه وشخوصه وأزمنته من ناحية، وآفاق القارئ المفترض بكل أرصدتها وانتظاراتها القلقة من ناحية أخرى .. الخطاب القصصي مسيج بمظاهر يتمه ومتاريس عزلته الخاصة، فغربته بالذات هي ما يؤسس أصالته ويكشف للقارئ عن مفاتن الكتابة ومباهجها المذهلة، المبدع هنا لا يجد ملاذا غير جسده الموشوم بأخاديد السلطة و المؤسسات، والمحاصر بإكراهات الرموز والعلامات، وإذا حدث أن امتلك الإنسان جميع الرموز، واخترق كل النماذج والتمثلات هل سيستطيع أخيرا الظفر بحريته؟ ! الجواب قطعا بالنفي، لأنه سيصبح هو ذاته – في هذه الحالة - رمزا من بين سائر الرموز الأخرى، فما المانع من التفكير في لعنة الكتابة من داخل الكتابة نفسها؟..
الخطاب الأدبي في تفاصيله الملتهبة وأشكال انخطافاته المروعة، احتل دوما مواقع الاحتجاج المستمر على الحياة في بعديها الأنطولوجي والاجتماعي يحترف بمحاورها الملتهبة ويتأسس على فضح نتوءاتها السرية والخطيرة فتتخذ الكتابة هنا بعدا استشفائيا لاحتواء عصاب رهيب اسمه الحياة – على حد تعبير الفيلسوف والأديب شيرون – وقد يحتمي القول الأدبي بمسلكيات العقلانية أو الغرابة أو السخرية أو حتى الأكاذيب و الأوهام أحيانا في أفق تجاوز المأزقين الوجودي والتاريخي، هكذا يتحدد الموقف القصصي في مجموعة " برتقالة للزواج ... برتقالة للطلاق..." كذهول رهيب بل كتساؤل شامل، تساؤل فني محكوم بنزوعه الساخر وأفقه الماكر معا، وهما مجالان يمتدان على طول مساحة الحكي بكل تقطعاته وأنماط انفلاته وقلقه، وبالنظر الى أن المبدع الشاب جمال بوطيب يؤسسه خطابه القصصي على خلفية الموقف الحداثي فكريا وفنيا.
فإنه يمكن مقاربة بعض المحاور الأساسية التي تحكمت في مفاصل البنية القصصية لدى المبدع، ورسمت على العموم عناصر الرؤية والأداة، والمقاربة النقدية هنا تتأسس على معيار تصنيف وترتيب الأبعاد التيماتيكية عبر جدلية الكتابة، دون إغفال حدود هذه القراءة أو بعض مناحي التقصير فيها لأن المرء يعجز لا محالة، وهكذا رأيت أن أقارب الموقف القصصي انطلاقا من المستويات والأبعاد التالية :
1) بعد السخرية:
وهو يخترق كل نصوص المجموعة، وأعتقد أن المبدع أفلح في توظيفه كنمط عميق من أنماط التعامل الممكنة مع راهن منفلت بتشظياته المتعددة، الخطاب الساخر هنا يُمفصل التاريخي واليومي، يستفز هشاشة الكائن في عريه العام، ولهاته وراء موت مستحق بين الأموات ! يفكك مجرى المعيش – على مستوى التخييل – فيغدو الواقع مبررا بكل مسوخاته ( حسب تعبير محمد برادة ) و يؤسس أشكال نقد كل السلط بما في ذلك سلطة اللغة، عبر يقظة مبدعة تستبطن حذرا معرفيا عميقا تجاه المطلقات والأنماط الجاهزة، وضمن بعد السخرية هذا تكتفي المجموعة بطرح علامات استفهام أو بكشف مساحات البياض التي تخترق تخوم الكائن ومستويات الواقع " أصر المطر على التساقط .. بينما صار المعلن الاشهاري يردد ... صدر قرار :
- بأن يكتب الأطفال شعرا !
- وأن يراجع الشريف خريطته !
- وأن يترشح المجانين للانتخابات!
- وأن ... وأن
- وأن يصادر الكورنادين !
فليبلغ الشاهد الغائب، ألا إني قد بلغت، اللهم فاشهد... كان وجهها الخلاسي الآسر لا يزال يعاتبني ويقول:
- خلاصك في أن تعرف إلى أي فصيلة ينتمي هذا الدم!" ( قصة الخلاص، ص 16 ). ويتحدد بعد السخرية من خلال قصة " العين والهدب وأشياء أخرى " في هذا التلاحم الطريف بين السارد المرتحل دوما ضمن غياهب الأسفار والمغامرات ( ولعل الكاتب يلمح بذلك الى ظاهرة الهجرة السرية كجرح مغربي راهن ) وبين شخصية متميزة لها رجعها الأدبي والرمزي في ذاكرتنا الثقافية المغربية: الرحالة العالمي ابن بطوطة ثم يتدخل ضمير آخر ليكذب هذه الفذلكة بكاملها!. " بعت السبحة بابتسامة شرحت صدري، بعنا خوفا وتكلفا محتملين. باعنا أحد ما، فلم أعبأ بالشرطي إلا وهو يضع الأصفاد في يدي، يفتشني بدقة، يتأملني باحتقار و حقد وأسلم لشرطة المطار لأجدني وسط أهلي نتفرج على القناة الوطنية تبث برنامجا شيقا حسب زعمها عن الهجرة السرية وعلاقتها بأدب الرحلة " . " وقع ذلك في يوم خريفي بالرغم من أن الفصل لم يكن كذلك استيقظت متأخرا كالعادة، بسرعة خاطفة غسلت وجهي وأنا أستعرض سيل اللوم والشتائم الذي ينتظرني عندما سأصل إلى عملي، نقطة، تذكر أننا توقفنا عند النقطة إذ أنني رأيت أنه من المستحسن قبل أن نستمر أن أعرفك على نفسي: أنا انسان بسيـ … ط – من البساط – جاء في اللسان البساط هو " كل ما يداس ويهان ويدان ويشان " ( قصة غمزة الصباح …غمرة! ص 33 ). " ود الشرطي القاص أن يفهم لماذا هذا اليقين بعدم نشرها. سأل صديقه عن موضوع القصة، فرد الصديق بأنه سيتحدث فيها عن عصرنا كأبي ذر الغفاري في البرلمان مثلا أو غزالة في إحدى البلديات ستخرج لابنها نسخة من الحالة المدنية أو الخوارج في قاعة الأمم المتحدة أو…
- حقا ستكون رائعة ( قال الشرطي للقاص ) ولكن نهايتك أيضا ستكون رائعة." ( قصة في التنظير والممارسة ص 57) . وجاء في نفس القصة " فاليوم يستطيع الإنسان أن يكتب قصة بأسلوب متميز وخاص كالأسلوب الفلسفي…
أو أسلوب الاخوانيات ( بالنسبة لهذه الكلمة وفي إطار التطور اللغوي الذي تشهده لغتنا الحبيبة فقد أصبح مدلولها يعني أن يكون لك أخ، هذا المنطوق، أما المفهوم أن يكون لك أخ أو أب أو صديق في اتحاد الكتاب ، هذا الأخ أو الإخواني يساعدك على أن تصبح عضوا في الاتحاد ويضمن لك صديقا آخر يكتب عن إبداعاتك بين الحين والآخر وكلما نساك القوم )" ص 58.
وفي سياق التنويعات على نفس النغم يبيع شخص ما لسانه ( في قصة"عقد بيع" ) ويعبر من خلال ذلك عن استعداد الآخرين لبيع قلوبهم ثم أعضائهم التناسلية مقابل عقود تضمن لهم بقشيشا ما، ويتناسل زمن القصة عبر تداعيات ناشئة عن كل ذلك … وجاء في قصة " جبور" :
" – بارد وسخون يا هوى بارد وسخون !! غنيت بلا رغبة حقيقة في الغناء .
- أطلقوا السخون، أطلقوا السخون ، السخون !!" ( ص 73 )
2) مبدأ المفارقة:
يتناغم ضمن البعد السابق، قد يؤسسه أو يتأسس عنه ، يستظل به أو يتداخل معه ، وفي أكثر قصص المجموعة تتراكم عناصر السخرية انطلاقا من تجاذبات غير منطقية ، أو على قاعدة علاقات منزاحة من إطارها الطبيعي المفترض، وهو ما يعطي لنصوص بوطيب مزيدا من الكثافة وسيولة في المعاني، و غنى على مستوى الإيحاءات و الرموز
" أشار بيده الى قبر قريب وقال :
" هذا القبر كان علينا أن نطالب أهل صاحبه بثمن القبر وزيادة.
- لماذا ؟
- لأن من يرقد فيه طويل جدا !" ( قصة " في المقبرة " ص 28 ). وفي قصة " برتقالة للزواج… برتقالة للطلاق"
( التي أطلق عنوانها على المجموعة ككل ) اتخذت علاقة الطفل بالبرتقال مظهر عقدة نفسية أصبحت منبعا ومصبا لحساسيات متعددة و مواقف متناقضة " سنذهب لترضية أمك .. ضممت البرتقالتين الى صدري. أحسست بأن صدري لا يتسع للفرحة التي تسكنه وفكرت :
برتقالة …للزواج
برتقالة للطلاق
برتقالتين للترضية " ( ص 42).
وقد تأخذ المفارقة بعدا إيروسيا مثيرا – يكشف عن بعض ملامح البنية العميقة لمجتمع ما زال يبحث عن توازناته العامة – من خلال ما يجري وراء بعض الكواليس المعتمة أو الدهاليز السرية! – وهو ما يظهر في قصة " ثلاث غرف تخادع المدينة" التي تعالج بشكل متزامن ثلاثة مواقف متلبسة " بفضائحيتها " في وقت واحد:
- والي المدينة يختلي مع زوجة كبير الحرس
- زوجة الوالي تختلي مع كبير الحرس
- ملحن يغرر بمراهقة ويختلي بها…
وعلى محور آخر تنسج المفارقة في قصة " عقد بيع " ملامح للاكراهات وسلسلة التخليات التي على الفرد أن يجابهها حتى يُستدمج ويُقبل في إطار الرأسمال الرمزي السائد، الذي هو في نهاية المطاف عبارة عن لائحة مطولة من الممنوعات : " حين خرج (2) من عيادة الطبيب المحلف، صُدم بعارضة إشارات المرور تستوقفه. قالت الإشارة الحمراء: توقف عن التنفس.
قالت الإشارة الخضراء : تنفس من أنفك فقط، ولا تفتح فمك فأنت تعرف قبل غيرك أن رائحة فمك كريهة، علاوة على أن لسانك مبتور…" ( ص 66 )
وفي قصة " جبور" يصبح الذي يعالج أوساخ الناس في حاجة الى من يعالج أوساخه " تحركت أصابعي بكسل فوق قفاي، أعلن الدرن عن نفسه دونما خجل أو استحياء…" ( ص 72).
3) مستوى الغرابة:
يتسلل عبر عتبات الذهول- التي تنتصب ضمن عناصر الخطاب القصصي – فيفرز مستوى آخر من مستويات اللعبة في أفقها التخييلي، يقول الغريب في العادي ، ويقرأ المبتذل في المدهش، وكأن الأمر شهادة عميقة عن كائن مغتصب يواجه انساق انفضاحه الاجتماعي وعريه الوجودي، ونحن نفترض دائما أن الشخوص الورقية تمارس حقوقها المشروعة في حمق شامل. إذ إن الحدود و الفراغات و التقطعات أكثر حضورا من مظاهر التتابع والتناسق والانسجام، وهي تفتح أفقا لانزياحات موضعية عبر عوالم الكتابة وأوهامها الساحرة:
- قصة الخلاص : تحول المطر الى دم.
- العين والهدب….: تحول ابن بطوطة الى مهاجر سري تم العكس مع تفنيد اللعبة بأسرها.
- غمزة صباح ...غمرة : العيون الأنثوية تستفز الكائن القصصي بواسطة الغمز ثم يعلن الإضراب العام وتندلع حرب الخليج.
- برتقالة للزواج!... برتقالة للطلاق!... : تحول البرتقال الى فاكهة لكل الفصول .
- ثلاث غرف : أخلاقية " الجنسوية " كتمظهر لانشطار المجتمع المغربي عبر بنيتي السر والعلن.
- ذئاب : انحدار الكائنات الآدمية الى مسلكيات الثعالب والذئاب.
4) سؤال النص والأداء القصصي:
تتمخض القراءة المتانية للمجموعة المذكورة عن أبعاد أخرى ترسخ الطابع الحداثي لها، وتمنحها نكهة مشاغبة تعكس تمكن القاص من أدوات الحكي ووسائل صياغة الموقف القصصي، فعلاوة على اعتماد خطاب إشكالي حول الوضع القلق للإبداع (يسائل الكتابة من داخلها )، يتمثل بوطيب عناصر متنوعة تمنح من مسلكيات القصص الحديثة كالتداعيات وتكثيف البعد الإيحائي والاقتصاد في السرد وتمثل اللغة الشاعرية مع الميل الى أسلوب التقطيع الزمني وتفجير نسق النص عبر نظام المقاطع والشذرات الى تنويع الضمائر وتعمد التكرار أحيانا كتعبير فني عن ارتجاج نفسي عارم أمام ضغوط الواقع وإكراهات الدوائر المفرغة التي تسيجه بإحكام مأساوي، وبالنظر لخصوبة هذا الجانب، وتعدد أبعاده الفنية والفكرية اقتصر على التمثل بمقطع وحيد كختام لهذه المقاربة المتواضعة، تاركا للقارئ متعة اكتشاف أدغال جديدة في هذا العمل المتألق بذهوله ومكره الجميلين :
" كـل صباح ، وبلا رغبتي أ صل متأخرا
كـل صباح يشتمني السيد المدير
كـل صباح أعتذر
كـل ظهر أعود مكتئبا الى " بيتي"
كـل مساء أنام مبكرا لكي أستيقظ في الوقت المناسب
- كـل صباح أستيقظ متأخرا.
وكـل صباح يشتمني السيد المدير وهكذا … الخ لعبة جميلة " كـل" هذه أليس كذلك ؟!" ( ص 33).
<<الصفحة الرئيسية