قصص قصيرة جداً
عبد الله المتقي
فصوص الملح
شق المحراث أرضه ما يكفي ، ثم تصبب الماء غزيرا قبل قليل ، كان خصر المرأة مالحا في فم المحراث
وكان فم المحراث لذيذا في فم الأرض بعد قليل ، سيقول المحراث للأرض :
- الملح لا يقبل التعفن
فتجيبه الأرض :
- و ...دود الملح يعني نهاية العالم
ضحكا معا ووحده الطفل كان غارقا في النوم ومندهشا لذوبان فصوص الملح في كوب الماء الساخن
v v v
البيـــضة
دخل الطفل خم الدجاج , وفي يده بيضة
الطفل فسح للبيضة بقعة صغيرة, وحضن عليها
ولما كان غافيا , حلم بانكسار البيضة ، ليخرج منها ما يشبه الفراخ
الفراخ تتحول إلى أطفال
الأطفال يمدون أياديهم للطفل
الطفل يمد يده ، ويدعوهم للعب معه بحديقة البيت
ريثما يعود باباه من الشركة ، وريثما يعود السائق بماماه
v v v
رذاذ الخوف
رجل بني يجلس في ركن شبه زجاجي يرقب الشارع
الشارع هادئ ، ويكاد يخلو من المظلاتفقط ، ثمة ندف خفيفة لا تزال تتطاير
الرجل البني أخذ رشفة أخيرة من كأس الجعة
تأبط محفظته المدرسية ، ومشى بخطى ثقيلة صوب باب الحانة
وقف على الرصيف كان الشارع هادئا وكان ثمة رذاذ خفيف لا يزال يتساقط
v v v
مــــح
تقشرت بيضة الديك، فقضم الألم المح ، وفاحت رائحة كريهة ...
حينها مالت جدتي، فحالت كتفي الصغيرة بينها وبين السقوط
بالكاد تتوضأ
بالكاد تضع جبهتها على الأرض
و بالكاد تمشي إلى قبة الضريح
من شقوق الباب ، كنت أسترق البصر
لأرى جدتي،
تحتسي كؤوسا من الكحوليات الروحية
وحين تسكر ، ترمي بخمارها
تضرب صدرها الجائع
تبدو مفعمة بالنشوة من الجذبة
من الأنين
من البكاء المكتوم
و... يخرج الساكن، ويتدحرج كما البيضة الخامجة .
v v v
جرى لبـــاخــوس
كان (باخوس) قاعدا في خلوته مع قنينة نبيذ , وعلبة سجائر رخيصة , بعيدا عن أعين الفضوليين .
ظهر الشيطان فجأة بلحيته القذرة , بصق على وجه (باخوس) , أشبع بطنه الذي يحمل الحرام رفسا بقدميه , أفرغ ما تبقى في القنينة على قنة رأسه , ثم اختفى كأنما ابتلعته الأرض.
v v v
تينــــتان
كنت صغيرا , وكان صدر (زهرة) طريا مثل ريش ناعم .
كانت ابنة الجيران صغيرة , وكان جسدي لا يزال يعرش.
(زهرة) تقفز الآن على الحبل , وأنا أنظر في صدرها , كان ثمة ما يشبه تينتين صغيرتين , تستعدان للخروج , وكان ثمة إحساس غريب ينتابني .
في ركن ضيق , امتدت يدي اليمنى لتلتقط التينة اليسرى , خافت (زهرة) , وفرت مسرعة , ولما فتحت عيني , كانت دموعي تبلل صدري ووجهي , وكانت أمي تلملم ضفائر (زهرة).
v v v
الكــرز
أنا أحب الكرز ، أنا أتلمظ الكرز ، لدى كنت أترك العامرية تحدثني عن الكرز و تقول لي عنه أشياء كثيرة ، حتى صرت أراها كرزا .
جاءتني مرات عديدة تحمل بين نهديها كرزا ، فتمنحني كمشة فائضة ، وتزدرد الباقي ، ثم صرت مفتونا بالكرز ، وتحولت عندي العامرية إلى كرز.
أرى في عينيها كرزا ، وعلى نهديها كرزا ، وأسفل خصرها كرزا ، حتى أمسيت أخاف أن أتحول إلى مجنون بالكرز يذرع الشوارع ويهذي بالكرز.
و...
حدث أن تحولت إلى سارق كرز ، وقبض علي بتهمة الكرز.
v v v
تـوم وجيــري
توم يبحث عن جيري متوترا بين زوايا المطبخ ، ولما لم يعثر عليه ، شرع في تكسير الأواني .
أقبلت الخادمة بسيقانها البدينة والسوداء ، لتمسك توم من خناقه و....انقطع البث التلفزي ليفسح المجال للمؤذن ، بعدها بكى الطفل ، وتمرغ في كل اتجاه.
انتهى المؤذن ، عاد البث ، عاد توم وجيري ، و... مسح الصغير عبراته ،وعاد توم و جيري .
v v v
الرسم: بلادي وأناشيدي
د/ محمد بنعمارة
يستدير الغبار، وتهمس ريح الصحارى
ويرخي
السواد أناشيده ثم تسكنني دهشة
الظلمات
فأبصرت تحت ظلالك طفلا
تمرد كالطائر البحري
وأوغل في صمت سجن غريب
ووجدة وجه، مجرد وجه
- عبرت المدى ورائحة الموت تتبعني
كالنسور
عبرت المدى وبين يديك ينابيع نور
عبرت المدى وهذا دمي مهر هذا العبور
عبرت المدى
وصوت الزمان يصير جدارا
وصخر المكان يطاردني
ولون الجهات يوجه نحوي انغلاق الجهات
- ألست من الأرض
من صخرها المرمري
رسمت خطوطاً
تسلقت طيفاً، وكانت بلادي عقارب رمل
عبر المدى هارباً في ترابي
ووجدة باريس أخرى سجينه
ووجدة قطة حي أنيق
أعود إليها
فيتبعني أفعوان الغبار
وتهمس ريح الصحارى
ويرخي السواد أناشيده
وتسكنني دهشة الظلمات …
وجه في الزحام
د/ عبد الرحمن بوعلي
كأنني أفضي إلى بيت حزين
لكأنني ليل تُضلله نوارسه ..
ويحرسه الأنين
لكأنني أمشي إلى ماءٍ..
له شجر وأوراق..
وفاكهة وتين
لكأنني ضيعت أمسي يا فصول
الكبرياء
أو جُعت حين الجوع مات،
لكأنني أبصرت وجهي،
في الشوارع والرفات،
ورأيت أهوالاً وأمطاراً تجيء
ورأيت أطباقاً وفاكهة وزيت
حتى إذا ما لاح وجهك من ثقوبي،
باسماً مثل الغمام
انحلَّ صوتي،
وانزاح عن عيني الظلام
لك مني كل الود يا آسفي
من محطة القطار الوازيس، بكازا كانت الصحبة والرفقة مع المبدع الأنيق" المتوازي" الصموت محمد الشايب، كما كان" إلى اللقاء"االجميل أيضا من هناك، مع المبدع الكبير القلب ،المصطفى لغتيري.
كما اعرف سلفا معاناتي الدائمة من خلال سفرياتي المتكررة بمحطات القطارات وفضاءات المطارات فقد .. سدت جميع المقصورات في وجوهنا .ظللنا، كما اللقالق، على رجل واحدة واقفين ، نحكي القصص الجميلةعن الهوامش المهمشة : الفقيه بن صالح ومشرع بلقصيري. وكما كانت تلتهم عجلات القطار القضبان الحديدية بشراهة ، التهمت حكايانا و أحاديثنا الحميمية الوقت بنهم. وأخيرا كانت محطة بنجرير مناسبة للظفر بمقعد ، بل مقصورة خالية تماما إلا من شخص كهل،غير مبال، يضع أمامه جرائد لازالت تحتفظ بأناقتها. تهالك الشايب ورمى بجسده المتعب على المقاعد الجلدية الوثيرة وهو يحمدل على سلامة ركبتيه اللتان أتعبهما الوقوف من البيضاء حتى بنجرير.انخرطنا، كعادة المسافرين الذين يستهويهم التعارف، في حوار بيزنطي عن الصهد و الرحلات المتعِبة بالحافلة وهلم جرا من المواضيع التافهة، الا ان الجلسة لم تدم طويلا حتى تبين لي أنا وصديقي أن الجالس أمامنا رائد من رواد القطار، بل احد قيد ومي سائقي القطار un cheminot وواحد من قدامى الشغيلة السككيةو مثقفي الرعيل الأول من القرن الماضي. حدثنا عن القومية العربية عن العولمة عن الإسلام والنظافة وعلاقتها بالإيمان ،عن العنتريات العربية التي ما قتلت ذبابة. تحدث بمرارة عن الطريقة البشعة التي قتل به جمال الذرة،عن الطريقة البشعة التي قتل بها الشيخ ياسين على مرأى ومسمع من الجيوش العربية والإسلامية المهزومة ويعرف أن" لله جنود السماوات والأرض" والتي حسب اعتقاده أنها تقاعدت هي أيضا كما تقاعد هو من" الشمان ديفير"وإلا لم استكانت هي الأخرى إلى العجز واستحلت الكسل والتفرج على مأساتنا؟ .غمزت الشايب ولويت عنق حديثه المار على حد الكفر بكل شيء، وانتهيت إلى الحديث مكرها عن اسفي التي عرفناها قبل أن نصلها. اعترفت لمرافقي أنني جلت البلاد العربية والأوروبية ولم يقدر لي أن ازور مدينة آسفي. وأنا المولع بالتاريخ لا بالسردين، حدثتهم عن قعقعة سنابك خيل عقبة بن نافع الفهري وصليل سيوف جيوشه الفاتحين وهي تطأ شواطئ الأطلسي،و اسفي بالتحديد، معلنا قولته الشهيرة لو أني اعلم ان ارضا مازالت وراء هذا البحر لمضيت إليها مجاهدا فاتحا. ما أن سمع" الشومينو" بهذا حتى انبرى يلوك ما لا أستسيغه أنا والشايب في موضوع من هذا القبيل، كالاستعمار والعنف والقهر وغياب التسامح الديني ووو حد السيف و و و وأنا الذي تستهويني روح الأحداث التاريخية حقيقها ومزيفها ،خضت مرة أخرى في وقائع رحلة راع اثنين للسويدي هردال والمغربي المدني ايت اوهني حتى اقتحم علي معلوماتي مشيرا إلى انه حضر شخصيا مراسيم توديع الرحلة البحرية راع الأولى والثانية وهو على ذلك من الشهود. هنا دار الحديث من" ماروك فسفور" و الاورانيوم المرمي في النفايات الى اولمبيك اسفي ولاعب كرة القدم الكراوي صاحب النظارات الطبية،وجمهور آسفي الغيور على الفريق. كما لم ينس صاحبنا أن يحدثنا عن التهميش والإقصاء الممنهج الذي تعاني منه مدينة آسفي لأسباب سياسية تاريخية، كما انبرى يحدثنا بزهو وعزة نفس عن مؤشر الذكاء la quotient intellectuelle لذى أبناء اسفي وتفوقهم المعرفي والفكري على أبناء مناطق عديدة بالمغرب وعلاقة ذلك بالسمك . حدثنا عن سبت كزولة عن العربات المطفيات و.. اعاجيب الطين.
ولشهامة الرجل وكرمه، دعانا، نحن الغريبين على البلد، للإقامة بين ظهرانيه، دعوة كريمة رفضناها بلباقة متعللين بضيق الوقت .
تقيأنا القطار وما كانت الا لحظة حتى استقبلنا المبدع الجميل عبد الحق ميفراني الذي أسلمنا إلى أياد آمنة وصدر شاسع شساعة الحب الساكن بقلبه، لم يكن هذا الأخير سوى الأديب الرائع الدكتور جمال بوطيب: الطيبة شيمته والأنفة وعزة النفس خصاله، وذاكرته الاستثنائية الخارقة ميزته . بسرعة استقلينا سيارة أساتذة أصدقاء له بالكلية، وما كانت إلا دقائق حتى كنا برحاب كلية الآداب التي قمنا بجولة في مرافقها وفضائها الجميل والأجمل هي ا للقيا بطلبتها الجميلين. ثم رحلة العودة لاكتشاف العش الدافئ لأديبنا جمال بوطيب. كل ركن من أركان منزل الدكتور يحكي ألف قصة وألف قصيدة وقصيدة، لكل كتاب حكاية، ولكل مكان فيه ذكرى أو قصيدة جميلة .أذهلتني ذاكرة الدكتور اللاقطة الحافظة الباهرة، الشعر رقراقا ينساب على حافة اللسان أو تدري عزيزي القارئ، حتى قصصه عن ظهر قلب يحفظها بل الادهى من ذلك رواياته.قل .ذاكرة استثنائية والسلام. بفضاء السلطان الأكحل الأثري التقينا بثلة من الجميلين: الشعراء والقصا صون والممثلون والمنشدون والمطربون يودعون شمس آسفي وهي تغوص في الماء كوزة حمراء برتقالية (الشمس عاهرة لأننا لا ندري أين تذهب كل مساء). أمسية مستقطعة من زمن ولى، من عبق الموشحات الاندلسية إلى الطرب العربي من دمشق الشام إلى الرحابنة ب لبنان، وكل ذلك في انسجام رائع بديع وما كان قائد الاوركسترا إلا الرائع الدكتور حسن اللقبي رئيس جمعية من اجل جامعة باسفي التي آلت على نفسها أن تحيي الدورة الثامنة للمسابقة الوطنية السنوية في القصة القصيرة "بدايات" طاقات شابة واعدة تتقن فن العزف والغناء والتمثيل والتنشيط ، أبهرت الحضور المتميز بقدرتها الفائقة على العطاءوالتواصل اقسم انني لن انس تلك الوجوه التي أمتعتني ذات مساء ما حييت . صديقي لم يفارقني قيد انملة او نملة في سباق مع الزمن المنفلت مني رحت ابحث عن كثير من الوجوه والأسماء الثقافية التي اعتز بمعرفتها كأستاذ طفولتي الباحث ابراهيم كريدية والمسرحي سالم كويندي والشاعر الجميل كمال أخلاقي وصديقي الوديع سعيد احباط والمبدع البهي حسن رياض الذي أحاطنا بالمناسبة بعناية خاصة منذ وصولنا اسفي.
كما انني بمطعم كاريبالدي الشهير ( الذي ذكرني بمطاعم السمك بمرافئ جينوةالإيطالية: مطاعم يملؤها ضجيج البحارة والمقامرين والسماسرة والمهربين الدوليين. غير أن كاريبالدي مطعم هادئ الا ان هذا لا يمنع من ان يكون شهد زعيق وضجيج قراصنة ايبيريين لا محالة مروا من هنا ) قلت بمطعم كاريبالدي لم اترك الفرصة تمر دون أن أتلمظ سمك اسفي المعروف بجودته العالمية ،إذ طلبت أكلة سمك نسيت في الحقيقة اسمها ولكني لن أنسى أبدا مذاقها ولذتها.
وعدنا نحمل في زوادتنا علاقات دافئة..رائحة الطين والسمك... وسحر الجوى وحلوى الناس والصور الجميلة
عبد الواحد كفيح
الفقيه بن صالح
.
قصة قصيرة
قهوة الروح الجديدة
1- قــالــــــب:
الكرسي الدائر، أجلس عليه الآن بلا منازع. لكني راجف.. ملفات.. تعليمات وهواجس مؤرقة. ملف ضخم بين يدي.. رسالة ضمنه صعقتني هذا الصباح. أحتسي قهوتي السوداء.. أحاول لم شتات فكري لأستوعب كل شيء حين أفك طلاسم المكتب والخط الرديء.
- حالما يتخرج الواحد منا. ويباشر عمله، يلج القالب تدريجيا.. إلى أن يصير جزء من دواليبه.. قال صديقي عزوز ذات دردشة بالمقهي.
خمنت أني لن أصبح ناعورة تدور بمشيئة الحزام.. والحزام يدور كما تريد له البكرة.. والبكرة تتحكم فيها السلسلة.. إلى أن نصل مصدر الحركة.
توجست. زج بفكري في غيابه الهم وسط هذا الركام.
- أريد أن أكون كما أنا دائما.. قلت مرة في إحدى حلقات التربص.
- أتمنى أن يكون الأداء أفضل مما يحده الإطار.. قال المؤطر.
2- رســالــــــــــة.
تقول الرسالة:
"بعد التحية والسلام..
جريا على العرف الحميد لمؤسستنا بإمدادكم دوريا، وكلما دعت الضرورة إلى ذلك، بالتقارير الإخبارية.. يؤسفني سيادة المدير المحترم، أن أخبركم بأن المسمى عباس الجامح ورقم تأجيره 01 ب 10 قد تأكد لي أنه زير نساء. جسور على الملة. شديد الحقد على ذوي النعمة. كثير الهدر في شؤون البلاد. دائم التأخر عن عمله. والأدهى تغيبه اليوم. وقد تعقبته خارج المؤسسة فور توصلي بالخبر. فوجدته يرتشف الشاي مع مجموعة من المشاغبين والمشبوهين في مقهى السوق الأسبوعي. ولما رآني تجاهلني.. وكان هؤلاء، في غالب الظن، يخططون لأمر ما.
ولكم سيادة المدير، واسع النظر في أمر هذا الشاب"
3- أجــنـــــدة:
هجست كثيرا بما قرأت.. راعتني هذه الإخبارية المكتوبة بدون توقيع، وأثارني أن كل ملف ينوء بكتلة من الأوراق التي لا طائل من ورائها. أصابني بهت للحظة.. طرقت ذهني أسئلة شتى.. يا لها من رسالة ! من كتبها؟ ولماذا ضمها المدير السابق إلى ملف المعني بالأمر؟..
قررت أن لا أقرأ أية ورقة أخرى. ربما يكون من الأجدى أن أتعرف شخصية كل واحد من خلال العمل فقط. احتسيت رشفة من فنجاني. وفتحت أجندة البرنامج لأخط ما سأقوم به:
لابد أن أقلص حجم الملفات..
سأعقد اجتماعا عاجلا لمنع العرف..
سوف أقر اللوائح..
سأقاوم التعليمات.. وأكيف التوجيهات لتتلاءم مع الروح الجديدة.. سوف أرفع المردودية. وأنعش الأنشطة..
سوف ..س.و.و.و.و...
كانت يدي لا تكف عن الحركة وأنا أسوّف.. انقلب الفنجان. فاندلقت القهوة السوداء على الخطوط العريضة ورؤوس الأقلام في الأجندة.
عبد القهار الحجاري
وجدة- المغرب