جمال بوطيب يستحدت مقرا جديدا لسوق النساء ..
« سوق النساء او صندوق البريد 26 »
الرواية الأولى لصاحبها الأديب المغربي جمال بوطيب تحمل عنوان – سوق النساء او صندوق البريد 26- ، ولعل الجميل في هذه الرواية الحيلة التي اتار بها الكاتب فضول القارئ ودعاه دونما شعور الى الاسترسال باحتا عن ما يمكن ان يخفيه عنوان كالذي اختاره جمال بوطيب لرواية بها من الغرابة أضعاف ما بها من الإثارة.. ولعله افلح في ذلك..
ان أديبا متميزا كجمال بوطيب عرفناه كقاص ومسرحي وشاعر قبل ان نعرفه كروائي ..كثيرا ما يجعل الوقوف في حالة تامل عند كل ما ينتجه أمرا لامفر منه .. خاصة وانه من النوع المتمرد الذي لا يخضع للقوانين التقليدية في الكتابة والإبداع .. بل يسعى الى التحرر من هذه التقليدية والروتين الذي طبع الحياة التقافية جاعلا بذلك تمرده من الاشياء الجميلة التي تميزه وتجعل لاعماله تلك القيمة والمكانة في عالم الابداع ..إبداع بنكهة الماضي وسحر المستقبل ..ولا يمكننا ان ننفي هذا عن روايته الأولى التي اتارت من الجدل الشيء الكتير ..
ان سوق النساء او صندوق البريد 26 هي كتلة من الاحدات المفخخة بالحيل والمكائد المحبوكة ببراعة ودقة الاسلوب وروعة الكلمات التي تحيل القارئ من مغامرة الى أخرى .. والرابط خيط واحد ووحيد يجمع بين ابوابها العشرة الغير مرتبة مع اسقاط للفصلين الرابع والسادس – لغرض في نفس يعقوب -..انها لبانة الربيعي وعبد الرحيم دباشي ..هما البطلان معا لمسلسل كل حلقة/ فصل فيه يختلف عن الفصل الأخر .. وقد يكونان الضحية معا ..للقارئ ان يكتشف ذلك او بعبارة اصح له ان يتم الفصلين الناقصين من الرواية قبل ان يبدي اي تعاطف مع لبانة الربيعي او عبد الرحيم دباشي ..ذلك ما حذر منه السارد في نهاية روايته..لماذا ؟ للغرض ذاته في نفس يعقوب ...
وهذا السارد ..عبد الله قدري ..أيكون هو ذاته جمال بوطيب أم انه مجرد تظليل ذكي اخر من الكاتب ليمنعنا من اكتشاف الحقيقة..حقيقة لبانة وعبد الرحيم وجمال بوطيب..؟
ان هذا المولود الجديد الذي أبى والده الا أن يعطيه اسما غريبا مريبا ريبة قول المرحوم عبد الرحمن المجذوب..
يا الداخل سوق النساء
رد بالك
يوريوك من الربح قنطار
ويديولك
راس مالك..
" سوق النساء او صندوق البريد 26 ".. كثير من الخيانة و قليل من الحب ..اكتشافات خطيرة يكتشفها كل من عبد الرحيم دباشي الرجل الذي اعتقد لوهلة انه بذكائه يستطيع ان يوقع كل النساء ولبانة الربيعي التي اتت وجعلت اعتقاده وانانيته السادية ايناءا زجاجيا كسرته على راسه بكل برود وهدوء .. وقدري الذي نظرت اليه لبانة بغنج وقالت : سانتظر .. أبطأ الدلاء اكثرها فيضا.. ..احداتها القاتلة المفخخة المليئة بالمكائد والمتاهات تحيلك الى الجنون كلما هممت باكتشاف الحقيقة..
ان اول مايتير في الرواية أبوابها العشر الغير تامة والغير مرتبة ..فهو يستهل بالفصل العاشر / راس الخيط..يليه الفصل الثامن/ خيط الراس ..والفصل الاول / باب الريح والفصل الخامس/ ميثاق العشرة و الفصل السابع/ ريح الباب والفصل الثالث / دار الضمانة والفصل الثاني / قدري ثم الفصل التاسع / الربق بالإضافة الى الفصلين الرابع والسادس المغيبين ..ويبقى على ذكاء القارئ ان يعيد تركيب وتجميع الصورة من جديد على أساس الفهم الذي يراه في جميع التفاصيل المتناثرة في النص ..
والحق ان هذه التقنية التي استخدمها جمال بوطيب قد تكون مضللة في بعض مظاهرها لان استغلال بعض الجوانب من سيرة البطل الذاتية والحديت بالضمير الاول قد يدفعان للوهلة الأولى إلى الاعتقاد بان الرواية ماهي الا سيرة ذاتية غير مصرح بها..في حين ان النص لا يتجاوز كونه متابعة واعية وذكية لحركة الواقع الاجتماعي المتلاعب به بطريقة خيالية ذكية .. سواء في السرد او البناء ..
ان هذه الأساليب الفنية المفخخة قد تتير من السخرية أضعاف ما تتير من الغرابة عند قارئ تشعره بالدوار جمل بسيطة معقدة .. فالكاتب هنا يكتب بنوع من التمرد على ما اعتبره واقعا في روايته ..بل ويذهب الى المغامرة بتحقيقه على الورق ما لم يتمكن من تحقيقه في الواقع .. والسؤال هنا ..هل هي مجرد كتابة رواية فحسب ؟ انه السؤال الذي يتجاوز حدود الكتابة الشكلية مهما كانت هذه الكتابة مغرقة في التجربة وموغلة في الغموض وأحدث التقنيات الروائية..
ان كل شيء هنا يبدو كما لو كان واقعيا ..السرد وما يلازمه من حوار ومنولوج ووصف هو الذي يضفي على الصورة صدقها ويلغي الحدود بين الواقع والخيال..فيختلط بذلك شكل السيرة الذاتية بشكل الرواية الموضوعية الواقعية ..فعناصر الواقع موجودة بشكل او بآخر في هذه الرواية ..ولكنها عناصر جردت من طابعها الموضوعي لصالح عملية خيالية افلح جمال بوطيب في التعامل معها من منطلق يدل على استيعابه لأصول الفن الروائي في تجاربه الحديثة وهي في جميع الحالات عبارة عن توظيف دقيق للتعبير عن واقع اجتماعي قائم ، وكذا رصد حالات نفسية متوترة وشخصيات حانقة مليئة بالخيبة وبعض الامل المشوب بالاوهام .. وما توتر الشكل في سوق النساء الا من توتر المضمون..
وهذا التداخل بين الاحدات الذي يظهر كذلك في الرواية الواقعية .. فهي أولا ليست واقعية - كما صرح بذلك صاحبها - الا بسبب ما تتضمنه من إيهام بالحقيقة والواقع الذي نجده في الوصف الدقيق والمقنع الذي اجاده جمال بوطيب من خلال توضيفه الذكي لضمير المتكلم .. ولاننا من هواة تصديق ضمير المتكلم كثيرا فقد اوقعنا بذكائه في فخين ..فخ الاعتقاد بانها سيرة ذاتية وفخ البحث عن العلاقة بين العنوان والمضمون..
الا ان المحير والغامض في نفس الوقت هو ان الشخصيات في سوق النساء تحاول طرح قدرها وإيجاد تفسير منطقي له وفق القانون الذي يخضع للسبب والنتيجة ..وفي هذه الحالة نجد ان هذا الصراع القاتل قد ينعكس على نفسية الشخصية – البطل غالبا – فيكون بالنسبة اليه نوعا من الارق والعذاب والمعاناة..والسبب هو ان عالم البطل ما هو الا كتلة من الخيال والمتخيل ..
لكن حتى هذا العالم لا يمكن ان يكون شيئا غير عالم المؤلف / جمال بوطيب بطريقة او بأخرى ..فهل يمكن القول بأنها رواية شخصية قبل كل شيء ..؟؟ على القارئ ان يكون ذكيا ليكتشف ذلك او بالأحرى ليكتشف حيل وألاعيب كاتب متميز وبارع في في إتقانها كجمال بوطيب..عل اكتشافه للحقيقة لا يقوده الى الجنون.. .!!!
ليلى ايت سعيد/ المغرب
المصدر
http://www.aklaam.net/aqlam/show.php?id=2470








