جمال بوطيب يستحدت مقرا جديدا لسوق النساء ..
« سوق النساء او صندوق البريد 26 »
الرواية الأولى لصاحبها الأديب المغربي جمال بوطيب تحمل عنوان – سوق النساء او صندوق البريد 26- ، ولعل الجميل في هذه الرواية الحيلة التي اتار بها الكاتب فضول القارئ ودعاه دونما شعور الى الاسترسال باحتا عن ما يمكن ان يخفيه عنوان كالذي اختاره جمال بوطيب لرواية بها من الغرابة أضعاف ما بها من الإثارة.. ولعله افلح في ذلك..
ان أديبا متميزا كجمال بوطيب عرفناه كقاص ومسرحي وشاعر قبل ان نعرفه كروائي ..كثيرا ما يجعل الوقوف في حالة تامل عند كل ما ينتجه أمرا لامفر منه .. خاصة وانه من النوع المتمرد الذي لا يخضع للقوانين التقليدية في الكتابة والإبداع .. بل يسعى الى التحرر من هذه التقليدية والروتين الذي طبع الحياة التقافية جاعلا بذلك تمرده من الاشياء الجميلة التي تميزه وتجعل لاعماله تلك القيمة والمكانة في عالم الابداع ..إبداع بنكهة الماضي وسحر المستقبل ..ولا يمكننا ان ننفي هذا عن روايته الأولى التي اتارت من الجدل الشيء الكتير ..
ان سوق النساء او صندوق البريد 26 هي كتلة من الاحدات المفخخة بالحيل والمكائد المحبوكة ببراعة ودقة الاسلوب وروعة الكلمات التي تحيل القارئ من مغامرة الى أخرى .. والرابط خيط واحد ووحيد يجمع بين ابوابها العشرة الغير مرتبة مع اسقاط للفصلين الرابع والسادس – لغرض في نفس يعقوب -..انها لبانة الربيعي وعبد الرحيم دباشي ..هما البطلان معا لمسلسل كل حلقة/ فصل فيه يختلف عن الفصل الأخر .. وقد يكونان الضحية معا ..للقارئ ان يكتشف ذلك او بعبارة اصح له ان يتم الفصلين الناقصين من الرواية قبل ان يبدي اي تعاطف مع لبانة الربيعي او عبد الرحيم دباشي ..ذلك ما حذر منه السارد في نهاية روايته..لماذا ؟ للغرض ذاته في نفس يعقوب ...
وهذا السارد ..عبد الله قدري ..أيكون هو ذاته جمال بوطيب أم انه مجرد تظليل ذكي اخر من الكاتب ليمنعنا من اكتشاف الحقيقة..حقيقة لبانة وعبد الرحيم وجمال بوطيب..؟
ان هذا المولود الجديد الذي أبى والده الا أن يعطيه اسما غريبا مريبا ريبة قول المرحوم عبد الرحمن المجذوب..
يا الداخل سوق النساء
رد بالك
يوريوك من الربح قنطار
ويديولك
راس مالك..
" سوق النساء او صندوق البريد 26 ".. كثير من الخيانة و قليل من الحب ..اكتشافات خطيرة يكتشفها كل من عبد الرحيم دباشي الرجل الذي اعتقد لوهلة انه بذكائه يستطيع ان يوقع كل النساء ولبانة الربيعي التي اتت وجعلت اعتقاده وانانيته السادية ايناءا زجاجيا كسرته على راسه بكل برود وهدوء .. وقدري الذي نظرت اليه لبانة بغنج وقالت : سانتظر .. أبطأ الدلاء اكثرها فيضا.. ..احداتها القاتلة المفخخة المليئة بالمكائد والمتاهات تحيلك الى الجنون كلما هممت باكتشاف الحقيقة..
ان اول مايتير في الرواية أبوابها العشر الغير تامة والغير مرتبة ..فهو يستهل بالفصل العاشر / راس الخيط..يليه الفصل الثامن/ خيط الراس ..والفصل الاول / باب الريح والفصل الخامس/ ميثاق العشرة و الفصل السابع/ ريح الباب والفصل الثالث / دار الضمانة والفصل الثاني / قدري ثم الفصل التاسع / الربق بالإضافة الى الفصلين الرابع والسادس المغيبين ..ويبقى على ذكاء القارئ ان يعيد تركيب وتجميع الصورة من جديد على أساس الفهم الذي يراه في جميع التفاصيل المتناثرة في النص ..
والحق ان هذه التقنية التي استخدمها جمال بوطيب قد تكون مضللة في بعض مظاهرها لان استغلال بعض الجوانب من سيرة البطل الذاتية والحديت بالضمير الاول قد يدفعان للوهلة الأولى إلى الاعتقاد بان الرواية ماهي الا سيرة ذاتية غير مصرح بها..في حين ان النص لا يتجاوز كونه متابعة واعية وذكية لحركة الواقع الاجتماعي المتلاعب به بطريقة خيالية ذكية .. سواء في السرد او البناء ..
ان هذه الأساليب الفنية المفخخة قد تتير من السخرية أضعاف ما تتير من الغرابة عند قارئ تشعره بالدوار جمل بسيطة معقدة .. فالكاتب هنا يكتب بنوع من التمرد على ما اعتبره واقعا في روايته ..بل ويذهب الى المغامرة بتحقيقه على الورق ما لم يتمكن من تحقيقه في الواقع .. والسؤال هنا ..هل هي مجرد كتابة رواية فحسب ؟ انه السؤال الذي يتجاوز حدود الكتابة الشكلية مهما كانت هذه الكتابة مغرقة في التجربة وموغلة في الغموض وأحدث التقنيات الروائية..
ان كل شيء هنا يبدو كما لو كان واقعيا ..السرد وما يلازمه من حوار ومنولوج ووصف هو الذي يضفي على الصورة صدقها ويلغي الحدود بين الواقع والخيال..فيختلط بذلك شكل السيرة الذاتية بشكل الرواية الموضوعية الواقعية ..فعناصر الواقع موجودة بشكل او بآخر في هذه الرواية ..ولكنها عناصر جردت من طابعها الموضوعي لصالح عملية خيالية افلح جمال بوطيب في التعامل معها من منطلق يدل على استيعابه لأصول الفن الروائي في تجاربه الحديثة وهي في جميع الحالات عبارة عن توظيف دقيق للتعبير عن واقع اجتماعي قائم ، وكذا رصد حالات نفسية متوترة وشخصيات حانقة مليئة بالخيبة وبعض الامل المشوب بالاوهام .. وما توتر الشكل في سوق النساء الا من توتر المضمون..
وهذا التداخل بين الاحدات الذي يظهر كذلك في الرواية الواقعية .. فهي أولا ليست واقعية - كما صرح بذلك صاحبها - الا بسبب ما تتضمنه من إيهام بالحقيقة والواقع الذي نجده في الوصف الدقيق والمقنع الذي اجاده جمال بوطيب من خلال توضيفه الذكي لضمير المتكلم .. ولاننا من هواة تصديق ضمير المتكلم كثيرا فقد اوقعنا بذكائه في فخين ..فخ الاعتقاد بانها سيرة ذاتية وفخ البحث عن العلاقة بين العنوان والمضمون..
الا ان المحير والغامض في نفس الوقت هو ان الشخصيات في سوق النساء تحاول طرح قدرها وإيجاد تفسير منطقي له وفق القانون الذي يخضع للسبب والنتيجة ..وفي هذه الحالة نجد ان هذا الصراع القاتل قد ينعكس على نفسية الشخصية – البطل غالبا – فيكون بالنسبة اليه نوعا من الارق والعذاب والمعاناة..والسبب هو ان عالم البطل ما هو الا كتلة من الخيال والمتخيل ..
لكن حتى هذا العالم لا يمكن ان يكون شيئا غير عالم المؤلف / جمال بوطيب بطريقة او بأخرى ..فهل يمكن القول بأنها رواية شخصية قبل كل شيء ..؟؟ على القارئ ان يكون ذكيا ليكتشف ذلك او بالأحرى ليكتشف حيل وألاعيب كاتب متميز وبارع في في إتقانها كجمال بوطيب..عل اكتشافه للحقيقة لا يقوده الى الجنون.. .!!!
ليلى ايت سعيد/ المغرب
المصدر
http://www.aklaam.net/aqlam/show.php?id=2470
بنية التناص و تناص البنى
في رواية "سوق النساء أو ص.ب: 26 "
المصباحي عبد الرزاق
ســـوق النساء أو ص.ب: 26 :هي آخر إصدارات القاص ’ الروائي , و الأكاديمي جمال بوطيب .و بإصدارها يكون الكاتب الاستثنائي قد استنفد الكتابة في بنى خطاب أجناس متعددة : القصة , الشعر , ثم الرواية .
و بنية الخطاب التي نعمل هنا تتحدد بوصفها : بنية عامة و مجردة لها من القيمة المعيارية ما يجعلها رقيبا على الإنجاز .1 بعبارة أكثر تبسيطا :فإن بنية الخطاب مفهوم مؤشر على ثنائية الجنس و سلطته التوجيهية و الإسقاطية , و الإنجاز الذي هو في سياق الحال مفهوم النص . و هذه الرقابة هي من شواغل النقد عموما . و الذوق الجمالي في أحايين كثيرة . و هذا كان حال الإنجاز الكلاسي *.
و هذه الورقة تسعى –ما استطاعت إلى ذلك –إلى تمثل مؤشر محوري من مؤشرات التجريب في رواية سوق النساء هو ما نسميه : بنية التناص و تناص البنى . و التناص هنا باعتباره علامة أساس من علامات البعد الحداثي في الرواية .إذ نعتقد أن جوهر عمل الروائي جمال بوطيب تحدد بالأساس في إعادة النظر في علاقة بنية النص و بنية الخطاب , فعوض العلاقة الرأسية و الإسقاطية التي نلفاها متجسدة بشكل سافر في الأعمال الروائية الكلاسية , ينسج المؤلف علاقات مغايرة بين الإنجاز الفعلي و فرضيات الجنس نحدها في علاقتين :
- علاقة التماثل بين بنية الإنجاز ) النص( و بنية الخطاب : و هو ما يسميه barthes تناصا , إذ كل نص – في نظره : »إنما هو تداخل بين النصوص , ففيه تحضر نصوص أخرى من مستويات متعددة :نصوص الثقافة السابقة و نصوص الثقافة المحيطة « 2 . و هذا التداخل يتم على مستويين :
- مستوى الدلالة : تستحضر فيه نصوص غائبة تخدم دلالة النص الحاضر و تؤكد حمولاته .
- مستوى البناء : يتم فيه الالتقاء على مستويات التعجيم و الصيغ .... و تمثل آليات إنتاج نصوص أخرى , و هذا المستوى ندرجه ضمن العلاقة الثانية .
- علاقة تجاوز بنيتي خطاب في نص واحد : هو في هذا السياق نص الرواية , و هي ثلاث بنى : بنية خطاب الشعر , بنية خطاب الرواية , و بنية خطاب النقد . .
1- علاقة التماثل بين بنية النص و بنية الخطاب : التناص .
يدفعنا الانطلاق من عنوان الرواية باعتباره عتبة كبرى و مؤشرة إلى التساؤل عن الوظيفة التي يتلبسها في علاقته بالمتن من حافة , و عن النصوص الغائبة التي تخترقه التي يمثل بالنسبة إليها حضورا لغياب محتمل بالمعنى الديريدي ) نسبة إلى دريدا ( من حافة ثانية . فهو إذا كان في بعده النمطي مخلصا لوظيفته المرجعية حيث المتن تفصيل لدلالاته و إحالة أمينة لمحتواه ’ فإنه هنا يفقد الكثير من سلطته على التدليل لصلح الوظيفة الشعرية التي هي من صميم حبكة النص و تنسيجه الجمالي , و هو أمر نتلقفه من خلال بحثنا في التأويلات الممكنة لدال سوق النساء في علاقته بالنص في سياقه الخارجي من حيث تناصه مع قول عبد الرحمان المجذوب :
سوق النسا سوق مطيار .
يا داخلو رد بالك
يوروك من الربح قنطار
و يرزوك في راسمالك .
فمن خلال النص يتأكد المحمول الدلالي السلبي الذي يصم دال العنوان ’ و دلالة الوصم تتحدد في فقدان رأسمال بما هو تأشير على خسارة محتملة .أما من حافة علاقته بسياقه الداخلي ’ فإن العنوان يدفعنا إلى أسئلة مفخخة : هل يتعلق الأمر فعلا بسوق للنساء أم هل يتعلق بامرأة واحدة تختصر كل ما يمكن أن تجده في امرأة ؟
أنا نساء قي امرأة .... أنا مرهونة ..... « )ص26( . إجابة تواجهنا من لدن أحد شخوص الرواية لبانة الربيعي . محور الحكي و ثيمته الأساس في علاقتها بعبدالرحيم دباشي الذي يدين بدلالات العنوان الحافة و يتنزلها في فصول كثر حيث يتجسد متصوره بشكل لافت : عاق أنت يا قلبي مثلك مثل قلب سيدي عبدالرحمان المجذوب :
ياقلبي نكويك بالنار و لا بريت نزيدك
يا قلبي خلفت لي العار
و تريد من لا يريدك . ص12
منافذة نصية تكرس دلالات الفقد و المكابدة , و تؤشر على فرضية قرائية تجعل من عبدالرحيم دباشي و لبانة الربيعي طرفي صراع من نوع خاص .
إيذان بالصرم هي مدلولات العنوان , و انفراط لقد تواصل مغيب غياب التصور الذهني و الامتداد لعنوان فرعي استند تخيره لوكد تخييب أفق التلقي أكثر من من محموله اللغوي و دلالات المواضعة .فحرف العطف أو الذي يفيد التخيير أو التعيين قد يوهمنا بوجود عنوان رئيس في موازاة عنوان رئيس اخر داخل المناص نفسه paratext , بيد أنه يفقد بعده الإحالي و التدليلي كذالك , بالقياس إلى البعد الغرافي graphique الذي نميز من خلال عناصره الإيقونية بين : عنوان رئيس يشكل عنصرا مهيمنا و فرعي داله : ص.ب : 26 بما هو علامة على تواصل منفرط نراه معادلا رمزيا للمنفلت من شخوص الرواية .
و الاشتغال على العنصر المهيمن –في نظرنا - مقوم أساس من مقومات التحديث , يتخذ مظهرين في النص :
- تقويض سلطة المرجعي بالقياس إلى الشعري الإشهاري .
- تفعيل البعد العلامي غير اللغوي الموزع بفتنة على السند فتنة خطاب الشعر و تداخلاته في نص الرواية , و هو خطاب أدى وظيفة مزدوجة : تأتيث فضاء الرواية , و تلبس ذوات قائليه و تصوراتهم في لحظات سنم االعشق و عمق انحداره أيضا : من اين لي بقناعة عاشق ولادة لأقول : و إني لأتجلد و أرى الشامتين أني لريب الدهر لا أتضعضع ص12 . جلد يقتات عبدالرحيم منه و هو المفضوح بحب لبانة : أنا المفضوح بحبك بعد أن نظر الأعمى إلى عيوني فكشف حبك الجبار و الطاغية و سم الأصم هوس لساني . ص13 .
دوال منثورة تحيل إلى إلى شوارد المتنبي :
أنا الذي نظر إلى أدبي و أسمعت كلماتي من به صمم .
هما في سياقين قوليين مختلفين طبعا , لكنهما معا يقصدان إلى ضرب من السجال و يعنيان أسرار الفن أو ليس الحب فنا ص13.
و تناصات الشعر تكثفت بشكل لافت في استبطانات عبدالرحيم دباشي و بوحه بمكنونات الشعور , و هو أمر لا نلفاه في الفصلين الخاصين بلبانة , و لا غرو ما دام كاتبا : صرت أبحث عن أي بياض أفتقه بأية تفاهة قد تتبادر إلى ذهني فأسجلها أو أشطبها , متلذذا بوهم الإحساس أني كاتب . ص7 . و الكتابة هنا بمفهومها البارطي barthes , بما هي جنس مفتوح قد يخترق أجناسا أخرى , و يستحضر - عن وعي - بناها و يتنسجها في نص الرواية .
2 – علاقة تجاوز بنيتي خطاب في نص الرواية :
يعد هذا النوع من التجاوز علامة هامة على نصية النص و فرادة خطابه و تنسيجه ’ إذ أن حضور الإواليات الخاصة بأجناس أخرى قد يفضي بالنص إلى فقدانه لقيمتين محورتين يتسم بهما : السبك و الحبك coherence / cohesion و يفقده ترابطه السنتجميمي . ما دام يعرف بوصفه : ترابطا مستمرا للاستبدالات السنتجميمية التي تظهر الترابط النحوي في النص. 3
مثبطات لم تمنع جمال بوطيب من ولوج هذه المغامرة , من خلال اشتغال خاص على اللغة الشعرية فيها من ماء الخطاب ما أهل الرواية لتنساب في ذوات القراء و تنتج تناصا توالديا هو من صميم اللغة الواصفة التي يتلبسها نص الرواية . و الرواية إنجاز يتضمن آثار تنضيد بعض بنياتها : شخوصا , و زمنا , و تعددا للموضوع خلاف القصة , و أمكنة رئيسة و أخرى ثانوية و سردا و وصفا , و ساردا ينوب عن الكاتب في سرد الأحداث ..... . و لكن بمتصور جديد و خروج عن تلك البنيات بوساطة استغلال بعدها التوجيهي لا القسري من خلال : بعثرة فصول الرواية و ترتيب صفحاتها , غياب الصفحة الوهمية و الخطاب المقدماتي , غياب الفصل الرابع و السادس , و تضليل الفهرس , و تضخم الأنا .
مؤشرات تدفعنا إلى تأكيد انتماء النص إلى رواية التجريب و الحداثة , رغم استعصاء تأطير النص تماما كما خطاب الشعر ’ الذي تتأثل بنيته في نسيج النص :
أما )
وجل أنا من بعدك .....سيدتي .
إذ فجر غشت غشني
و بانطفائك رشني
ألثم وجنة باردة
و يدا سكنت
من بعدما سكنت غلالات القلوب .ص31
تبئير على اللغة ذاتها و الرسالة نفسها : مجاز , و جناس تام و ناقص , و قافية مرسلة و متتابعة و إيقاع داخلي منساب .... قد يوهمك بتناص مع قصيدة تفعيلة أو نثر .
شعر هي دوال النص الجملية و مكثف أساس لمعاني البوح . و الشعر كتابة داخل كتابة , كتابة بالشعر تتجسد قي بناه المؤتلفة في نظام النص ’ و كتابة عن الشعر يصبح فيها موضوعة للغة واصفة هي أس بنية خطاب النقد : نقد الشعر و نقد لواقع الشعر , واقع المشرفون على مهرجانات الشعر فيه منظمو حفلات , واقع يفخخك بأسئلته : ماذا لو قام شعراؤنا القدامى ماذا سيزن كثير من زناتنا أمامهم ؟ هو استلزام حواري يفتك بالقوة الإنجازية الحرفية كما يفتك نص الرواية ببنى خطابه النــــــــــــــــــمطية .
الهوامش :
1- قريرة , توفيق : التعامل بين بنية الخطاب و بنية النص في النص الأدبي , عالم الفكر , العدد 2 المجلد 32 أكتوبر –ديسمبر 2003 .ص: 185.
*- نمثل لذلك في الثقافة العربية بعمود الشعر الذي شكل بنية خطاب الشعر .
2- نفســه ص : 191.
3- حسين , جميل عبدالمجيد , علم النص : أسسه المعرفية و تجلياته النقدية , عالم الفكر , العدد 2 المجلد 32 أكتوبر –ديسمبر 2003 .ص: 145.
تابوت طائر
من حين لآخر كان يظهر لها من الود والحب والحنان ما يجعلها تهفو إليه .حسناء قبيلته تسر الناظرين . اختار هذه المرة أن يظهر لها بزي الفارس المغوار، متقمصا شخصيات أجدادها الأشاوس الذين طالما حدثته عنهم، تماما كما يحلو لجدتها من أبيها وصفهم . لهذا الغرض ارتدى جلبابا أبيض قديماو سلهاما وامتطى صهوة فكرة "الحريك" وشرع صدره وأفكاره على مصراعيها للرياح الأربع تدفع به جهة الشمال. .يلف العالم لفا ويجوب الآفاق . قد يظفر بها ويصبح فارس أحلامها ولو في المنام . سيعود منتصرا على كل الحواجز الضاربة جذورها بأعماق العرف والتقاليد : المال والنسب و السمعة والفقر والآباء والأجداد وشجرة الأنساب . أصابه الدوار . كيف باستطاعة، بل من أين لهذا الحارس القدرة على ترك أيقونته بين أحضان وغدر المتربصين. سيموت ببلاد الغربة هما و غما وكمدا .تراءت له عروسا تتهادى، بالحناء مخضبة البنان، موشومة مطرزة بالعقيق والموزون اللماع والودع واللوبان والنقرة الحسنية، من على ظهر فرس مطهم أصيل يعود ربما لملكية أحد الأجداد ورثوه، بالسيف، من عهد السيبة ..فارسة شامخة تطوف بها غيد حسان و عصافير مرفرفة كما حواء، الجدة، يوم أغواها الشيطان فأرسلت إلى هذه الأرض على وجه السرعة لتذيقنا من صنوف العذاب ما لايتسع له مجال . بيدها سلة كرز وعنب وأزهار .. يعدو باتجاهها فائزا للهرب بها لوحده وسط اعزارى الدوار كما هي تقاليد القبيلة، ويطلق أب العريس كما هي تقاليد القبيلة طلقات البارود من بندقية "بوحبة" إيذانا بانطلاق الأفراح إلى متم الأسبوع، كما هي عادة القبيلة ،لكن إحدى هذه الطلقات تصيب العروس في مقتل، تخر بين أحضانه مدرجة بالدماء. أحس بالسائل دافئا يتدفق بين النحر والصدر، سمع صوت قنبلة يدوي برأسه، يرج جمجمته اشتم رائحة البارود تعفرت مناخيره عطس، بزق، ، تفل، داخ لعن اليوم الذي ولد فيه . الحاصل من هذا، نسي كل شيء واستعد لـ شيئ واحد ووحيد : أن يكتب لها رسالة : ليخبرها بمغامرته إلى بلاد الثلج والضباب، يذكرها بطارق بن زياد. من هناك سيكتب لها خطبة كتلك التي أحرق على إثرها جدها طارق أوراق وقوارب مرافقيه . المصيبة أنه ليس بكاتب رسائل ، لم يكتب طول حياته رسالة قط ولم يتلق رسالة ، عفوا فهو لايعرف خربشات تلك الحروف الأبجدية ، رآها مرة واحدة من خلال نافذة القسم الوحيد الرابض منذ الأزل بالدوار .شدته فكرة كتابة الرسالة، حار في الأمر، فهي مثله لاتعرف القراءة والكتابة . الرسالة لاتكتسب قيمتها إلا من هناك ، هكذا عاوده الإصرار على كتابة الرسالة، وماذا تحمل الرسائل؟ كل الناس يكتبون رسائل. ماذا بهذه الأغلفة المغلّقة ؟. المهم سيكتب لها رسالة من هناك من على قوارب الموت ..من تحت ماء البحر ...من بطون سمك القرش....المهم رسالة من هناك ، قد تحملها عروس البحر أوجنياته أوفيروز الشطآن ،لايهم فللبحر سعاة بريده . غاب عن الأنظار طار الخبر في الدوار. استفاقت على المفاجأةالمنتظرة هذا الصباح .لم تكتب له رسالة ولكن من طول انتظار.. تعجل السارد وقال:
« صبنتُ كل صوف القرية بأدمعي، وغزلته على مغزل الأماني و برموش الأعين خطتُ لأحلامي فراء دافئا يتسع لصدر حبيبي» .
كل ساعات الناس وساعتي سواء إنما ساعتي رعناء ،لا تضبط الوقت بانتظام ، ولا لتقطع الزمن إلى دقائق وثواني بل إلى موعد مع خفقان قلبه ودقات قلبي .
علقت آمالها على مشجب العودة ، سوت آهاتها ولواعجها على تيار دبدبات كل نسمة صباح، تبعثها عبر الأثير ، تتحول في مخيالها إلى معسول الكلام ، تذكرها بالحمص المالح زاده ، مكرها، في قوارب الموت .
اهتزت القرية لعودة الغائب ، لم تنبس ببنت شفة، لا أحد يعلم .وصلت قافلة التوابيت الطائرة ، وكان نصيب القرية منها واحد . فتحوه ، وعوض أن يجدوه ، حاروا في الأمر، فبداخل التابوت وجدوا مظروفا وسع رسالة مكتوبة ببياض ناصع البياض .
إبحار
إبراهيم الكراوي- المغرب
بلا مجداف
كنا نبحر،مغمورين
بهالة الزرقة
في بحر الطويل المسجى
كنت يائسا،
لولا أن يدك الببضاء
كانت ترعى النجوم
كحملان وديعة
في جزيرة قلبي النائية.
لم نكن في حاجة
إلى أن تهدأ عاصفة الكثبان
على ضفاف بحر الطويل
فقط،
كنا نبكي الليل
وبقايا أطلال الأمواج
الأمواج
القادمة من قرون الذكرى.
كنا نذرف دموعا من زجاج
في هذا البحر المتدلي
كخيال يهذي في الأفق،أنظري
إنه القمر الرؤوم
يرجمنا بضوء العشق
» اللعنة، اللعنة .. «
كانت تقول الوهاد الرومانسية
شبه مبتعدة،
كلما آبتعدنا عن الحياة
وآنتابنا عطش الصحراء،
شربنا من الزرقة البحرية
عيني الشاعرة أيضا
كانت تغترف من حليب جسدك
حين يفيض
كجبال تختلج بألق الثلوج
وغيوم العزلة الجريحة
مثلما جزيرة قلبي الرمادية
كادت تنتحر
على ضفاف الطويل؛
لولا أن عينيك
ألقت بأكوام الحريرالنابض،
كأنما من سماء بعيدة
فتشبت حينها بحبل الوصال
إلى أن وصلت الريح الرحالة
مثخنة بدماء الحب
بعدما جابت القرون الغابرة
أقبلت،
ساحبة الليل البهيم
في آتجاه بحر الطويل
المسيج برائحتك والأحلام..
تذكرين أمس، في الظهبرة
كانت الشمس، خليلتنا الوحيدة
تدفئنا بحطب الأشعة،
وتلقي بالذهب
في قلبك الذي يتحول إلى وردة
تتفتح كل صباح
على مرمى من الأعين المخطوفة للبحارة،
تهبط من شعرك؛المسدل كالليل
تهبط ،
ملائكة ونجوم برية
نجوم أهتدي بهاوحدي
حين أبحر
بلا مجداف،عاريا إلا من دمي الذي يسيح؛
وليس سوى الألم
يغذي جزيرة قلبي المغمورة
بظلال جسدك،ورائحة شعرك المخدرة
إلى أن توقظني سمفونيات شفتيك
ذات صباح شتائي
على ضفاف بحر الطويل
أو أصعق بأمواج جسدك ،بعد آكتمال الحلم..