قصة قصيرة
سحابة هاربة
محمد الشايب
أشتهي البكاء
أشتهي الضحك
أشتهيهما معا في نفس الآن.
لا أدري لماذا لبست هذا القلق، وكيف توغلت في مغارة هذا الصمت.
أشتهي البكاء فلا أبكي
أشتهي الضحك فلا أضحك
بينهما أحترق...
أراوح القلق بين مطر بارد، وسموم حارق
بين البحر والعدو
ووسط رماد السفن
أحترق.
المدينة ودعت أهلها البارحة، وها هي خاوية الدروب، ها العصافير، تغني أم تبكي؟( لا أدري )، ها الأشجار ترقص، فرحا أم من شدة الألم؟( لا أدري )، ها مراكب الصيد، نائمة في المرافئ أم ميتة ؟( لا أدري )، ها البحر يرسل الحياة، أم يحفر القبور ؟( لا أدري )، وها أنا بين عباب صبابة قديمة أحترق، والكراسي أمامي ترثي المدينة، وتكتب نشيد الفراغ...
أغير مجد هذا الضياع؟( لا أدري ).
أمس التقينا.
بعد عشرين عاما نلتقي.
عشرون عاما بكل تضاريسها السهلة والوعرة، بكل ألوانها القزحية وغير القزحية، بكل التشرد، بكل التيه...
بعد عشرين عاما، تعود لأجدها أمامي تنتصب كشجرة لاتموت إلا واقفة، تتجاوز الليل الذي سجى طويلا، وتقف على عتبتي، في يدها نار، وفي صدري بنزين، وبيننا موج من الدهشة. بعد عشرين عاما عانقت دهشتها دهشتي، ووقفنا نصل الرحم، ونغرق في لهفة السؤال.
المدينة الأخرى هناك بعيدا
و" سبو " حاميها يعزف على كمان الغياب
ودفاتر الصبا
هيهات هيهات
بعد عقدين كاملين تعود كالرذاذ بعد جفاف طويل:
- أينك الآن؟
- لا أدري أينني..
- بلغني أنك تزوجت زواجين، زواجا بالكتابة وزواجا بامرأة.
- أنت أيضا تزوجت.
- من الأغلى عندك؟
- زوجتي أيضا كتابة.
- كلاسيكية أم تجريبية؟ !
- الأهم أن تكون جميلة.
حلقت و أنا بجانبها، فتجاوزت جبالا شاهقة من الزمن، وبدا لي فتى ملتبس كنته، حالما كان يجر نحوله، ويسير الهويني على ضفة سبو، يحمل محفظته، و يقصد الليسيه، وسط حشد من الأقران، يوزع بسماته بسخاء كبير، يتكلم قليلا ، و يصمت كثيرا ، في محفظته يخبئ قصيدة يهجو فيها رونالد ريغن، و في قلبه تخضر قصيدة ثانية يتغزل فيها بالفتاة التي تجلس جانبه في الفصل، القصيدة الأولى سيسلمها لأستاذ اللغة العربية لينشرها في المجلة الحائطية، أما القصيدة الثانية فلن يستطيع تسليمها لأحد !
من بعيد، من خلف كل سنوات البين، يحضر الفتى وهو يردد في صمته تارة أغاني عبد الحليم، وتارة أغاني ناس الغيوان. ينفلت من قبضة الأقران، وينفرد بفتاة أنيقة كانتها التي أشرقت أمامي فجأة بعد عشرين سنة من الأفول. يسلم عليها فيخفق قلبه، وتحمر وجنتاها، أو بالأحرى تزدادان احمرارا، تسأله كيف يتهيأ لامتحان " الباك" وكيف يوزع وقته بين المطالعة، ولعب الكرة، وسرقة البرتقال، والتصعلك ليلا، وكتابة الشعر، تنصحه بالابتعاد عن رفاق السوء، تقول إنه ليس من صنفهم، هو خجول وهم لا يخجلون، هو مهذب ومشاغبون، هو ذكي ( حسب زعمها ) وهم أغبياء. يظل متحصنا في صمته، ولا يجيبها إلا ببسمة عريضة. تحثه على أن يهتم أولا بدروسه، فالناس يحبونه لكنهم لا يحبون أن يروه وسط أولائك الأقران. كان يتساءل كل مرة : لماذا تكرههم؟
هم مشاغبون لكنهم طيبون، وواضحون أيضا وهم أقرب إليه منها، لقد أحبها، لكنها كانت تبدو بعيدة عنه، هي بنت المدير وهو ابن العامل، هي تقضي صيفها في شاطئ مولاي بوسلهام، وهو يمحو تضاريس الهجير رفقة الأقران بين فيافي الضيعات والنهر.
- عشرون عاما لم نلتق، وها نحن وجها لوجه (قالتها وهي تزيح النظارتين الطبيتين عن عينيها، ربما لتظهر أن بريقهما ما زال متأججا).
- تمضي الأيام بسرعة، لكن هل تذكرين؟
- أسافر عبر القطار باستمرار وكلما فاحت رائحة المدينة، أنهض من مكاني، ألتصق بالنافذة و أتمنى أن يتمهل القطار حتى أراها جيدا!
- ماذا تحبين أن تري فيها؟
- كل سطر كتبناه على جبينها.
تتنحى السنوات وتنمحي، يفوح النهر بنسائمه، تتجلى الفتاة بجانب الفتى، يدعي أنه يخاف المطر، يرافقها تحت مطرية واحدة، تسأله مرة أخرى عن امتحان " الباك"، يحاول أن يغير الموضوع، فقلبه كان يخفق حينئذ بهم آخر أحلى من موضوع " الباك"، قلبه كان يرقص على إيقاع آخر. يظل ملتصقا بها تحت مطرية واحدة، مطريتها طبعا، يلمس بمرفقه إحدى تفاحتيها، فيرتج توازنه، ويحلق بجناح نادر من الدهشة. أما هي فتشتعل احمرارا، ويسيل وجهها عرقا، فتلوذ بموضوع " الباك" مرة أخرى.
- حينما تنجح في " الباك" ستذهب إلى مدينة كبيرة...
بعد عشرين عاما أعود لأشتهي البكاء فلا أبكي ..
و أشتهي الضحك فلا أضحك.
والمدينة أيضا تبدو مثلي متأرجحة بين ضدين. مر لقاء البارحة كخلسة المختلس، هطلت الأسئلة غزيرة، وتاهت مراكب الدهشة، عدنا القهقرى إلى ضفاف بعيدة، لذنا بالصمت تارة ، وبالكلام تارة ، وفتحنا بعض الصفحات، بدت أكثر شوقا إلى المدينة الصغيرة، و أكثر تعاطفا مع رفاق السوء، أرادت أن تعرف كل تفاصيلهم الجديدة...
- كم مرة في السنة تزور المدينة؟
- أطرق بابها باستمرار.
- كأنها أندلسي وأنا طارقها الخائب.
- قلت إن الأقران تفرقوا جميعا..
- كنت تكرهينهم.
- كنت مخطئة، لم أستوعب حينذاك أنهم كانوا أبطالا رائعين لحياة رديئة.
- ربما لأنك كنت بنت المدير.
- الآن تحررت من ذلك.
ضحكنا، ودخلنا القاعة، توجهت إلى المنصة، و أخذت مكاني وسط الزملاء، بينما جلست هي بين الحضور.
بعد عشرين عاما، ها هي العين تكتب دهشتها في العين، وها هي رياح قديمة تهب من جديد، وها هو الفصل المطل على النهر يتجلى ناصع البياض. يدخل الأستاذ، تدخل الفتاة، يتوالى الداخلون والداخلات، يدخل الفتى وسط الأقران وضجيجهم، يجلس بجانب الفتاة في الطاولة الأولى أمام السبورة، يرتفع صياح الرفاق مطالبينه بالرجوع إلى الخلف، لا يلتفت إليهم، يتدخل الأستاذ مطالبا بالهدوء، ثم يبدأ الدرس...
تناوب الزملاء على قراءة نصوصهم، وجاء دوري فقرأت: " رأيتني في مدينة لم يسبق لي أن وطأت أرضها، وجهها غامض و أسوارها بنية متصدعة، دروبها خالية، يلفها صمت عظيم، وطرقها مكتظة بالحفر، ريحها جافة، وشمسها حارقة، نوافذها وأبوابها محكمة الإغلاق، و أشجارها واقفة تتلو قريض البكاء. رأيتني في هذه المدينة تائها بلا مجاديف، يلبسني قلق ويقودني مهب الريح كريشة رمى بها غصن غاضب. وجدتني وأنا بين أنياب هذا الصمت القاهر أشتت نظراتي بحثا عن ملاذ، أحاول قراءة أرقام البيوت وأسماء الدروب فلا أفلح، أستعطف الشجر والحجر ولا من مستجيب، أقترب من بوصلات المدينة، أجدها مكسرة ، أمر إلى الإشارات، أجدها منقوشة بحروف غجرية، يتعاظم قلقي، ويعلو عبابه، وأجدني أسأل نفسي: ما بها هذه المدينة تغلق الأبواب، وتفئ نار قراها في وجهي؟ ! ثم واصلت مسيري وإذا بي أشاهد أمامي الهيفاء واقفة تحت فئ شجرة، وتطلق بسمة لم أرها منذ زمن طويل، هرعت نحوها، ووقفت أستظل بفيئها قبل فيء الشجرة، ثم قلت: أين كنت طيلة هذه السنين؟
أطفأت بسمتها، وخاطبتني:
- اسمع يا هذا الرجل، لا أريدك أن تعكر صفو حياتك؟ !
- نعم أنت.
- كيف؟
- كل يوم أجدك تطاردني.
- لكني لم أرك منذ...
- كل مساء أجد نظراتك تنقض علي، ألا ترى أني الآن متزوجة، وزوجي يحبني؟ !
- صدقيني أني لم أرك منذ أن خرجنا من تلك المدينة أشتاتا... !
- أنا كل يوم أراك، أرجوك ابتعد عني، أنا الآن أحاول جمع شتاتي، أحاول أن أستكين، أن أنام ما تبقى من الحياة تحت فيء الطمأنينة، ثم إنك كنت جواري سنوات طويلة ولم تتكلم، ظللت وفيا لصمتك اللعين، مشينا معا في القر والهجير، تحدثنا معا، انتقلنا معا، أكلنا معا، شربنا معا، تجولنا معا، وشاهدنا معا أفلاما في القاعات وأخرى في الحياة، ولكنك لم تتكلم... !".
طال النص، وقد كان يحمل عنوان" هذا ما جناه الصمت علي"، سافر بي في اتجاهات شتى، فرأيت كيف أن الحكاية بارعة في الكر والفر، كيف أنها تنط هنا وهناك، وتزاوج بين الماضي والحاضر، وتخلط الحلم باليقين، أريد أن أقول الواقع، فلا يقين في الكتابة.
انتهينا من قراءة نصوصنا، اقترح المسير أن نستريح ربع ساعة قبل أن نعود إلى القاعة لنناقش مع الحضور ما قرأناه.
رأيتها تنهض من مكانها، وتقصدني، قالت: كنت أريد أن أستمتع بالمناقشة كما استمتعت بالقراءات، لكن وقت وصول القطار وشيك. خرجنا جنبا إلى جنب من القاعة، استوقفتني.. أخرجت من حقيبتها اليدوية ورقة صغيرة، وسلمتها إلي وهي تخاطبني: "هذا عنواني وهاتفي"، ثم مضت مسرعة كالهاربة.








