موقع الكاتب والأكاديمي المغربي جمال بوطيب

"الإنسان أشكل عليه الإنسان" أبو حيان التوحيدي


سوق النساء أو ص.ب 26

فصل من الرواية

 

 

الفصل العاشر

رأس الخيط

 

حين تأكدتْ أنها أسندتني جثة ، فكتْ وثاقي :

-         آن لنا أن نفترق.

قالت ، بنشوة ساد يتصيّد الجذالى .

صمتتْ .

توقعتُ تراجعا ينعت كلامها بكونه دعابة سخيفة لا غير.

لم يقع ما توقعتُ .وقعتُ .

-         ليس صعبا حاول أن تنسَ ، أردفتْ .

لم أحاول ، ماذا يملكُ الميت أمام مغسله ؟؟

هو ذا الهاتف. جامد لا يتحرك إلا ليجمد النبض ، و لا تتمدد أسلاكه إلا لتمتد خانقة عنق كل سلك يعتقد في الوصل .

       فتحتُ كناش " الكاطافلام " الطبّي الذي أهداني إياه " محمد سعيد الشلاف " ذات تدريب ، وفي صفحاته ، صرت أبحث عن أي بياض أفتقه بأية تفاهة قد تتبادر إلى ذهني فأسجلها ، أحتفظ بها أو أشطبها ، متلذذا بممارسة وهم الإحساس بأنني كاتب ، يمكن لألق الحروف ،وبهاء الألفاظ أن يكونا عزائي الأوحد كلما داهمني شعور بهذه الوحدة القاتلة التي لم أعد أقوى على مقاومتها . لقد تحولت وحدتي منذ مدة إلى شبح يرهبني، ويضاعف إحساسي بوشك موتي .

كانت أوراق كناش " الكاطافلام" ساطعة الغرة ، بيضاء عذراء لم تتسلل إليها بعد يد خبيئة خبيثة تلوث طهرها، وتعبـث بملائكيتها ..

-         يحق لي أن أهذي .هجستُ ،

 أو أترك القلم يهذي حيث شاء ،

فالورقة البيضاء حرث للقلم يوتيه أنى شاء .

لن يهم إن كان  الحارث أبيض أو أسود أو  لا لون له حتى ،    أو أحمر باهتا بلون أقلام أساتذة كُثر ، علمونا كيف نكون عبيدا من دون أن يعلمونا ولو حرفا واحدا .

عنّت لي فكرة :

" بين الورقة والقلم

لستُ إلا محراثا أو ثورا يجر المحراث .

بور هي كل أراضينا كامرأة عاقر ، أنهكَتها زيارات الأطباء والعوادات والأولياء .

وشحيحة هي سماؤنا كمعشوقة مبهورة ، اكتشفتْ فجأة أن فيها بعض ما يحب " .

-         لا جدوى من الحرث إذن.

قلت . لأتردد في لحظة .

-         بل لا بد لي أن  أكتب . وفخختني الأسئلة:

 ما الذي يمكن كتابته ؟

وهل بإمكان المكتوب أن يكون شيئا آخر غير مأساة يتلهى بها أولئك المرضى بداء اسمه القراءة ؟؟؟

لا يهم .

 المهم ، قصتي معك لا بد  أن تخلد . ولا أحد غيري سيكون أشد حرصا على تخليدها .

قصتي معك لا بد أن تكتب ، فلا يمكن لأشلاء من جسدينا أن تتحول رميما أو رفاتا، ومتاحفنا العشقية أشد فقرا من عانس إلى زوج .

قصتي معك لا بد أن تقرأ ، بقراءتها أُشفي وأشفى ، فلا طبيب يملك علاجا لجثة تعشق قاتلها ، أو وصفة لموثَق يفخر بأن يد موثِقه حنت عليه ، فأوثقَته .

قصتي معك لابد أن تخلد وأن تكتب وأن تقرأ.

لسبب بسيط : لأنها تستحق .

ولسبب آخر أكثر بساطة لأنها ترهقني، وأعتبر كتابتها تخلصا من ثقل يقوس ظهري .

لا أذكر من قال لي يوما حين أزعجته بشكواي  ،  قل :

" اللهم إني لا أسألك أن تخفف حملي

   ولكني أسألك ظهرا قويا ".

"جبور" ، هو " جبور الفكيكي " بكل تأكيد ، هناك في " وجدة " البئيسة في مقهى " كافيتيريا " الإداري . يقينا هو ، أذكر الآن ، وأذكر أيضا أنه حين لم يسمع مني تعقيبا يشعره بمشاركتي إياه  في الحديث ،  أردف :

-         " اللي قلبه شبعان

    يعطي للدنيا بالظهر"

أتذكر هذا الآن ،لأن ما وقع لا يقوى عليه ظهري . وظهري حين وليْته للدنيا كنت شبعانا بحق ، إلا منك .

   أ فليس من حقي أن أعترف بضعفي وقلة طاقتي ؟

       أم ليس من حقي أن أعترف أني أجوع وأشبع وألبس وأعرى ؟

تستحق قصتي معك إذا أن تحكى لا أن تنسى ....

لم أنس أبدا الحكمة التي قلتها لك ونحن في منزل سيدة طالق كانت صديقة لنا ، وكنا نزورها في الأماسي حاملين معنا " لا كريم شانتيي " ونقاسمها كأس الشاي أو فنجان القهوة.

تشاركنا هي في السماع إلى هوانا والتفرج عليه وتقول كاذبة        أو صادقة إنها تتمنى لنا السعادة والرفاه .

ونشاركها نحن في السماع لقصصها عن أزواجها وأبنائها الأربعة   و طلاقاتها .

قلت كانت صديقة لنا لأنها لم تعُد ، منذ غضبتْ وهي السعيدة بحبنا، لأنني ظلمتك وغفرتِ لي .

كنت تقولين:

- مسكينة ماجدة ملأنا الفراغ الذي كان يلفها.

وكانت تهجسُ :

-          لا بد من فراغ بينهما.

لذلك غضبت وزعقت بصوتها العصبي كتلفزة مسنة أو كمذياع مبحوح  يوم اكتشفت ان الذي بيننا لايزول إلا بزوالنا. ولما اختلت بي ، قالت :

- قاطعتُها لأنها سامحتك .

- هي تحبني .قلت لها .

أدركتْ تمسكي بك . وعنك حدثتني بما ينفر. ولما رأتني لم أكترث .تركَتني ، وانصرفَت .

لم أنس أبدا تلك الحكمة التي قلتها لك عندها :

"نفسي التي تملك الأشياء ذاهبة

فكيف آسى على شيء إذا ذهبا ؟؟!"

حفظتها من قناة إم .ب .س حين كنت أتغذى أنا وحياة في مطعم قرب"  أوتيل المغرب " بتلمسان ذات هوى....

ولما قلت لك هل تطيقين بعادي .قلت : ذكرني بما قلتَه يوم كنا عند ماجدة .

لم يكن ممكنا أن أشرح لك على الهاتف أنها تقال للأشياء وليس للأشخاص ، وأن سياقها يوم قلتها هو غير ما نحن فيه الآن .ولنفرض أنها تصلح لمثل هذا الموطن ،أو تسري  على الآدميين ، فكيف تدمينني بها ؟؟

لم يكن ممكنا الشرح.  ولم يكن ممكنا الاستمرار.

واليوم ...  بعد أن انتهى كل ما كان بيننا .

أو بعد ما أنهيت كل ما كان بيننا ، وكسرت رقبتي كما تفعل مبراة عصبية بقلم رصاص وطني ، يحق لي أن أقول :

- " يا لشماتة الأعداء..."

من أين لي بقناعة عاشق " ولاّدة "  ، لأقول :

- " وإني لأتجلد وأري الشامتين أني لريب الدهر لا أتضعضع".

هل كان فراقنا ريبة من ريب الدهر ؟

أم أن حبنا هو الذي كان كذلك؟ لا تجيبي . سيجيب الشامت والعاشق والمرتاب.

حاولت مرارا استردادك لأني كنت أعتقد قبل أن يحدث ما حدث على الأقل أن الذي بيننا يزول بالموت لا غير ، كما كنت أعتقد طول حياتي  أنني أنا المعروف – اعترافا بيني وبين نفسي-  أني لا ألتفت إلى الوراء وأن ذاكرتي  – مصدر تعاستي –  لن احتاجها إلا عندما أريد أنا، و لا أحد غيري ذلك ،هاهي اليوم تلتصق بك وترغمني على البقاء للفناء فيك ،وتتحول إلى مخدع لطيفك ليس يرام.

سأحاول أن أشفى منك.

وإن استطعت سوف أبلغك.

أ يمكنني ذلك ؟ بالتأكيد لا ، ولهذا أنا ناقم على ذاكرتي التي طالما كانت منبع فخري ، لما يؤكد الأصدقاء وحتى الأعداء أنها أقوى ما أملك .

تموت ذاكراتنا ونحيا ...

فلماذا لا نموت و تحيا ذاكراتنا ؟

ماذا لو كنا نموت بالتقسيط ، أو نميت أشلاءنا العاقة شلوا شلوا ؟

ولماذا لم أكتشف قبل اليوم أن هناك خيطا  رفيعا غير مرئي يربط بين الذاكرة والقلب ؟

صادق ذلك الأستاذ المسن ، القريب   جدا من الأرض بقامته القصيرة المنفرة ، ووجهه المدور كحلقة مفرغة وفمه النتن الرائحة كبالوعة مكشوفة ، والذي قاسمني السكنى ستة وسبعين شهرا ، صادق هو حين يقول ، متحدثا عن تجاربه العشقية الفاشلة بعد أن يغلبه السكر:

-         أنا قلبي ، جبدته ، وحطيته قدامي ، فوق الطبلة ،هنا ، وسولت علاش ما بغاش يتوب ، وجبت المقدة ، وقطعته أطرافا أطرافا ، وشويته ، وكليته ، و تهنيت .

يستطرد وقد ثقل لسانه من شدة الشرب والحقد:

- كن مثلي يا صديقي ، النساء كلبات..

لماذا لا أكون مثله ؟

ولماذا يا قلبي لا تكون طائعا مثل قلبه؟

عاق  أنت يا قلبي . مثلك مثل قلب " سيدي عبد الرحمن المجذوب " الذي مات، وترك الرحبة واسعة أمام كل من رصف كلاما بعامية البلاد ليسميه زجلا :

" يا قلبي نكويك بالنار

وإذا بريت نزيدك

 يا قلبي خلفت لي العار

 وتريد من لا يريدك "

 اليوم فقط ، أدركت ما معنى أن تكون "تازة" الودعة المرصعة ف عنق "للا عذرا "حزينة في رائعة صديق شاعر "يا تازة يا حزينة ".

     طباخة كنت أريدك كما عهدتك ، ماهرة  ويدك فيها ملح "البنة". تقدمين إلي أشهى الطعام ،فآكل ويأكل معي عشيري أستاذ الفيزياء القصير المسن ، ليغالطني في آخر كل شهر عندما نتحاسب ، ويدخر هو النقود لينفقها كل سبت في اقتناء النبيذ من عند "البياز" وعلى عاهرة قصيرة ومسنة مثله، كانت تأتيه في منتصف الليل من حي "وريدة " .آكل ويأكل معي ، ويحذرني من السحور ، وينصحني بشرب "الروج "وزيارة العوادة التي اغتنت فجأة ،وبنت منزلا فخما  قبالة كوميسارية   " ذراع اللوز " .

لم أدرك أبدا أن طبخك ذاك لم يكن غير تمارين فاشلة من أجل تهيء  أشهى وأبهى  وأبرع وأرهب طبق  صنعته يداك، وتقديمه إلي.

قلبي في طبق من فخار" طاووس"  مردودا مكلوما إلي.

طبق شهي وندي ، ستعرف المهووسات بفن الطبخ وعاشقات برنامج"وليمة" والمغرمات ب"بركاش " أن اسمه طبق الألم .

ما أجمل الوجبات حين تطبخ من أجسادنا .

وما أرهب أجسادنا حين تقتات من أشلائها .

وما أشرف أشلاءنا حين تغادرنا وتسقط لتعود إلينا.

" ها كي قلبي جيبي الخدمي وجرحيه ".

علاقتنا كلها، وأيامنا الجميلة كلها،  لم تكن إلا سجائر.. سجائراشتريناها معا، وأشعلناها معا، ودخناها معا ،وتركتني أطفئها وحدي على مرمدة اسمها : قلبي.

ولكن ....من لم يرب الخيل

أبدا لن يحسن الركوب.

ومع كل سيجارة ، وعد أبهى بحب أجل .بهاء وجلال. وبين البهاء والجلال أغط ،  دون إدراك  أن الوعد لم يكن غير نار السيجارة ، والحب لم يكن غير الرماد المنفوث في المرمدة .

 والسيجارة الغبية المحترقة باللظى لم تكن إلاي .

     و عليّ كان لزاما أن أعيَ أنك لست لي وحدي.

والبليد كنتـُه يوم توهمت أن الرجل " بصح " هو الذي يكون لامرأة واحدة لا غير ...

 ولكن ،

 " خروف الميعاد من الربق يبان "

" والليلة لفضيلة باينة من العصر"

أحقد على هذه الذاكرة التي عششت فيها بثقل  ينوء حمله بمثخن مثلي ، ثقل أريد أن أزيحه دفعة واحدة، لولا أن  بوحا لسومرست موم يكبلني منذ قرأته ذات غياب :

" هناك أشياء في الفن يصعب البوح بها ، كما يصعب على امرأة أن تحكي وقائع أول ليلة قضتها مع أول رجل ".

يقينا هو يقصد أسرار الفن. أو ليس الحب فنا ؟ ولكن صدقيني لا أسرار عندي أنا المفضوح بك بعد أن نظر الأعمى إلى عيوني فكشف حبك الجبار والطاغية ، وسمع الأصم هوس لساني فأيقن من وهني أمامك وقلة طاقتي حين أصير إليك.

" والسر الذي لا يتسع له صدرك، لا يتسع له صدر غيرك"   هكذا يقال ، وينبغي أن يقال : أيضا الهم الذي يثقلك لا تحمله  لوحدك. لذلك سأبوح :

لن أقول إني أحببتك حب قلب فقط ، فمنذ أن فصل الشيخ الحاج" الزواوي " زوج الشيخة " الجنية الكبيرة الحقانية بنت سعيدة "  في أصناف الحب، بين حب قلب وحب كبد وحب عين ، معتبرا محبوب القلب عزيزا جدا ومحبوب العين متألما جدا ومحبوب القلب مدللا جدا ، عرفت- ونادرا ما أعرف- أنني أحببتك بكل هذه الجوارح الثلاث ، ولم أجن غير جراحات لن تسترها ضمادات العالم.

" الزواوي" يفصـّل .

وأنا أشلاء أتساقط.

 وزوجته الشيخة " الجنية الكبيرة الحقانية " تواسي معزية :

" كاين ربي ..كاين ربي .."

هناك في "سعيدة " البعيدة التي لن يفهم أبدا من لم يعش بها ما معنى : " سعيدة بعيدة والماشينة غالية "المنبعث صداحا من مقهى "المولودية" التي نعتها الحبيب السايح بقهوة " تشراك الفم " في روايته الباهية "زمن النمرود" عن الحساسنة ومن جاورهم ، والتي طورد بسببها.

من " سعيدة " ، وغير بعيد من محج "فرانز فانون" ، اقتنيت أربتين تأهبا للقائك كالعادة،  والمدينة غارقة في الماء والوحل والحزن، بعد أن جبت حي "الصومام" وطرقت المعهد التكنولوجي لأحمد مدغري بحثا عن صديق باعدت بيننا الأيام والمسافات والجمارك والعصبيات.

حين تعبت عدت إلى " فرانز فانون" لأجد بوعمامة وبنته       " زانة " في انتظاري  من أجل الغذاء. لم أكد أجلس حتى طلب إلـيّ بوعمامة أن نصعد إلى منزله في  " الباطيمة" الذي اشتراه من الشيخة " الجنية الكبيرة الحقانية بنت سعيدة " مفتخرا بالصفقة، وبالثمن الرخيص الذي دفعه مقابلا له.

حين أسأله لماذا لا يستقر في العمارة ويترك ذلك القبو في "فرانز فانون" ؟ يقول إن المنزل في العمارة قد سجله باسم زوجته ، وهو يمكث هنا كأي مواطن محتال ببؤسه ليستفيد من السكن الاجتماعي الحكومي .حين يحس بي لا أؤيد احتياله يقول مبررا:

- كاع الناس داروها

بعد الغذاء أخبرته بإلزامية عودتي إلى " بلعباس" ومنها إلى   " تنيرة "  ثم " تلمسان "  ، جمعت حقيبتي التي فوجئت بثقلها لتبلغني زوجته " خيرة " أنها قد وضعت لي فيها شيئا من البلبولة لأستأنس بها في الطريق .بينما يعدني هو أنه بمجرد ما تسنح له الفرصة لزيارة   " تيميمون"  أو " الأبيض سيد الشيخ"  سيحضر لي برنوسا. ذكر تيميمون وحده كان كافيا بالنسبة إليه لكي ينتقل بي  إلى الحديث عن زوجته خيرة وكيف أنها داخت في الطائرة من " وهران" إلى " تيميمون"  بالرغم من أنهم ضربوا لها "اليبرة نتاع الدوخة "، ويغرق في قهقهات أفلتت "الشمة" من تحت شفته السفلى .

في " بلعباس " كان طبيعيا أن أتذكر :

"  مين ركبنا على بلعباس

      طاحت الرزة وشاب الراس ".

حتى من لا يضع عمامة لا بد أن يحس بشيء ما قد سقط من فوق رأسه وهو يطل على "بلعباس" . كان  " جلول طالبي"  يرافقني مشيرا إلى "الشيرات" وإلى جمالهن  في بلعباس لذلك هو لا يمكث كثيرا في "تنيرة" مقر عمله أو "بن عشبة" مقر سكناه، ويزور بلعباس باستمرار ، إما لملاحقة "المدامات" أو لاقتناء الملابس خاصة سراويل "الدجين" من هذه السوق المليئة بالأشياء المهربة من المغرب أو " المروك "  كما يسميه ، وقرطاس القاوقاو في يده لا يفارقه.

ليلا عدنا إلى "بن عشبة". وجدنا الكهرباء مقطوعا. نبهني جلول بخبرته السياسية المستحدثة:

- عرفت علاش راه قاطعين الضوء أولاد الحرام ؟

- لا .

- اليوم الذكرى 17 لوفاة الهواري بومدين ، وهذه القرية هو الذي أنشأها في إطار برنامجه الله يرحمه ويرحم جميع المسلمين و اليوم راهم ينتقموا منا علا خاطش هو اللي وصل لها الضوء .

ليستطرد قائلا:

-         نصلي لحشا ،وجي نقصرو ،ونعاود لك كل شيء.

لم يقنعني تحليله ، ومع ذلك استمعت إليه كاملا.
بعد أن تعشينا ، أصر أن نشرب القهوة.

-         خليهم يطيبوا لنا غلاي نتاع القهوة .

هكذا قال لي ، فرأيت زوجته تذهب مباشرة لتضع "المقراج" فوق "المجمر" ، وكأن كلامه معي كان أمرا غير مباشر لها،  غمزني :

-         نخرجوا ندير واحد الكارو.

         أخرج سيجارة " نسيم" مدها إلي، فاعتذرت. وضعها بين شفتيه. قال بصوت مهموس لكنه مسموع :

- الدخان قتلني وما بغيتش نحشم عليه. أشعل السيجارة، ثم همس لي هذه المرة :

-         ما نكذبش عليك ، أنت حبيبي ، أنا غادي نطلق   " البوشيخية "

-         لماذا ؟

سألت مستغربا.

رد هامسا :

-         أخوها ربـّى اللحية ، وهاذ الجمعة طلع للجبل.

لم أساله ما ذنبها هي ، كل ما أذكره أنني أحسست بخوف رهيب ، هل عليها أم من نبرات صوته ، أم من هذا الغسق ؟ لا أعرف .

          لم أنم ليلتها ، و تساءلت أكثر من مرة لماذا أصر على أن يبيت معي في غرفة واحدة .

هل الهجر في الفراش إنذار مبكر بالطلاق ؟؟

     كان صوت وليدهما" الزواوي " يتناهى إلى أسماعنا طوال الليل ، لما أحسست بجلول هو الآخر لا زال مستيقظا ، قلت :

-   جلول رقدت ؟؟

-         ما جانيش النعاس .

-         نوض شوف ولدك ما له .

-         ما على باليش .

-         وهو واش دار ؟؟

-         ذنبه في رقبة خاله. تصبح على خير .

وأصبحت " بن عشبة " قاحلة وبلا طعم ، قررت أن أذهب إلى وهران  بعد أن عدلت عن زيارة خالتي في "فوبور دا كادير" في تلمسان ، فقد عاودني الحنين  إلى   Place d arme  و  frond de merوسيد الهواري وشوارع وهران الشابة: العربي بن مهيدي  والأمير عبد القادر وحتى إلى "بوعلام ديسكو ماكريب "ومائها المالح .

في وهران كان كل الوقت ملكا لي ، ربما لذلك هتفت إلى إلهام لكي نقضي اليوم معا. فعلنا أقصى ما يمكن أن يفعله إثنان في مدينة كوهران :

 صعدنا في العربات باتجاه سيدي عبد القادر ،

ودعتني للغذاء في" ليزاندلوس".

 وأخذنا صورا أمام سبع "لاميري".

 واقتنينا أشرطة الهاشمي كروابي والخزناجي من عند بوعلام ديسكو مغرب.

 واشتبكت أيدينا أمام "أوتيل تمكاد".

وسبحنا بأعيننا في خضرة كراسي مسرح الهواء الطلق .

.وجبنا المكتبات .

وشربنا الكازوز وماء سعيدة.

 وعلى الكورنيش ،وقفنا نتفرج على "كورتيج زفاف " ونأكل "لا كريم".

واقترحت أن نزور صديقة لها بجامعة السينية ، ولم أعارض.

وقبلتني في الشارع العام وشمخت.

وهران ...

مدينة يتسع صدرها لكل عشاق العالم ، تحضنهم جميعا وتبارك خطوات عشقهم .

وهران ...

مدينة مجبولة على الحب  ويضيق قلبها بكل حقد أو كراهية.

وهران ...

مدن في مدينة ، وذراعاها كان طبيعيا أن تزين بكل دمالج الكون، ورجلاها لم تثقلها خلاخيل ذلك التاريخ المؤلم وإنما حولتها إلى عروس عربية قحة تربض على تل مائي اسمه الأبيض المتوسط .

كثيرة هي المدن العربية المطلة على بحر.

وقليلة هي العرائس منهن .

و في " وهران " هاهو ذا قلبي  اليوم بارد القدمين ، شاخص العينين ينتظر مغسلا ومكفنا وصلاة جنازة.

كم كان مناضلا لو تدرين !!

لكن لا بأس ، فمن ناضلوا تحولوا إلى ذكرى .ومن اختطفوا تحولوا إلى قصائد نتزاحم بها في المهرجانات:

مازحا كان صديقي يردد:

 - الله يرحم عمر بن جلون ، كتبنا عليه قصيدة  وأكلنا بها المشوي والبسطيلة في المهرجان.

لاحظي ، ولو حتى هزلا ، أن من يناضل لن يكون في آخر المطاف غير وليمة، أو بطاقة دعوة لوليمة.

وصادق ذلك الشاعر المغربي الذي سئل لماذا صار الشعراء يأكلون في المهرجانات أكثر مما يقرؤون القصائد، فأجاب ساخرا ساخطا: لأن المشرفين على المهرجانات هم أصلا منظمو حفلات.

ألا أيها الشعر مهلا

فإن وهن العظم

لم تهن الكبرياء

هي الخيل تكبو

لكن أعناقها

تطاول دوما عنان السماء 1

 

 



1 - مقطع شعري للشاعر المغربي عبد الرفيع الجواهري .

 

(9) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 09 يوليو, 2006 04:06 ص , من قبل hanane
من المغرب

باسم الله الرحمن الحيم تحية عطرة الى الاستاذ المبدع جمال بوطيب اهنئك لك على موقعك الجديد ... متمنية لك المزيد من التالق في اعمالك القادمة...

اضيف في 09 يوليو, 2006 04:30 ص , من قبل hanane
من المغرب

باسم الله الرحمن الرحيم تحية عطرة الى الاستاذ االمبدع جمال بوطيب اهنئك على موقعك الجديد... متمنية لك المزيد من التالق في اعمالك القادمة...

اضيف في 09 يوليو, 2006 02:24 م , من قبل سلطانة
من المغرب

ماذا عساي أن أقول : حين تتسع الرؤية ، تضيق العبارة
دمت متألقا .

اضيف في 09 يوليو, 2006 03:57 م , من قبل حامل المسك
من سوريا

ماشاء الله افق وقلم في غايةالروعه والجمال
كون بخير

اضيف في 11 يوليو, 2006 04:36 م , من قبل ابراهيم الفلكي
من المغرب

عندما يلتقيالجمال بالطيبوبة فما عسى للمرء ان يقول سوى ان امام جمال بوطيب اخوك وحبيبك الفلكي ابراهيم بالتةفيف ان شاء الله

اضيف في 11 يوليو, 2006 07:42 م , من قبل ليلى ايت سعيد
من المغرب

عن اي شيء يبحث صاحب سوق النساء ؟ عن الاثارة ؟ ام عن جعلنا نصاب بالجنون كلما هممنا باكتشاف الحقيقة ؟ حقيقة لبانة الربيعي وعبد الرحيم دباشي وقدري ... هذا القدري الذي لايبدو احدا غيبر الذي فضحه صديقه حين علمنا بان من عادته ان يقول : صدقيني صوت امراة جميلة قد يكون فطورا او غداء او عشاء او سحورا لرجل مثلي .....
سوق نسائك حافلة بالاشياء الجميلة ،الساحرة والاخاذة ..تستحق من كل مولع بالقرائة ان يقف عند كل حرف فيها وان لا يمر عليه مرور الكرام ..لان حروفك يا سيدي ملغومة.. تذكرني بصاحب ارق واروع ابتسامة ملغومة رايتها في حياتي كلها...
دمت متالقا ، مبدعا ..
متمنياتي لك بتحقيق الافضل دائما ،
لانك تستحقه..
ليلى ايت سعيد /اسفي

اضيف في 12 يوليو, 2006 04:32 ص , من قبل ruba
من المغرب

السلام عليكم و رحمته تعالى و بركاته،
سيدي المحترم / ذ/جمال بوطيب

حين يهيم القلب في رحلة الاحساس بالكلمة ، تغدو الكتابة حلما رائعا للابداع و الاحساس بالذات
و حين نبحر في غياهب حياتنا الموسومة بوهم البحث عن الافضل
يستوقفنا شيء ما فينا في اعماقنا يقدنا و يجعلنا نستثني كل المعقولات و نتشبت بكلمة احساسنا الا و هي التعبير عن ذواتنا بلغة قد تبدو للآخرين ولها مجنونا
الجنون بالكلمة شيء شاذ في مفاهيم الآخرين و لكنك بطبعك قربتنا منه من ان نعيشه معك و نسرق من سويعاتنا لحظات انس في كتاباتك
فهذا قلب مفعم بالاحاسيس في مدينة آسفي يرسل لك :

آسفـــــي
مدينتي على حافة البحراستغاتث
وايقنت ان هدير امواجها صراخ
لشبابها الضائع
و انها حين تحترق نسائها
منذ سنين بنار الانتظار
تحترف لغة بيع الكلام
وتبدأ ببيع دموعها
حين تسدل غطاء نخر قصباتها الهوائية بمال
العتق من الفقر
تبيع جسدها
كبرت وكبرت معها آمال ان تكون امرأة من آسفي
و ان تستبدل حريتها المغبونة بأنها امرأة من آسفي
لا تعرف معنى انها حاملة مشعل التضحية
حين كانت سواعد روحها وجسدها آلة لبناء معامل التصبير
مسفيوية ؟؟؟؟؟؟ مغبونة بالارتقاب
حين تقر انها المضحية
وبانها بقايا امرأة تحترف لغة غير لغة العبور من صقيع الذل
وحيدة مرتجفة بجنبات موقف للحافلات
تنتظرك لتبني بها لحظة متعة و تفترش بها أرض موجة غضبك
حزينة بأشجار وثمار مدينة أشبعوها ضربا
بأنها شبح يسير في مفترق شمس أبت أن لا تشرق
متأبطة محفظة جابت بها جنبات قصر البحر
وشاخت من دنو اجل انفراج غيومها
وأشاحت شبحها
ستاره أبيض
ليعلنها امرأة من آسفي
ضحية غبن الزمن
ruba - safi - maroc

اضيف في 14 يوليو, 2006 07:11 م , من قبل رشيد البوشاري
من المغرب

كثيرا ما بحتث عن راس الخيط لولوج فضاء سوق النساء لكني أحس بربق اللغة وقوة الصياغة يخنقني وتزج بي بعيدا لأعيد ترتيب أوراقي. أمام هده الأوراق القليلة والتي تحتضن تدفقا هائلا من الشاعرية في التعبير عن الحب ،الخيانة، البوح... لايسعني الا القول لقد أبدعت ودمت رائعاومتألقا
اخوك رشيد البوشاري

اضيف في 15 يوليو, 2006 12:10 ص , من قبل nawal
من المغرب

أظن ان الاخ رشيد كان على صواب بان ليس لروايتك رأس خيط او بالاحرى كل الفصول رؤوس لخيط واحد ولكني رتبت هذه الرؤوس عند قراءتي لوايتك،بالرغم من انك توهم القارئين بان الرواية غير مكتملة و لكنها حيلة ........
المهم روليتك مليئة بمشاهد الخيانة .
الخيانة بجميع انواعها ،خيانة لبابة لعبد الرحيم وخيانة عبد الرحيم للبابة ،الخيانة والحب انهما وجهان لعملة يتعامل بها كل من لبابة وعبدالرحيم .
مشاهد الخيانة ليس فقط بين لبانة وغبدالرحيم بل ادمجتها حتى بين علاقة الابن بابيه حين ابن ابراهيم خان اباه بانه اصبح شرطيا وهو يعلم ان اباه يخاف الشرطة وهناك مشاهد كثيرة للخيانة ربما قد تقرأها بموقعي ان شاء الله .
samoray_786



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية










دفتر الزوار


الأشياء المكتوبة وحدها تقاوم النسيان
انت الزائر



كلما دوت في أذني طبول حرب .طلع علي فارس ملثم اسمه: لبانة