سوق النساء أو ص.ب26:
سعي دائب لتمثل الهوية والواقع
إبراهيم الكراوي
صدر للقاص والباحث المغربى جمال بوطيب الرواية الأولى "سوق النساء أو صندوق البريد" وهى رواية تتوج مسارا سرديا طويلا ومميزا فى حقل الكتابة القصصية. فهو من أبرز الكتاب الذين يؤثثون المشهد القصصى الجديد بالمغرب، ومن الذين يشتغلون على خطاب الحداثة السردية ممارسة وتنظيرا.
وهذا ما يتضح إذا تأملنا مجموعاته القصصيية الأربع خاصة مجموعتى "برتقالة للزواج، برتقالة للطلاق"و "مقام الإرتجاف" بآعتبارهما أهم الأعمال التى ترسخ لكتابة جديدة فى القصة فى المغرب، دون أن نغفل الإشارة إلى أهمية الأبحاث النقدية التى أنجزها الباحث وآخرها" الجسد السردي" وهى مجموعة دراسات فى السرد العربى القديم من منظور جديد.
أما بالنسبة للإصدار الجديد والذى نحن بصدد قراءته ،فإنه نص روائي، يدعونا من خلاله الكاتب جمال بوطيب إلى زيارة "سوق النساء"، باعتباره أحد عينات الأمكنة الغنية بالمدلولات والوقائع، بدءا بفواكه الجسد وآمتداداته، ومرورا بألغام العشق وغواياته.إنه آحتفاء بالذاكرة وأمكنة عربية متنوعة، وتأمل شفاف فى واقعنا العربى من خلال آشتغال فريد على اللغة وبنياتها الدالة، وأخيرا الأهم فى هذا العمل هو اشتغاله على خطاب الحداثة، من خلال البحث عن أنساق وبنيات خطابية جديدة وهو ما سيجده القارئ إضافة جديدة لمسار الرواية العربية. وبالفعل فإن رواية "سوق النساء"تنخرط فى سياق السيرورة المميزةالتى يعرفها الإنتاج الروائى العربى ،وما يطرحه من أسئلة تخص خطاب الحداثة وجمالية الكتابة الجديدة ،وتمثلات الهوية والواقع، كما هو الأمر بالنسبة لكتاب أمثال:إلياس خوري، سليم بركات، محمد عبد الرحمان التازي، يوسف المحيميد، نبيل سليمان أحمد التوفيق، جمال الغيطاني، الميلودى شغموم،إ دوار الخراط...بل إن النص الذى نعكف على قراءته سيساءل حدود خطاب الحداثة نفسه، ومختلف تشعباته وأبعاده سواء من خلال تجاوز الكتابة السردية المغرقة فى التقنيات والبلاغات الخطابية، أو عبر العودة إلى الإحتفاء بالحكاية باعتبارها سبرا لأغوار الذوات وعلائقها بالعالم .هكذا تحفر رواية "سوق النساء "فى عمق الذاكرة والتى تمثل حسب أحد الشخصيات داخل النص "مفخرة السارد".
وهذا ما يؤشر عليه العنوان باعتباره علامة تحيل على نسق ثقافى من الذاكرة التراثية الثقافية المغربية عالم ديوا ن سيدى عبد الرحمان المجدوب.إنه نسق يحضر كتضعيف للمعنى النصى داخل حكاية العشق، وتكسير لأحادية الصوت. وهذا مايتضح من خلال العلائق الإشكالية التى ينسجها المتكلم فى الرواية -على تنوع ضمائره- مع العالم، وخاصة المحكى الأصل الذى هومأساة الوجود الإنسانى الموسوم بثنائية الإتصال والإنفصال مع الذوات من جهة وبين الذات العاشقة والمعشوقة من جهة أخري، متمثلة فى النص من خلال مأساة علاقة عبد الرحيم دباشى ولبانة الربيعى والتى تكشف عن تشكلات "السيرورة" داخل الحياة والواقع الإنسانيين، والزيف الذى يميز هذا الواقع نفسه. هكذا نجد السارد يضعنا فجأة منذ البداية فى إطار هده السيرورة، من خلال الإخبار عن فعل الإنفصال بين العاشق والمعشوق.
فالنص يستهل يوضع فخاخ خطاب الإستهلال الذى يروم الإيقاع بحواس القارئ، واستمالته إلى فضاء الحكى من خلال عملية بناء آستراتيجية للفضاء أولا، ثم لخطاطة التواصل بين مرسل الخطاب والمتلقي. وهذه الخطاطة تتخد أبعادا متشعبة بآعتبارها خطابا مستقلا ودالا داخل أنساق الخطاب الروائي. فهى إما أنها تقبض على شعرية السرد وبالتالى البعد الجمالى التى تستميل حواس القارئ وتغويه، وهى نفسها الوظيفة التى يضطلع بها المطلع فى القصيدة الجاهلية حين يستهل الشاعر قصيدته بمقدمة طللية أو غزلية مما يجعلنا نقع فى غواية هده الانثى النص، ويمكن أن نسميها هنا وظيفة شعرية. ويلاحظ فى هذا الإطار أن السارد ينتقل من فعل سرد المحكى إلى فعل سرد واستحضار فعل الكتابة نفسه: "كانت أوراق كناش" الكاطافلام "ساطعة الغرة، بيضاء عذراء لم تتسلل إليها بعد يد خبيثة تلوث ظهرها وتعبث بملائكيتها...
فالورقة بيضاء حرث للقلم يوتيه أنى شاء وفى هذا إشارة إلى الكتابة باعتبارها لذة وغواية. وقد تكون لهدا الخطاب وظيفة تأثيرية تروم استمالة المتلقى من خلال نقد الذات ،أو وظيفة السخرية التى تثير بدورهاالمتلقي: "وهل بإمكان المكتوب أن يكون شيئا آخر غير مأساة يتلهى بها أولئك المرضى بداء إسمه القراءة" .
فالسارد إذن يضعنا داخل إطار علاقة معادلة العشق منذ البداية، وهى علاقة تمثل نسقا دالا داخل روائية النص، إنها سيرورة تتمظهر من خلال فعل الحكى باعتباره شفاء لمافى الصدور "قصتى معك لا بد أن تقرأ، بقراءتها أشفى وأشفي، فلا طبيب يملك علاجا لجثة تعشق قاتلها، أووصفة لموثق يفخر بأن يد موثقه قد حنت عليه ،فأوثقته" ص 8 . وهنا تنبجس معادلة حكاية العشق الجديدة، كما تتبلور فى خطاب الحداثة ،تتقابل مع المعادلة التراثية للعشق فى كتاب الليالي، فالسارد الذى يروى من داخل الحكاية يحكى لكى يشفى ويشفي، ليؤجل فعل الموت تماما كما فى الليالى مع شهرزاد. لكن هنا فى خطاب الحداثة يتلون التأجيل بأبعاد وتلوينات جديدة ومغايرة، هذا مانلمسه من خلا ل محاولة السارد إقحام المتلقى فى الحكى باعتبار أن الحكاية جزء من كيانه عليه أن يستردها هنا ،يعيد نبض الذاكرة وبالتالى لا يؤجل فعل الموت فقط بل يلغيه ليشفي. يستمرالسارد فى الحكى إذن، ويربط ميثاقا خاصا مع القارئ.
إنه ميثاق تواطؤ يتشكل فى خطاب الحداثة، فالسارد هنا ديموقراطى بما أنه سيفسح المجال للقارئ للمشاركة فى إعادة إنتاج النص، بل إن غياب الفصلين الرابع والسادس يؤشران على أن السارد يرغب فى قارئ خاص فاعل ،القارئ الذى سيحكى حكايته من خلال الفصلين الغائبين، والأهم هنا هو أن مطمح السارد قد تحقق أخيرا "المهم قصتى معك لا بد أن تخلد" وكتابتها هنا مؤشر خلودها، وآستمرارها فى الحياة والذاكرة وبالتالى تستمر الحياة بالنسبة للسارد وكذالك المؤلف. تأسيسا على ما سبق ،سيتكشف لنا مفهوم خاص داخل خطاب الحداثة فى إطار قراءة هده التجربة ،يتعلق الأمر بمفهوم الأصالة السردية . فالنص لا ينغمس فى الكتابة التقنية التى تطمس معلم جمالية التلقي، والأساق الخطابية التى تستمر هنا تبررها الوسيلة وليس العكس.
ويمكن أن يتمظهر ذلك من خلال مستووين: المستوى الأول يعكس معادلة خاصة على مستوى خطاب الحداثة من خلال معادلة الحكى الذى يتناوب عليه ساردين ،إنها حوارية بين صوتين دواتين، كل واحدة امتداد لعلاقات الإختلاف والإئتلاف ،الذات العاشقة والمعشوقة على الركح يتراشقان بأضواء لغات بألوان مختلفة، مشحونة بالأفكار. فخطاب السارد هنا غير بريء ،تنكسر داخله نوايا المؤلف وأفكار وطموحات ومشاعر الآخرين. خطاب يمثل نسقا دالا من بين أنساق أخرى داخل الخطاب المتشكل. إلى أن تنقلب المعادلة أخيرا ويصبح العاشق معشوقا والمعشوق عاشقا،وإلى أن يكشف السارد عن رؤية خاصة لمسار هذا العشق داخل الحياة ويكشف عن زيف ومأساوية الواقع.
إنها السيرورة الوجودية التى تؤسس لثنائية الحياة، فالعشق فى النص هو عشق الكتابة وعشق العالم والأمكنة هذا مايتجلى من خلال رحلة السارد بين مدن عربية متعددة: تازة، فاس، وهران، البتراء، تونس، وهران، مدينة مجهولة على الحب ويضيق قلبها بكل حقد وكراهية. مدن فى مدينة. وذراعاها كان طبيعيا أن تزين بكل دماليج الكون. ورجلاها لم تثقلهما خلاخيل ذلك التاريخ المؤلم وإنما حولتها إلى عروس عربية قحة تربض على تل مائى إسمه الأبيض المتوسط.إنه أيضا عشق وتماه مع الذوات. فاللغة أشبه بطبقات جيولوجية من خلالها يحفر السارد فى الذوات والذاكرة:
أما وجل أنا بعدك سيدتى
أنفجرغشت غشنى
وبانطفاءك رشنى ....
أما أعدك وأنت تقاومين وحشة القبر أن ألم أشلائى وأعود إليك..
أما ليس فى مقدور أنثى غيرك أن تحس هول الفقد الذى يلفنى غيرك
أما ضمينى إليك، أو عودى
سأنتظر جوابا، وسلاحى ما تبقى من جرعات صبر توشك على النفاد ص 32
تكشف هذه المقاطع عن اشتغال خاص على اللغة من خلال تعدديتها، وذلك بآعتبار أن العالم نفسه واقع متعدد، يحمل مجموعة من الأنساق الدالة. وكل نسق لغوى يحمل سياقه الخاص كما يتجلى من آخلال آستثمار اللغة الموسومة بالإنزياحات والتوازيات.
هكذا يسافر بنا سارد سوق ابنساء عبر الأجناس واللغات،فهنا كشف لعوالم وخبايا اللغة الشعرية. .إنه كشف لمدلول مضاعف من خلال خطاب العشق ، يجعلنا نقرأه لا على ضوء علاقة أحادية ومركزية، هى علاقة العاشق عبد الرحيم بالمعشوق لبانة ،بل آنطلاقا من علاقة الذات، الإنسان بالعالم وهى علاقة عشق وتماه.وحين تتمازج الدوات تتمازج اللغات المنضدة فى نسيج يشكل النص، وتتمظهر من خلاله لوحة فنية من فسيفساء اللغات كما هو الأمر بالنسبة للوحة الغلاف دات الأسلوب السوريالى والتى تعكس تشضى الذوات والتى تحاول أن تولد من وموز الأشياء والأمكنة، شظايا تحاول أن تقبض على حلم الوجود المنفلت مثلما اللغات المتنوعة تتجاور محاولة أن تمنح الوجود الإنسانى معنى بل معان. فكل لغة تحمل آثار معنى تتشاكل مع اللغة الأخرى ، وتدخل فى علاقة آئتلاف وآختلاف، تبلور من خلال دالك رؤية خاصة للعالم.
وهذا ما يتجلى إدا تأملنا بنيات تستدعى لغة المثل وهو ما يكشف عن خطاب السارد المشحون بالرؤى والنواياوالأفكار: "كان صديقى الشاعر يحكى عن جراحه التى لازمته بعد تجربة سياسية مجهضة لرئيس لجماعة قروية الناس فيها: ياكلو ف جنان اليهودى ويلعنو مولاه" اليسارى أصبح يمينيا والجبان تشجع، فزمن الهراوة ولى واللى كان زام فمه ليس خوفا من الذباب بل لأنه كان فعلا دبابة، صارسبعا ... إنها بنيات تلفضية تعكس تحولات داخل الواقع مؤشرة إلى مرحلة خاصة ،متجلية فى شكل لوحة تشكيلية من اللغات تمظهر تشضى الذوات ،والزيف الدى يسم الواقع .وهدا التشضى والدمار الدى يلحق الدات فى علاقتها بالعالم ينعكس جليا من خلال بنينة الخطاب.
هكدا نلفى تدمير البنية التى تخضع للتسلسل المنطقى الداخلى للنص .فالنص يتشكل من ثمانية فصول ،ويبدأ بالفصل العاشر"رأس الخيط" يليه الثامن"خيط الرأس" فالأول، الخامس، السابع، الثالث، الثانى فالتاسع،ويلاحظ هنا غياب الفصلين الرابع والسادس.وهذا التوزيع الذى يخضع للامنطق الداخلى ليس مجانيا بل تحكمه مقصدية تتجلى من خلال إعادة إنتاج النص عبر فعل القراءة.أما بنية الخاتمة فهى توقع للانهاية ،وهو مؤشر على الإنفتاح النصى الذى يميز نصوص خطاب الحداثة.وبالخصوص الملفوظ الأخير المؤشر عليه ب "تنبيه من السارد:
"لقد همست فى أدنى ،وأنا أودعهما آخر مرة،فى مقهى "فونتانيلا":
-تمنيت لو أن رسالتك التى وصلتنى كتبت بأحرف الشرايين أو بلغة القلب.
أدركت خوفي. نظرت إلى بغنج وقالت:
- سأنتظر أبطأ الدلاء أكثرها فيضا.تنبيه من السارد. المرجو عدم التعجل بإصدار أى حكم، أوإبداء أى تعاطف مع عبد الرحيم دباشى أو لبانة الربيعى قبل قراءة الفصلين الرابع والسادس. هكدا تنفتح القرءة على تأويلات وقراءات متنوعة من خلال بناء خطاب المحتمل، الخطاب الدى يقوم على علاقات الإئتلاف والإختلاف بين لغات متعددة تشنغل وفق تنظيم وأنساق سردية تتشكل آنطلاقا من علاقة الدات بالعالم.









من تركيا
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين
"يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير ."
(سورة الحجرات 49 الآية 13)
"أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين"
صدق الله العظيم (سورة النحل 16 الآية 125)
( إعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا وإعمل لآخرتك كأنك تموت غدا/الإمام علي بن أبي طالب"ع")
نتمنى لكم النجاح والتوفيق بمنشوراتكم المفيدة والتي قرأنا في مدونتكم المباركة,ضارعين لله أن يكون له فيها رضى ولنا فيها صلاح.
نأمل التواصل والتشاور والتنسيق للأفضل والخير العام.لكم الثواب والأجر بأعمالكم.
وتفضلوا مشكورين بقبول فائق التقدير والحب والاحترام.
من الفقير إلى رحمة الله تعالى
حـســـيـن أحـــمـد سـلـــيـم آل الـــحــــاج يــــونــــس
كاتب ورسام.مشرف بوسام ذهبي لمنتدى الخواطر بموقع: www.samysoft.tk
مؤمن بالله وأنبيائه ورسله وكتبه وأديانه,الأرض ميراثي من الله,القرآن لساني,عربي الانتماء,لبناني الهوية,من قرية النبي رشادي,غربي مدينة الشمس بعلبك.مقيم في الحدث,بضاحية بيروت الجنوبية...
للتواصل بإذن الله تعالى:صندوق بريد( 6203 / 14 بيروت.لبنان.خطيب وعلمي– تلفون جوال: 9613811163
بريدنا الرقمي بخدمتكم ليلا نهارا: HASLEEM@HOTMAIL.COM أو hasaleem@maktoob.com
موقعنا المتواضع وروابطه يتشرف بزيارتكم المباركة,وهو واحة للتفاعل الخلاق والحوار البناء الهادف معكم WWW.HASALEEM.JEERAN.COM
ملاحظاتكم هدي لنا,آراؤكم تساعدنا,انتقاداتكم تقوم مساراتنا,كلماتكم نحترمها ونقدرها,لا تبخلوا بها علينا...
نجمعها,ننسقها وننشرها بموقعنا بأسمائكم ثم نثبتها في كتبنا المنوي نشرها...