موقع الكاتب والأكاديمي المغربي جمال بوطيب

"الإنسان أشكل عليه الإنسان" أبو حيان التوحيدي


القاص والروائي المغربي ابراهيم الحجري

العاشق                     

إبراهيم الحجري

 

      جلس في المكان نفسه من المقهى المجاور للبحر، الكرسي الأسود والمنفضة الرمادية  والنادل النحيف الذي لا تفارق شفتاه السيجارة، أمامه دائما تنتصب اللوحة الفاتنة، تطرح عليه الأسئلة ذاتها، بإلحاح هذه المرة: السيدة الغامضة الملامح  تشد شعرها إلى الخلف بمنديل أسود... العينان الثاقبتان والفم المزموم على شاكلة قبلة طفل... وشبه أثر نعاس خفيف يحاصر الجفنين والنظرات... أشعل سيجارة وظل يحدق في اللوحة المعلقة بعناية  قبالته... اللوحة موقعة باسم بيكاسو.. ظل يحدق فيها بعينين جاحظتين وملامح رثة... وكان صامتا طوال الوقت.

       بيكاسو أيها اللعين، لماذا تعترض طريقي مرة أخرى؟ هل ستظل طوال العمر تعاكسني هكذا بظلالك الرهيبة؟ أنت لا تعرف أن لوحة من لوحاتك كانت جسر العبور إلى المتاهة هذه، اللعنة! ما هذا الذي يسمونه الحب؟ اللوحة نفسها التي جمعتني بهذه  الأنثى الحرون التي... أقصد التي بعثرت أوراقي وهزمت الأعماق... أنا الصلب العنيد الذي لم تكشف ضعفه امرأة... أنا الذي كان الأصدقاء ينعتونني بالجبل القاهر، كان سعيد كل مرة يأتيني بنبإ عشق إحداهن لي محاولا  خلخلة  مشاعري  وقياسها فأجيبه، بهدوء، ممازحا:

-         هل قمت بقياس نبضها ؟  هل تجولت بأعماقها  لتتأكد ؟ لماذا لم تعشقك أنت إذا؟

فننفجر معا بالضحك... ويغمزني بعين مرمدة  دلالة  على أني شاطر.

وقف النادل ونظر إلي مليا ليثير انتباهي إليه، كنت مشغولا بمعاينة اللوحة، لست أدري لماذا يخيل إلي أنها تجسد ملامح  حنان؟ راح النادل يمسح المائدة بلين، طلبت قهوة سوداء كالمعتاد... جو  الصالة حزين وفاتر طيلة الوقت... وكنت حزينا أيضا وفاترا، وحدها اللوحة ظلت تنطق بالصمت.

     لكن لماذا أصبحت مهتما بها إلى هذا الحد؟ هل أصبحت مجنونا حد القرف؟ أمس  حكت لي عن أشيائها الخاصة وهمومها الذاتية ... ثم قالت لي أنها تحتاجني وأجهشت بالبكاء.

صعب جدا أن تتصور أن شخصا ما يفكر فيك خصوصا إن كانت فتاة مليحة ومثيرة مثل حنان، عندما التقيتها أول مرة في معرض الفنان الإسباني بيكاسو ببهو الكنيسة الإسبانية لم تحرك في أي إحساس، لكنها عندما هاتفتني مساء شعرت باهتزاز داخلي ارتجت له عواطفي، عندئذ اكتشفت أن القناع الذي كنت أتوارى خلفه قد انهار ولم يعد له من وجود سوى بقايا كبرياء زائف... قالت لي إنها أعجبت بروايتي الأخيرة وتريد أن تلقاني، وقالت إنها وجدت بعضا منها في كتابتي وقالت أشياء أخرى لم أتذكرها وكادت أن تعصف بها نوبة بكاء وتواعدنا على اللقاء بمقهى النيل، كان صوتها مبحوحا وكنت طوال المكالمة أكتفي بتحريك رأسي ولفظ بعض الكلمات المقتضبة...

       حضرتِ القهوة، وُضعت على الطاولة من طرف يد نحيفة، بهدوء وعناية، انصرف النادل مراوغا الزبناء والكراسي والدخان، أما أنا فلا أبرح اللوحة... دخلت فيها ورحت أتقصى مفاتنها بحثا عما يشبه أصداء تهجس بداخلي مثل البعاق ...

       القهوة ساخنة واللوحة متاهة: مسلك يقودني إلى مسلك حيث الندم بحيرة من الحيرة... وحنان تطلق ضفائرها وتركض مثل الهواء الناعم في التفاصيل المعتمة، وأنا مثل الفرس الهائم أعرك المسافات المستوحشة خلف ريحها مثلما لو كانت فرت بالروح معها، في تلك الجلسة كان قصدها غائما وكانت رؤاها مبهمة، طرحتْ عدة أسئلة لم تتلقَّ عليها إجابات، خفضتْ بصرها قليلا قبل أن تغرق في نوبة من البكاء، وظل كأس العصير باردا وحزينا... انسحبت وظل الكأس شاهدا على الغياب. أحسست وطيفها يغرب أن شيئا مني ذهب معها.

       الرشفة الأولى:

تتحرك اللوحة لتحضنني زوبعتها، تدخل من العينين لتخرج مع دخان السيجارة، دخولها سحر وخروجها ميلاد...

       الرشفة الثانية:

سيجارة تشعل من أخرى، و(حنان) تجمع حزنها وتغرب عن عالمي الخاص، وكلما اختفت شع ضيمها بداخلي، ترى هل سقطتُ أخيرا؟

       الرشفة الثالثة:

تزحزح بصري قليلا عن اللوحة، فقد اشتبكت اللوحة وحنان في وصل حميم لم تفسده سوى عاصفة التصفيق التي داهمت المقهى عقب تسجيل فريق برشلونة لهدف ضد فريق ريال مدريد.

       الرشفة الرابعة:

أحاول أن أدون ما أحسه بخصوص حنان والعالم والمقهى والتصفيق والمرأة والحب والنفس الأمارة بالسوء واللوحة وبيكاسو، في شكل رواية، لكن التركيز يخونني، لماذا يا سعيد؟

- أنت لم تعشق بعد، لذلك لم تستطع أن تتمثل مشاهد المحب وهو يقاوم عذاباته ويكابد أحزانه... أنت محب فاشل.

       الرشفة الخامسة:

ها أنا إذاً أقع فريسة للحب، أصبحت أدمن هذه الفتاة مثلما أدمن الجعة والتبغ والمقهى ووو... لكن هل يليق بي أن أخبر سعيد، هل سأستنجد به في هذا الأمر أيضا ليتشفى بي ويجفف بي الأرض ويفضحني في كل الدنيا؟

       الرشفة السادسة:

أتصور نفسي خارجا من جلده في الليل القاسي، أغلق بهدوء باب غرفتي بالسطح وأتسلل إلى الشاطئ لأنادم صراصير الليل ثم أعانق النوارس وأبكي كطفل سرقه الزحام من أمه، أجالس القطط وأحكي لها الذي جرى، أتأمل جلال البحر كي أسترد بهائي القديم، أبكي لأني أحس بالظلم، المدينة تغرق في النوم ولا يتجول في الشوارع الناعسة سوى الصمت والخوف والبرد، أ هذا هو الحب يا سعيد؟  تبا لك أيها القرد!

       الرشفة الأخيرة:

أمامي الكراسة والريشة وحولي يشرع الفراغ مداه، تُرى هل تصلح هذه المادة موضوعا لرواية يا سعيد؟ قلت.

وظل سعيد صامتا. حرك رأسه فقط.

(0) تعليقات


من مجموعة " مقام الارتجاف " ط 1/ 1999

 

 

العقيقة

قول أول

قال النخل: بعث سعفي .

قالت الحقول:لونت خصرتي.

قالت الطيور:هجرت أوكاري

قالت النحل:عفت عسلي.

قول ثان

قالت السنة :قلص ربيعي

قال النهر:أنكرني مائي

قال البحر :انتحرت نوارسي

قال ديك الحي:أخرسوني

قال النحل و النخل و الطيور و السنة و النهر و البحر

و ديك الحي:

- عينلك السبب

قالت عيناها:

- سأعيد ترتيب العالم.

قلت:

- بل نعيد ترتيب الحكاية

الرواية

قالت:

- عندما كانت عيناي أصل العالم كان للحكاية راو

و شخوص.أعطى الراوي لشهر زاد كلمة السر و لقنها دروس الحكي و التوليد و تقنيات الخلق و الإيهام،بكلمة السر نجت

شهر زاد الجميلة من بطش شهريار الناقم، و يوم أولدها  ٌقمر الزمان ٌ طلقت السر و على الشر نوت :

- ابني رهن بعقيقته ،و عقيقته عيناها.

لم يفكر شهريار و لم يستشر وزيره ،و دون تريث أو مبالاة ،أصدر أمره المطاع :

- تفقأ عيناها .

فقئت عيناي .و صارت حكايتي مثلا رددته الألسن

بمناسبة أو بدونها ٌجزاء سنمار ٌ.

 

تحقيق الرواية:

استطردت قائلة :

حكاية ٌ سنمار ٌ  بأني القصر و الملك المقتص ، حكاية موضوعة ، سنمار لم يكن بانيا و لا مهندسا.سنمار ليس إلا

تركيا لطيفا و نكتة ملغزة لصاحب ٌالأصول في الأعلام ٌ :

السين : سعف النخل.

و النون : نوارس البحر .

و الميم : ماء النهر.

و الألف :أوكار الطير.

و الراء : ربيع السنة .

هذا هو أصل الحكاية ،أما الحكاية فإليكموها .

الطعن

قلت :

و لكني لا أصدق ما زعمت .

قالت :

لا يهمني أن تصدق ، يهمني أن تنصت .

قلت :

و لكن . . !

قاطعتني :

و ٌلكن ٌ هاته هي تتمة الحكاية .

التتمة

و لكن شهر زاد لم تقنع بعيني ،استطردت قائلة ، و لما

كانت ولودا لا يخل بها رحمها و منجابات لا تعفي الحمل ، انتفخ

بطنها بسرعة . قالت لما مسد شهريار بطنها مداعبا و هو يقول :

من غير شك هو ولد ثان .

- أولدتني قمر الزمان و كانت عيناها العقيقة . أريد

هذه المرة عقيقة ابني قبل سابعه .

- لك ما شئت .

- لصاحبة العينين لسان و يدان و قلب و عاشق .

- و ما المطلوب ؟ !

- يذبح  عاشقها فيخرس لسانها و تشل يداها و يجمد

قلبها .

أوجس شهريار خيفة ، و استدعى إلى قصره كبير

أطباء الأعصاب ز جس الطبيب مواطن في جسدها ، ولما تناهى

إليها دفء المرافئ ابتسم و قال :

- هو الوحم لا غير ، يا أمير البلاد !

 

التدليل

قتل العاشق فجرا

دمعت عينا الظبية

حزن القلب

و لم يجمد و لم يتكلس

ثقل اللسان

و لم يسكن و لم يخرس

رجفت اليدان

و لكنهما لم تشلا .

و قالت شيخ المنجمين :

- قتل الجنين يا مولاي فيه خير للبلاد و للعباد . أما

الطبيب فقال (عندما توسلت الأميرة لشهريار أن يقتل

المنجم ) :

- هو الوحم لا غير !

رددها أكثر من مرة ، و هو يبتهل إلى االله ألا ينفذ صبر

الأمير .

و لكن صبر الأمير لم ينفذ ، فراوي الحكاية زمان كانت

العينان أصل العالم هيأ العالم للشر أكثر منه للخير . و يوم

ولدت شهريار لم تفرح و إنما أرعدت و شرطت :

- كذب الحكيم و هو عقيقة " هبة الرب ٌ .

و كانت أول مرة في التاريخ و اخرها يذبح لمولود قبل

و بعد وضعه

التحقيق

قلت :

- لا تؤاخذني ،أليست . . . ؟!

قاطعتني :

-فعلا ، قصة الحكيم  تشبه قصة صاحبة العينين ، ولك الحكيم كان اسمه  ٌالأخضر غسلان ٌ و ليس ٌسنمار ٌ .

 

قول ثالث

قال النخل : قطعوا سعفي و زينوا به الأقواس .

قالت الحقول: صادروا خضرتي.

قالت الأوكار: هجرت طيوري خوفا من ذبحها في

وليمتهم.

قال النحل : لوثوا عسلي بالدماء .

قال ديك الحي : لم أؤذن يومها للفجر ، و استمرت

الأفراح حتى حبلت شهرزاد .

قال النهر : مائي صعد الجبل .

قال البحر : سجنوا نوارسي .

قال السنة : صرت فصلا واحدا .

قلت : اختل ترتيب العالم .

قالو جمبعا : عيناك السبب

صمتت .

قلت :

تابعي الحكاية .

لم تتابع ، دمعت عيناها امتدت يدها تمسح الدمع

و لكنها تصلبت .

 

الرواية اليقين

في الغابة تهامست الأشجار و الأحجار و الطيور :

ليلة السابع زنى بصاحبة العينين وزير شهريار ، و لما

انتفخ بكنها قالت :

عقيقة ابني  عينا شهرزاد.

 

 

 

(0) تعليقات


السرد ديوان العرب

 

 

السرد ديوان العرب :
  تأصيل النسب
      جمال بوطيب                    

 

 

" متى دل الشيء على معنى فقد أخبر عنه وإن كان صامتا، وأشار إليه وإن كان ساكنا "

الجاحظ

 

        حين أعلن دينيس فارسيDenis Farcy في كتابه " معجم النقد " عبارته المجازية ، وهو بصدد تعريفه  للسرد قائلا إنه نادرا ما وضع مصطلح في كل الصلصات كما هو الحال بالنسبة إلى مصطلح سردي(1)، كان يعي انسلال السرد واندساسه وهيمنته على كل الفنون الكتابية و حتى غير الكتابية  .

        هذا الإعلان ليس خالصا لديني فارسي، فقد أشار اليه غيره معتبرا ان السرد يوجد في كل شيء.(2)

        إن الإنسان – محور السرد – باعتباره ساردا أو مسرودا له هو نفسه سرد، ففي خلق الإنسان ، من جنينيته مرورا بمولده ،وفطامه ويفاعته وشبابه وشيخوخته ، وصولا إلى موته..الخ تفاصيل سردية ومتواليات تحكى؛ بل حتى في حالة ثباته- باعتباره جسدا- هو يحكي ،دون أن ينطق،  قصة الخلق ويسرد عظمة الخالق، مادام كل شيء دال تلك الدلالة التي اعتبرتها الثقافة العربية مشتركا  بين الموات الجامد والحيوان الناطق لأن " الدلالة التي في الموات الجامد كالدلالة التي في الحيوان الناطق، فالصامت ناطق من جهة الدلالة  والعجماء معربة من جهة البرهان " (3)

         إن نطفة الرجل نقطة سردية ،ومداد على صفحة جسد الأنثى . إنها استهلال سردي لمحكي قد يطول أو يقصر حسب عدد محمولاته.يبدأ المحكي السردي بتواري محكي سردي آخر هو العادة الشهرية التي تتوقف باعتبارها متوالية سردية فيزيولوجية خاصة بالأنثى لتبدأ متوالية الحمل وهي متوالية ذات أبعاد ثلاثة:

-       النطفة المتنامية.

-       واضع النطفة.

-       متلقيها.

إن مراحل الجنينية التي سيؤكدها الاستنساخ لاحقا، هي بداية المحكي الجسدي الذي سينسرد غير ما مرة ،عبر مراحل هي: الوليد والفطيم والرضيع والفتى..الخ ، محكي مؤسس على تنام للذات.هذا المحكي قد يكون سيريا بالنسبة إلى النطفة ، لكنه غيري بالنسبة إلى الآخرين، وهو سيري وغيري بالنسبة إلى واضع النطفة ومتلقيها .هذا الثاني الأشد ارتباطا بالمحكي عبر حمله وولادته وإرضاعه وفطامه، وهو المحكي المتكرر على مستوى المراحل مع المولود الأنثى والمختلف مع المولود الذكر.

-             إن الموت نفسه سرد على مستويين:

-              المستوى الأول: الجثة التي صامتة تحكي حياة جسدها مادام الجعل قد حول" دلالة الأجسام نطقا والبرهان الذي في الأجرام الجامدة بيانا"(4)

-               المستوى الثاني : الجسد الذي مخرسا يروي قصة حياته، وهو ما نجده في كثير من الخطابات التي اهتمت بمحكي الجثة وبالكتابة عنها وإليها سواء أتعلق الأمر بالخطابات الحديثة والمعاصرة أم بالخطابات التراثية (5).

-               إن الإنسان / السارد/ الحاكي لقصة الخلق والمحاكي لمبدع الخلق، يواصل الحكاية:

-               حكاية الصراع مع الشيطان عبر سلوكاته.

-               حكاية الصراع مع الذات  والذات المماثلة، والآخر المماثل والآخر المغاير، والعالم المحيط ، في حالات الإنجاب ،والعقم والاخصاء ، والزواج ،وتثنية الزواج ، والعزوبة ، والممارسات الجنسية الشرعية، والمتحررة ، والشاذة...الخ.

باختصار: الإنسان حكاية.

       وهاهو  الفضل بن عيسى الرقاشي في ما أورده الجاحظ منسوبا إليه يلخص في برهانه القائم على الحوارية والاعتبارية في فعلي "سل" و " قل" ما يمكن أن يكون معادلا للبرهنة بركنيها متواليين  ومؤسسين لفعل سردي بكل مقوماته: " سل الأرض فقل : من شق أنهارك، وغرس أشجارك وجنى ثمارك ؟ فإن لم جبك حوارا أجابتك اعتبارا "(6)

هل قلت : إن السرد هو الوجود.ليس بعد ، لكن أجزم أنهما شيئان متلازمان، مع احتمال كبير لسبق الأول عن الثاني عبر خلق الكون.

    ألا يحق بعد كل هذا أن نراجع كل مقولات الأبوة والنسب التي تجعل كل الفنون لقيطة حين تجعل من المسرح أحيانا ومن الشعر أحيانا أخرى أبا للفنون وتصمت عن ذكر الأم ،وهما معا قد خرجا من صلب السرد؟؟

العرب والسرد

        إذا كان الحكي هو كل خطاب شفوي أو كتابي مقدم لقصة ما، فإن السرد هو الفعل الذي ينتج هذا الحكي .بهذا المعنى نجد سردا في كل التراث الإبداعي العربي :منقوشات القبائل العربية القديمة وأخبارهم الميتولوجية و صنعهم لأصنام وعبادتها ورحلات إيلافهم وأخبارهم وأيامهم وسجع كهانهم وشعرهم.

        إن السرد باعتباره منقولا خبريا يوجد في منقوش ما لتضمن هذا المنقوش ل: السارد / الناقش، والمنقوش له / المسرود له -وإن كان الذات - والناقش الحقيقي والناقش الضمني ،والموضوع السردي، ثم إن صانع الصنم أو مشكله يحاكي ويحكي أثناء خلق الأجساد ، ويخلق حكايتها ،ويضمن عبادتها ، ويخاطبها ، وينطقها في حالات ومواقف مختلفة ومتباينة فرحا وحزنا وغضبا و رضا..الخ

        ألا تحكي جمال العرب ونوقهم ، ومحمولاتهم في رحلاتهم، و سلعهم ، أخبار وقصص بلدانهم ومصادر الرحلة ومنتهياتها .

        ألا تقوم معلقة امرىء القيس كلها- وهي الشعر-على الحكي سواء أكان مضمرا أم معلنا:

        المضمر: ذكرى الحبيب والمنزل(زمن القصة)

        المعلن: المحكي النصي الشعري (زمن النص)

" ويوم دخلت الخدرخدر عنيزة "(7)

        ألا يمكن اعتبار مسردة عمرو بن كلثوم  المسماة  معلقة(8)  لا تتضمن إلا اسطرا شعرية قليلة وما تبقى أسس على سرد ما دامت صيغة النداء المستعلمة للمنادي " أبا هند"  وقبلها منذ مطلع القصيدة ،لا تعدو أن تكون تمهيدا للمحكي الذي يعلن نصيا من خلال قوله :

" وانظرنا نخبرك اليقينا " (9)

        ويكون المخبر به شعريا، كله سرد ، وهو ما يتكرر في نصوص النابغة وعلقمة وزهير والحطيئة وغيرهم.

        لقد جاء النص القرآني نفسه حاملا لأخبار تماشيا مع البنية الذهنية للعرب ، كما جاء مليئا بالقصص سواء أكانت قصص أنبياء: يوسف و آدم و عيسى و نوح أم غيرهم : فرعون و قارون أم قصص أمم : عاد وثمود و ارم ، وجاء الحديث النبوي الشريف مليئا بالسرد(حديث الإحسان مثلا) (10)

        لقد مس التغيير شكل الشعر العربي ، وتبدت أشعار النقائض والغزل والمديح والرثاء والهجاء باعتبارها اغراضا مستقلة ؛ لكن السرد ظل حاضرا وبجلاء.

إن الأخطل يحكي.

وجرير أيضا.

والفرزدق نظم سردا موزونا.

        وانتظم من والاهم أومن عاصرهم للبنية السردية العامة في الكتابة : " عمر بن أبي ربيعة "  و " عكاشة العمي " و" جميل بثية"    و مجنون ليلى و المتنبي و أبو تمام ؛ بل أكثر من ذلك ابتدعت نصوص سردية نواة للنص السردي الكبير و صدرت بها النصوص (11)

        لم نكتب إلا سردا منمطا في شكلين:

        أحدهما :خاضع لوزن: النصوص الشعرية.

        ثانيهما غير خاضع لوزن:المقامات .

        وعموما إننا نرى أن المسألة التجنيسية أكبر من الوزن والقافية وعمود الشعر.لقد حدثت الخلخلة قبل الصياغة حتى في تعريفنا الأشهر : الشعر كلام موزون مقفى ذو معنى"

لأن الكلام هو  المنجز لفردي، وليس كل منجز فردي شعرا، والموزون مقفى: خاضع لبحور سوف تقعد لاحقا للمرحلة الإنتاجية النصية ،و ذو المعنى:مرتبط بدلالة تمييزا بين الشعر وبين النظم (بمعناه الوزني )فقط ،وليس بين  شعر ونثر (12)

        إذا كان هذا هو الشعر، فبماذا نفسر حيرة العرب أمام النص القرآني واعتباره شعرا ، واتهامهم للرسول عليه الصلاة والسلام بأنه شاعر.

        هل السجع هو الذي خدعهم ووقعوا في هذا الاعتبار، فلماذا لم نسمي المقامات شعرا مثلا ؟

        يحق لنا في ضوء هذا الاعتبار أن نحلل مسردة عمرو بن كلثوم وفق منهجية قرائية قائمة على أساس مساءلة الحضور الشعري فيها الذي يبدو خارج  النظم بمفهومه الموسيقي باهتا .(13)

 

 

 

1-gerard Denis Farcy,  Lexique de la critique , presses universitaires de France.(puf) 1991.p 68.

2- رولان بارث ، التحليل البنيوي للسرد، تر: حسن بحراوي و البشير قمري وعبد الحيد عقار ضمن كتاب طرائق تحليل السرد الأدبي(دراسات) منشورات اتحاد كتاب لمغرب.الطبعة الأولى، الرباط 1992 ص 9

3-ابو عثمان الجاحظ، كتاب الحيوان (ج1) ، تح عبد السلام هارون، دار الجيل بيروت،  1992 ،ص 34

4- ابو عثمان الجاحظ، البيان والتبيين (ج1) ، تح عبد السلام هارون، دار الجيل بيروت،  1992 ،ص 81-82

 

5- من النصوص التراثية التي اهتمت بالموضوع : حي بن يقضان  في أشكالها الثلاثة: حي ابن يقظان لابن سينا وحي ابن يقظان لابن طفيل وحي بن يقظان للسهروردي( انظر حي بن يقظان لابن سينا وابن طفيل والسهروردي: تحقيق وتعليق أحمد امينن دار المدى للثقافة والنشر سلسلة الكتاب للجميع ع8 ، 2001)

6- ابو عثمان الجاحظ، كتاب الحيوان (ج1) ، تح عبد السلام هارون، دار الجيل بيروت،  1992 ،ص 308

 

7-احمد بن الامين الشنقيطي، شرح.المعلقات العشر وأخبار شعرائها ، دار الكتب العلمية، بيروت ، الطبعة الاولى 1993 ص19.

8- التعليق صفة تعطي الحدث (التعليق على الكعبة) وليس الجنس كما قد يتوهم  القارىء.

9-عمرو بن كلثوم، ديوان عمرو بن كلثوم، دار صادر للطباعة والنشر ، ، بيروت، لبنان- الطبعة الاولى ، 1996 ص56.

10-

11-مثل هذا النص  الصدرالوارد في  الصفحة  (112الجزء الثاني)   من كتاب مصارع العشاق، تاليف الشيخ أبي محمد بن احمد بن جعفر بن الحسين السراج القارىء-دار صادر- بيروت-د.ت

أخبرنا ابو القاسم عبيد الله بن عمر بن شاهين، رحمه الله ،حدثنا ابي، أخبرنا عمر بن الحسن، حدثنا ابن ابي الدنيا، حدثنا علي بن الجعد سمعت ابا بكر بن عياش، يقول :

كنت في الشباب إذا أصابتني مصيبة تجلدت، ودفعت البكاء بالصبر ، فكان ذلك يؤذيني ويؤلمني ،  حتى رأيت اعرابيا بالكناسة، واقفا على نجيب وهو ينشد:

خليلي عوجا من صدور الرواحل    بجمهور حزوى فابكيا في المنازل

لعل انحدار الدمع يعقب راحة من الوجد أو يشفي نجي البلابل

فسألت عنه فقيل :ذو الرمة ، فأصابتني بعد ذلك مصائب، فكنت أبكي وأجد لذلك راحة، فقلت : قاتل الله العرابي ما كان أبصره.

12-يمكن بهذا المعنى أن نعتبر سردا عربيا:

-السير الشخصية- اخبار الشطار والعيارين- اخبار الحمقى والمجانين –نوادر جحا ولطائفه-لطائف النساء-السير الشعبية-كتب المصنفات (البخلاء مثلا)

13- تضم المسردة 125 سطرا سرديا منظوما على وزن الوافر ، وننبه إلى أن قصته التي بسبب أنتج النص طالها الخيال إلى درجة اقترابها الفاضح من السير الشعبية وهو ما يؤكد سرديتها متنا و مبنى

 

 

استمع أولا ثم دوِّن

أشرنا إلى أن الحكي هو كل خطاب شفوي أو كتابي مقدم لقصة ما، وأن السرد هو الفعل الذي ينتج هذا الحكي، و بالتالي يمكننا اعتبار المنتوج الحكائي العربي القديم في صنفه الشفوي ـ الذي سوف يتحول كتابيا فيما بعد ـ شكلا من أشكال البنية الثقافية السائدة،  التي اعتمدت في جانب مهم منها على النقل عبر السماع ثم الرواية فيما بعد.

إن الثلاثية المعتمدة على السماع من متكلم و النقل إلى مستمع يتحمل في مرحلة لاحقة إلى راوية(1)، قد حكمت معظم النصوص العربية سواء المقدسة منها أو الموضوعة.

إن النص القرآني باعتباره نصا مقدسا تم نقله عن طريق الحفظة الذين سمعوه من الرسول عليه الصلاة و السلام ثم تم تدوينه فيما بعد.

وقبل نزول القرآن نقل الشعر العربي القائم على الإنشاد/الشفهية عن طريق الرواة، و بعد نزول القرآن وقبل تدوين الحديث النبوي عمل نقلة الحديث وكتابه اجتراح منهج لتوثيقه.

لقد حكمت الشفهية الثقافة العربية في جانب كبير منها، ولعل مرد ذلك- لاسيما في مرحلة أولى – إلى البنية الذهنية العربية المعتمدة في كثير من أجناسها الإبداعية على الشفهية كالرسالة والخطبة والشعر.

 

وقد طال هذا السلوك الشفهي حتى المرويات العربية التي قد يكون من أسباب تأسسها على الشفهي ذلك الميل عند العربي إلى الأحاديث والأسمار التي كان لابد من ابتعادها عن المكتوب باعتبارها خاضعة لعلاقة جسدية بين الراوي والمروي له، هذه العلاقة الجسدية هي علاقة الحضور التي تسمح للراوي ب:

·  التحكم في أذن المروي له

·  بناء الحكاية على أساس مظاهر التلقي الجسدية (الوجه، العينين...الخ )

إضافة إلى عدم صلاحية المكتوب لجلسات الأسمار، إذ من شأنه أن يلغي الشرطين السابقين، كما أن كتابته تسمح للسامع بإلغاء الراوي كعنصر أساس في المحكي باعتباره موضوعا لمحكي ما هو القصة.

إذن تتنشأ القصص و المسرودات أو المرويات العربية خاضعة للشفهي، و بخضوعها للشفهي نسجل ملاحظات أهمها:

·              تأثير العامل الزمني

·              تأثير العامل الحكائي(الراوي)

·              تأثير العامل المكاني

·              تأثير العامل البيئي(أخبار و مرويات أمم أخرى)

و نقدم أمثلة لذلك:

§       العامل الزمني: تغيير القصة من زمن لآخر، وعدم نشأة أشكال حكائية أخرى إلا في زمن لاحق(السيرة مثلا)

§  العامل الحكائي: إضفاء السارد لتجاربه الخاصة .

§  العامل المكاني: حياة العرب خلقت قصصا ترتبط بهم أكثر من ارتباطها بأمم أخرى(الغول ـ السعالي ـ الجن)

§  العامل البيئي: قصص كليلة ودمنة...الخ

ونحن نتحدث عن الشفهية لابد من تسجيل ملاحظتين رئيستين هما:

§   سعى بعض الكتاب إلى توضيح أهمية الشفهي، كما فعل الجاحظ محتجا بحجج دينية أهمها أن الرسول لم يكن كاتبا.

§  كلما كان شفهيا تعرض للوضع: وبالتالي فإن المجلدات التي بين أيدينا يفترض فيها خضوعا للوضع أسلمها إلى حالة نهائية من التدليس هي الحالة التي دونت بها، وإن كان الباحثون قد اختلفوا     في نشأة أجناس كتابية كالخرافة مثلا بين:

§      فريق يعتبرها ذات منشأ عربي باعتبار أن العرب خاصة عامتهم ذوي قلوب أميل إلى الخرافة وإلى تصديق الخارق من الأخبار والمبتدع من القصص.

§                 فريق آخر يرى أن الخرافات عرفت عن العرب وضعها المترجمون الذين ترجموا خرافات الآداب الأجنبية.

ومهما يكن من أمر فإن تحليل الموروث السردي العربي كثيرا ما يشوبه خلط في الاصطلاح والتسمية.فيدرجون تحت اسم الخرافة: قصص ألف ليلة وليلة وأخبار السعالي، والجن والمعتقدات القديمة وحتى الأساطير. كما يفعل عبد المالك مرتاض في كتابه "الميثولوجيا العربية" وكما فعل ع. إبراهيم في كتابه السردية العربية. (2)

والواقع أننا نرى لنشأة الخرافات عند العرب سببا ثالثا يبدو لنا وجيها هو كون العرب قد وقفوا عاطرين أمام تفسير بعض الأمور التي ضمنها النص القرآني، فلجأوا  إلى خلق خرافات كما هو الحال في تفسير اسم بلقيس ملكة سبأ الذي جعل نفرد عنصرا خاصا بالجسد الشعبي.

هوامش

    

  (1)حجتنا التي نبرر بها هذه الثلاثية اختلاف التصديرات التالية حسب أنماط النقل بين :

الوجادة والإجازة والسماع والقراءة عن الشيخ والإذن بالرواية..الخ كما يلي :

- أخبرنا أبو تغلب عبد الوهاب بن علي قراءة عليه ، حدثنا ابو الفرج المعافى بن زكريا الحريري إملاء حدثنا ابراهيم بن عرفة الازدي قال : استنشدني ابو سليمان بن داوود بن علي الاصبهاني ( المصارع م 2 ص 11).

- أخبرنا ابو الحسين احمد بن علي التوزي في ما أذن لنا في روايته....حدثني الخزيمي( المصارع م 2 ص 6).

- أخبرنا ابو الغنائم محمد بن علي بن علي الدجاجي إجازة ، حدثنا اسماعيل بن سويدن حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي..أخبرنا محمد بن سلام قال : ( المصارع م 2 ص 200).

- ويروى من غير وجه أن عبد الله بن جعفر... وتحدث معنا  هنيهة(.....) وولى الينا وهو يقول:

وإذا أخذت ثواب ما أعطيته       فكفى بذاك لنائل تكديرا

وهذا يشبه ما حدثنيبه الرياشي .....الخ(ابو العباس المبرد، الفاضل ، تح عبد العزيز الميمني، مطبعة دار الكتب المصرية، القاهرةن الطبعة الثانية 199، ص 32)

(2)الشائع أن أول من اهتم بالخرافة على مستوى التأليف هم الفرس وعنهم نقلته باقي الأمم ومنها العرب، وتطرح إشكالية السبق بين نصين رئيسين تداولتهما كتب المؤرخين والمصنفين وذكرة الأخبار هما كتاب ألف ليلة وليلة هزار أفسانة. غير أن ما يعنينا هو المتن النصي لألف ليلة وليلة. وهو ما نسجل بصدده الرأي الذي فيه غير قليل من التقويم للمتن:  " لا يعرف مؤلفه أو من روى أو جمع النسخة الأم " نستنتج منه أننا سنتعامل مع :

§        مؤلف مجهول  و راو مجهول و جامع مجهول

لكنه مجموع و مروى و مؤلف مع غير قليل من الوضع والزيادة و النقصان.

تؤطر النص خرافة عامة هي حكاية شهرزاد مضمونها هو: إرسال شهريار في طلب لأخيه شاه زمان الذي يكتشف خيانة زوجته و لا يشفى من عقدته إلا باكتشاف خيانة زوجة أخيه لأخيه شهريار... و بعد الهجر والهجرة والتشاف  أمام جل النساء، يعود شهريار ويقتل زوجته ويقرر الانتقام من جنس النساء حين تصل إليه شهرزاد فتبدأ ألف ليلة و ليلة.

إن ما يهمنا هنا، أن السرد أفضى إلى توالد قصص وحكايات جديدة، فكلما ظهرت شخصية جديدة ظهرت قصة جديدة، إذ تتضمن كل قصة متنا مفض إلى قصة جديدة.

وهو نفس ما نجده في كتاب كليلة ودمنة مثال:( قصة دمنة والأسد والثور وما تولد عنها من حكايات )

الاسكندر ذو القرنين ملك على الهند رجلا من ثقاته، فور ملكها ولما ابتعد ذو القرنين ملك الهنود عليهم ملكا يقال له دبشليم، لكنه طغى وتجبر.

وكان في زمانه بيدبا الفيلسوف فكر في صرفه عن ظلمه، جمع تلامذته، وحثهم بعزمه " وقد جمعتكم لهذا الأمر(...) على أن العاقل قد يبلغ بحيلته ما لا يبلغ بالخيل والجنود " (ص:9)، موضحا له أن المثل في ذلك هو مثل القنبرة والفيل " ومثل ذلك اتخذت ... "

وينطلق السرد اعتمادا على الخبر،فنجد داخل الخبر قصة القنبرة والفيل ثم سردا خول تفاعل شخوص عدة هي الملك والفيلسوف والتلاميذ. بعدها سوف ينتدب لوضع الكتاب :

" هذا كتاب كليلة ودمنة وهو مما وضعته علماء الهند من الأمثال والأحاديث التي ألهموا أن يدخلوا فيها أبلغ ما وجدوا من القول في النحو الذي أرادوا (...) وأول ما ينبغي لمن قرأ هذا الكتاب أن يعرف الوجوه التي وضعت له والرموز التي رمزت فيه وإلى أي غاية جرى مؤلفه فيه عندما نسبه إلى البهائم وأضافه إلى غير مفصح وغير ذلك من الأوضاع التي جعلها أمثالا " (ص:45 ـ 44) .

 

 

(1) تعليقات


الشاعر والمترجم العراقي جواد وادي

مختارات
من ديوان رهبة المدارك
الشاعر العراقي جواد وادي

فطنة

 

أدركت أن البذرة

لاتكبر  إلاحين

تجيء الريح اللاهبة

عندها وضعت جناحي

على مفترق الطرق

وهيئت نفسي

للانطلاق...

لكنما في لحظة الانفلات

ركبت البحر

وأصخيت السمع

لأمواجه الهادرة

ثم...

استغرقت في نومي...     

 

عبور

 

لا أحد يدرك

كم من الوقت يكفي

لتسلق الانعطاف الأول

ثم جربت ذلك وأفلحت

ثانية ما أدرك أحد

كيف يتسنى لك أن

تمكث طويلا في هوة

البئر

حاولت جاهدا

وصرت جزءا من الطين

والعشب الندي

للمرة الثالثة

داهمني الخوف

حين قال أحدهم

هل بوسعك أن تغزل

خيوط الشمس

لتخيط ثوب العروس

ارتعدت لهول السؤال

استجمعت قوتي

وقذفت بجسدي المتهالك

في لهيب النار الحارقة

وصرت رمادا.......

حلم

 

أفقت على ضحكة صاخبة

لم أجد ما يؤانسني

عدت للنعاس

فداهمني ارتعاش مخيف

نفضت الغطاء،وكنت عنيفا

فانزلقت قدمي في فراغ

سحيق......

جرجرت قدميالأخرى

.فإذا بها

وحش كاسر

 أكل بقيتي

لملت نفسيو

وآويت

إلى فراشي

بإحساس مهين

 

فراسة

كان وجهه

بسعة الباب الذي دلفه

حين سقط متهالكا

على الأريكة

تفحصت أوداجه

ومسست ترهله،لم أجد

غير ارتجاج صفيق

أدرته إلى   جهة البحر

فعبقني برائحة الدفلى

جالسته نديما

لعلي أنهي ذهولي

في جسده المتعاظم

شدني بعنف

وقال

هل عرفتني

عندها أدركت

أنني

كنت أنا........

افتضاض

 

انى لي أن أدعي

أني احتويتها

قاصدا نهدها الغض

هل أدركتني المخاوف

أم شهوات القتل المعلن

قلت لا بأس

وأفضيت بذات الوجد

لفاتنتي

لكنما

وبفيض من الانكسار

شعرت بلزوجتي

المقيتة..........

خطة

 

حين  عزمت على المغادرة

كان كل شئ مرتبا بدقة

الهندام ، الضفيرة ، لمعان الحذاء ،

الحزام المذهب ،الأصداف المتلألئة

شئ واحد  كان لافتا

العجيزة

كانت بحجم مهول

الأرداف وتباينها عن جسدي

أحالت ذلك الهندام

إلى ضحكات بلهاء

أطلقها الآخرون

وأنا أتمايل بخيلاء

وكأن العالم كله

بين أردافي

ويقبع في عجيزتي ......

حينها أدركت

بأنني كنت على حق......

 

خطيئة

 

في الصباح الباكر

لحظة ارتشاف قهوتي

أمسكت بعود ثقاب

قربته إلى فنجاني

حركت ما ركد أسفله

فإذا به دم قان

حمدت الله أني

عرفته قبل الأوان

عندها تململت وجلا

تحسست يدي

فإذا بعود الثقاب

يطير بعيدا

بجناحين داميتين........

 

تجل

الأكثر فطنة هو الذي يعرف أنه لا يعرف –

                                سقراط

أن تدور

في المكان

لا   يعني أنك

منفلت اللجام

تريد فقط أن تدرك

بأنك موجود

بل وأكثر توازنا

من الآخرين

أن تتحسس ذاتك

ربما لأنك أشد

نقاءا منهم

الآخرون يعلنون بصفاقة

بملكة المعرفة

هذيان

سفسطة

رحماك سقراط

 

من أين لي أن أحفل

بميتة كميتتك

وبذات الكأس

التي تجرعت

لذيذا كنت

وكنت أكثر عنادا

حين أدركت

أن لا مناص من الخلود

إلا بذات النهاية.......

 

(1) تعليقات


القاص المغربي محمد الشايب

قصة قصيرة

سحابة هاربة

محمد الشايب

 

أشتهي البكاء

أشتهي الضحك

أشتهيهما معا في نفس الآن.

لا أدري لماذا لبست هذا القلق، وكيف توغلت في مغارة هذا الصمت.

أشتهي البكاء فلا أبكي

أشتهي الضحك فلا أضحك

بينهما أحترق...

أراوح القلق بين مطر بارد، وسموم حارق

بين البحر والعدو

ووسط رماد السفن

أحترق.  

المدينة ودعت أهلها البارحة، وها هي خاوية الدروب، ها العصافير، تغني أم تبكي؟( لا أدري )، ها الأشجار ترقص، فرحا أم من شدة الألم؟( لا أدري )، ها مراكب الصيد، نائمة في المرافئ أم ميتة ؟( لا أدري )، ها البحر يرسل الحياة، أم يحفر القبور ؟( لا أدري )، وها أنا بين عباب صبابة قديمة أحترق، والكراسي أمامي ترثي المدينة، وتكتب نشيد الفراغ...

أغير مجد هذا الضياع؟( لا أدري ).

أمس التقينا.

بعد عشرين عاما نلتقي.

عشرون عاما بكل تضاريسها السهلة والوعرة، بكل ألوانها القزحية وغير القزحية، بكل التشرد، بكل التيه...

بعد عشرين عاما، تعود لأجدها أمامي تنتصب كشجرة لاتموت إلا واقفة، تتجاوز الليل الذي سجى طويلا، وتقف على عتبتي، في يدها نار، وفي صدري بنزين، وبيننا موج من الدهشة. بعد عشرين عاما عانقت دهشتها دهشتي،  ووقفنا نصل الرحم، ونغرق في لهفة السؤال.

المدينة الأخرى هناك بعيدا

و" سبو " حاميها يعزف على كمان الغياب

ودفاتر الصبا

هيهات هيهات

بعد عقدين كاملين تعود كالرذاذ بعد جفاف طويل:

-          أينك الآن؟

-          لا أدري أينني..

-          بلغني أنك تزوجت زواجين، زواجا بالكتابة وزواجا بامرأة.

-          أنت أيضا تزوجت.

-          من الأغلى عندك؟

-          زوجتي أيضا كتابة.

-          كلاسيكية أم تجريبية؟ !

-          الأهم أن تكون جميلة.

حلقت و أنا بجانبها، فتجاوزت جبالا شاهقة من الزمن، وبدا لي فتى ملتبس كنته، حالما كان يجر نحوله، ويسير الهويني على ضفة سبو، يحمل محفظته، و يقصد الليسيه، وسط حشد من الأقران، يوزع بسماته  بسخاء كبير،  يتكلم قليلا ، و يصمت كثيرا ، في محفظته يخبئ قصيدة يهجو فيها رونالد ريغن، و في قلبه تخضر قصيدة ثانية يتغزل فيها بالفتاة التي تجلس جانبه في الفصل، القصيدة الأولى سيسلمها لأستاذ اللغة العربية لينشرها في المجلة الحائطية، أما القصيدة الثانية فلن يستطيع تسليمها لأحد !

            من بعيد، من خلف كل سنوات البين، يحضر الفتى وهو يردد في صمته تارة أغاني عبد الحليم، وتارة أغاني ناس الغيوان. ينفلت من قبضة الأقران، وينفرد بفتاة أنيقة كانتها التي أشرقت أمامي فجأة بعد عشرين سنة من الأفول. يسلم عليها فيخفق قلبه، وتحمر وجنتاها، أو بالأحرى تزدادان احمرارا، تسأله كيف يتهيأ لامتحان " الباك" وكيف يوزع وقته بين المطالعة، ولعب الكرة، وسرقة البرتقال، والتصعلك ليلا، وكتابة الشعر، تنصحه بالابتعاد عن رفاق السوء،   تقول إنه ليس من صنفهم، هو خجول وهم لا يخجلون، هو مهذب ومشاغبون، هو ذكي ( حسب زعمها ) وهم أغبياء. يظل متحصنا في صمته، ولا يجيبها إلا ببسمة عريضة. تحثه على أن يهتم أولا بدروسه، فالناس يحبونه لكنهم لا يحبون أن يروه وسط أولائك الأقران. كان يتساءل كل مرة : لماذا تكرههم؟

            هم مشاغبون لكنهم طيبون، وواضحون أيضا وهم أقرب إليه منها، لقد أحبها، لكنها كانت تبدو بعيدة عنه، هي بنت المدير وهو ابن العامل، هي تقضي صيفها في شاطئ مولاي بوسلهام، وهو يمحو تضاريس الهجير رفقة الأقران بين فيافي الضيعات والنهر.

-          عشرون عاما لم نلتق، وها نحن وجها لوجه (قالتها وهي تزيح النظارتين الطبيتين عن عينيها، ربما لتظهر أن بريقهما ما زال متأججا).

-          تمضي الأيام بسرعة، لكن هل تذكرين؟

-          أسافر عبر القطار باستمرار وكلما فاحت رائحة المدينة، أنهض من مكاني، ألتصق بالنافذة و أتمنى أن يتمهل القطار حتى أراها جيدا!

-          ماذا تحبين أن تري فيها؟

-          كل سطر كتبناه على جبينها.

تتنحى السنوات وتنمحي، يفوح النهر بنسائمه، تتجلى الفتاة بجانب الفتى، يدعي أنه يخاف المطر، يرافقها تحت مطرية واحدة، تسأله مرة أخرى عن امتحان " الباك"، يحاول أن يغير الموضوع، فقلبه كان يخفق حينئذ بهم آخر أحلى من موضوع " الباك"، قلبه كان يرقص على إيقاع آخر. يظل ملتصقا بها تحت مطرية واحدة، مطريتها طبعا، يلمس بمرفقه إحدى تفاحتيها، فيرتج توازنه، ويحلق بجناح نادر من الدهشة. أما هي فتشتعل احمرارا، ويسيل وجهها عرقا، فتلوذ بموضوع " الباك" مرة أخرى.

-          حينما تنجح في " الباك" ستذهب إلى مدينة كبيرة...

بعد عشرين عاما أعود لأشتهي البكاء فلا أبكي ..

و أشتهي الضحك فلا أضحك.

والمدينة أيضا تبدو مثلي متأرجحة بين ضدين. مر لقاء البارحة كخلسة المختلس، هطلت الأسئلة غزيرة، وتاهت مراكب الدهشة، عدنا القهقرى إلى ضفاف بعيدة، لذنا بالصمت تارة ، وبالكلام تارة ، وفتحنا بعض الصفحات، بدت أكثر شوقا إلى المدينة الصغيرة، و أكثر تعاطفا مع رفاق السوء، أرادت أن تعرف كل تفاصيلهم الجديدة...

-          كم مرة في السنة تزور المدينة؟

-          أطرق بابها باستمرار.

-          كأنها أندلسي وأنا طارقها الخائب.

-          قلت إن الأقران تفرقوا جميعا..

-          كنت تكرهينهم.

-          كنت مخطئة، لم أستوعب حينذاك أنهم كانوا أبطالا رائعين لحياة رديئة.

-          ربما لأنك كنت بنت المدير.

-          الآن تحررت من ذلك.

ضحكنا، ودخلنا القاعة، توجهت إلى المنصة، و أخذت مكاني وسط الزملاء، بينما جلست هي بين الحضور.

      بعد عشرين عاما، ها هي العين تكتب دهشتها في العين، وها هي رياح قديمة تهب من جديد، وها هو الفصل المطل على النهر يتجلى ناصع البياض. يدخل الأستاذ، تدخل الفتاة، يتوالى الداخلون والداخلات، يدخل الفتى وسط الأقران وضجيجهم، يجلس بجانب الفتاة في الطاولة الأولى أمام السبورة، يرتفع صياح الرفاق مطالبينه بالرجوع إلى الخلف، لا يلتفت إليهم، يتدخل الأستاذ مطالبا بالهدوء، ثم يبدأ الدرس...

تناوب الزملاء على قراءة نصوصهم، وجاء دوري فقرأت: " رأيتني في مدينة لم يسبق لي أن وطأت أرضها، وجهها غامض و أسوارها بنية متصدعة، دروبها خالية، يلفها صمت عظيم، وطرقها مكتظة بالحفر، ريحها جافة، وشمسها حارقة، نوافذها وأبوابها محكمة الإغلاق، و أشجارها واقفة تتلو قريض البكاء. رأيتني في هذه المدينة تائها بلا مجاديف، يلبسني قلق ويقودني مهب الريح كريشة رمى بها غصن غاضب. وجدتني وأنا بين أنياب هذا الصمت القاهر أشتت نظراتي بحثا عن ملاذ، أحاول قراءة أرقام البيوت وأسماء الدروب فلا أفلح، أستعطف الشجر والحجر ولا من مستجيب، أقترب من بوصلات المدينة، أجدها مكسرة ، أمر إلى الإشارات، أجدها منقوشة بحروف غجرية، يتعاظم قلقي، ويعلو عبابه، وأجدني أسأل نفسي: ما بها هذه المدينة تغلق الأبواب، وتفئ نار قراها في وجهي؟ ! ثم واصلت مسيري وإذا بي أشاهد أمامي الهيفاء واقفة تحت فئ شجرة، وتطلق بسمة لم أرها منذ زمن طويل، هرعت نحوها، ووقفت أستظل بفيئها قبل فيء الشجرة، ثم قلت: أين كنت طيلة هذه السنين؟

أطفأت بسمتها، وخاطبتني:

-          اسمع يا هذا الرجل، لا أريدك أن تعكر صفو حياتك؟ !

-          نعم أنت.

-          كيف؟

-          كل يوم أجدك تطاردني.

-          لكني لم أرك منذ...

-          كل مساء أجد نظراتك تنقض علي، ألا ترى أني الآن متزوجة، وزوجي يحبني؟ !

-          صدقيني أني لم أرك منذ أن خرجنا من تلك المدينة أشتاتا... !

-          أنا كل يوم أراك، أرجوك ابتعد عني، أنا الآن أحاول جمع شتاتي، أحاول أن أستكين، أن أنام ما تبقى من الحياة تحت فيء الطمأنينة، ثم إنك كنت جواري سنوات طويلة ولم تتكلم، ظللت وفيا لصمتك اللعين، مشينا معا في القر والهجير، تحدثنا معا، انتقلنا معا، أكلنا معا، شربنا معا، تجولنا معا، وشاهدنا معا أفلاما في القاعات وأخرى في الحياة، ولكنك لم تتكلم... !".

طال النص، وقد كان يحمل عنوان" هذا ما جناه الصمت علي"، سافر بي في اتجاهات شتى، فرأيت كيف أن الحكاية بارعة في الكر والفر، كيف أنها تنط هنا وهناك، وتزاوج بين الماضي والحاضر، وتخلط الحلم باليقين، أريد أن أقول الواقع، فلا يقين في الكتابة.

      انتهينا من قراءة نصوصنا، اقترح المسير أن نستريح ربع ساعة قبل أن نعود إلى القاعة لنناقش مع الحضور ما قرأناه.

      رأيتها تنهض من مكانها، وتقصدني، قالت: كنت أريد أن أستمتع بالمناقشة كما استمتعت بالقراءات، لكن وقت وصول القطار وشيك. خرجنا جنبا إلى جنب من القاعة، استوقفتني.. أخرجت من حقيبتها اليدوية ورقة صغيرة، وسلمتها إلي وهي تخاطبني: "هذا عنواني وهاتفي"، ثم مضت مسرعة كالهاربة.

 

(0) تعليقات


سوق النساء أو ص.ب 26

فصل من الرواية

 

 

الفصل العاشر

رأس الخيط

 

حين تأكدتْ أنها أسندتني جثة ، فكتْ وثاقي :

-         آن لنا أن نفترق.

قالت ، بنشوة ساد يتصيّد الجذالى .

صمتتْ .

توقعتُ تراجعا ينعت كلامها بكونه دعابة سخيفة لا غير.

لم يقع ما توقعتُ .وقعتُ .

-         ليس صعبا حاول أن تنسَ ، أردفتْ .

لم أحاول ، ماذا يملكُ الميت أمام مغسله ؟؟

هو ذا الهاتف. جامد لا يتحرك إلا ليجمد النبض ، و لا تتمدد أسلاكه إلا لتمتد خانقة عنق كل سلك يعتقد في الوصل .

       فتحتُ كناش " الكاطافلام " الطبّي الذي أهداني إياه " محمد سعيد الشلاف " ذات تدريب ، وفي صفحاته ، صرت أبحث عن أي بياض أفتقه بأية تفاهة قد تتبادر إلى ذهني فأسجلها ، أحتفظ بها أو أشطبها ، متلذذا بممارسة وهم الإحساس بأنني كاتب ، يمكن لألق الحروف ،وبهاء الألفاظ أن يكونا عزائي الأوحد كلما داهمني شعور بهذه الوحدة القاتلة التي لم أعد أقوى على مقاومتها . لقد تحولت وحدتي منذ مدة إلى شبح يرهبني، ويضاعف إحساسي بوشك موتي .

كانت أوراق كناش " الكاطافلام" ساطعة الغرة ، بيضاء عذراء لم تتسلل إليها بعد يد خبيئة خبيثة تلوث طهرها، وتعبـث بملائكيتها ..

-         يحق لي أن أهذي .هجستُ ،

 أو أترك القلم يهذي حيث شاء ،

فالورقة البيضاء حرث للقلم يوتيه أنى شاء .

لن يهم إن كان  الحارث أبيض أو أسود أو  لا لون له حتى ،    أو أحمر باهتا بلون أقلام أساتذة كُثر ، علمونا كيف نكون عبيدا من دون أن يعلمونا ولو حرفا واحدا .

عنّت لي فكرة :

" بين الورقة والقلم

لستُ إلا محراثا أو ثورا يجر المحراث .

بور هي كل أراضينا كامرأة عاقر ، أنهكَتها زيارات الأطباء والعوادات والأولياء .

وشحيحة هي سماؤنا كمعشوقة مبهورة ، اكتشفتْ فجأة أن فيها بعض ما يحب " .

-         لا جدوى من الحرث إذن.

قلت . لأتردد في لحظة .

-         بل لا بد لي أن  أكتب . وفخختني الأسئلة:

 ما الذي يمكن كتابته ؟

وهل بإمكان المكتوب أن يكون شيئا آخر غير مأساة يتلهى بها أولئك المرضى بداء اسمه القراءة ؟؟؟

لا يهم .

 المهم ، قصتي معك لا بد  أن تخلد . ولا أحد غيري سيكون أشد حرصا على تخليدها .

قصتي معك لا بد أن تكتب ، فلا يمكن لأشلاء من جسدينا أن تتحول رميما أو رفاتا، ومتاحفنا العشقية أشد فقرا من عانس إلى زوج .

قصتي معك لا بد أن تقرأ ، بقراءتها أُشفي وأشفى ، فلا طبيب يملك علاجا لجثة تعشق قاتلها ، أو وصفة لموثَق يفخر بأن يد موثِقه حنت عليه ، فأوثقَته .

قصتي معك لابد أن تخلد وأن تكتب وأن تقرأ.

لسبب بسيط : لأنها تستحق .

ولسبب آخر أكثر بساطة لأنها ترهقني، وأعتبر كتابتها تخلصا من ثقل يقوس ظهري .

لا أذكر من قال لي يوما حين أزعجته بشكواي  ،  قل :

" اللهم إني لا أسألك أن تخفف حملي

   ولكني أسألك ظهرا قويا ".

"جبور" ، هو " جبور الفكيكي " بكل تأكيد ، هناك في " وجدة " البئيسة في مقهى " كافيتيريا " الإداري . يقينا هو ، أذكر الآن ، وأذكر أيضا أنه حين لم يسمع مني تعقيبا يشعره بمشاركتي إياه  في الحديث ،  أردف :

-         " اللي قلبه شبعان

    يعطي للدنيا بالظهر"

أتذكر هذا الآن ،لأن ما وقع لا يقوى عليه ظهري . وظهري حين وليْته للدنيا كنت شبعانا بحق ، إلا منك .

   أ فليس من حقي أن أعترف بضعفي وقلة طاقتي ؟

       أم ليس من حقي أن أعترف أني أجوع وأشبع وألبس وأعرى ؟

تستحق قصتي معك إذا أن تحكى لا أن تنسى ....

لم أنس أبدا الحكمة التي قلتها لك ونحن في منزل سيدة طالق كانت صديقة لنا ، وكنا نزورها في الأماسي حاملين معنا " لا كريم شانتيي " ونقاسمها كأس الشاي أو فنجان القهوة.

تشاركنا هي في السماع إلى هوانا والتفرج عليه وتقول كاذبة        أو صادقة إنها تتمنى لنا السعادة والرفاه .

ونشاركها نحن في السماع لقصصها عن أزواجها وأبنائها الأربعة   و طلاقاتها .

قلت كانت صديقة لنا لأنها لم تعُد ، منذ غضبتْ وهي السعيدة بحبنا، لأنني ظلمتك وغفرتِ لي .

كنت تقولين:

- مسكينة ماجدة ملأنا الفراغ الذي كان يلفها.

وكانت تهجسُ :

-          لا بد من فراغ بينهما.

لذلك غضبت وزعقت بصوتها العصبي كتلفزة مسنة أو كمذياع مبحوح  يوم اكتشفت ان الذي بيننا لايزول إلا بزوالنا. ولما اختلت بي ، قالت :

- قاطعتُها لأنها سامحتك .

- هي تحبني .قلت لها .

أدركتْ تمسكي بك . وعنك حدثتني بما ينفر. ولما رأتني لم أكترث .تركَتني ، وانصرفَت .

لم أنس أبدا تلك الحكمة التي قلتها لك عندها :

"نفسي التي تملك الأشياء ذاهبة

فكيف آسى على شيء إذا ذهبا ؟؟!"

حفظتها من قناة إم .ب .س حين كنت أتغذى أنا وحياة في مطعم قرب"  أوتيل المغرب " بتلمسان ذات هوى....

ولما قلت لك هل تطيقين بعادي .قلت : ذكرني بما قلتَه يوم كنا عند ماجدة .

لم يكن ممكنا أن أشرح لك على الهاتف أنها تقال للأشياء وليس للأشخاص ، وأن سياقها يوم قلتها هو غير ما نحن فيه الآن .ولنفرض أنها تصلح لمثل هذا الموطن ،أو تسري  على الآدميين ، فكيف تدمينني بها ؟؟

لم يكن ممكنا الشرح.  ولم يكن ممكنا الاستمرار.

واليوم ...  بعد أن انتهى كل ما كان بيننا .

أو بعد ما أنهيت كل ما كان بيننا ، وكسرت رقبتي كما تفعل مبراة عصبية بقلم رصاص وطني ، يحق لي أن أقول :

- " يا لشماتة الأعداء..."

من أين لي بقناعة عاشق " ولاّدة "  ، لأقول :

- " وإني لأتجلد وأري الشامتين أني لريب الدهر لا أتضعضع".

هل كان فراقنا ريبة من ريب الدهر ؟

أم أن حبنا هو الذي كان كذلك؟ لا تجيبي . سيجيب الشامت والعاشق والمرتاب.

حاولت مرارا استردادك لأني كنت أعتقد قبل أن يحدث ما حدث على الأقل أن الذي بيننا يزول بالموت لا غير ، كما كنت أعتقد طول حياتي  أنني أنا المعروف – اعترافا بيني وبين نفسي-  أني لا ألتفت إلى الوراء وأن ذاكرتي  – مصدر تعاستي –  لن احتاجها إلا عندما أريد أنا، و لا أحد غيري ذلك ،هاهي اليوم تلتصق بك وترغمني على البقاء للفناء فيك ،وتتحول إلى مخدع لطيفك ليس يرام.

سأحاول أن أشفى منك.

وإن استطعت سوف أبلغك.

أ يمكنني ذلك ؟ بالتأكيد لا ، ولهذا أنا ناقم على ذاكرتي التي طالما كانت منبع فخري ، لما يؤكد الأصدقاء وحتى الأعداء أنها أقوى ما أملك .

تموت ذاكراتنا ونحيا ...

فلماذا لا نموت و تحيا ذاكراتنا ؟

ماذا لو كنا نموت بالتقسيط ، أو نميت أشلاءنا العاقة شلوا شلوا ؟

ولماذا لم أكتشف قبل اليوم أن هناك خيطا  رفيعا غير مرئي يربط بين الذاكرة والقلب ؟

صادق ذلك الأستاذ المسن ، القريب   جدا من الأرض بقامته القصيرة المنفرة ، ووجهه المدور كحلقة مفرغة وفمه النتن الرائحة كبالوعة مكشوفة ، والذي قاسمني السكنى ستة وسبعين شهرا ، صادق هو حين يقول ، متحدثا عن تجاربه العشقية الفاشلة بعد أن يغلبه السكر:

-         أنا قلبي ، جبدته ، وحطيته قدامي ، فوق الطبلة ،هنا ، وسولت علاش ما بغاش يتوب ، وجبت المقدة ، وقطعته أطرافا أطرافا ، وشويته ، وكليته ، و تهنيت .

يستطرد وقد ثقل لسانه من شدة الشرب والحقد:

- كن مثلي يا صديقي ، النساء كلبات..

لماذا لا أكون مثله ؟

ولماذا يا قلبي لا تكون طائعا مثل قلبه؟

عاق  أنت يا قلبي . مثلك مثل قلب " سيدي عبد الرحمن المجذوب " الذي مات، وترك الرحبة واسعة أمام كل من رصف كلاما بعامية البلاد ليسميه زجلا :

" يا قلبي نكويك بالنار

وإذا بريت نزيدك

 يا قلبي خلفت لي العار

 وتريد من لا يريدك "

 اليوم فقط ، أدركت ما معنى أن تكون "تازة" الودعة المرصعة ف عنق "للا عذرا "حزينة في رائعة صديق شاعر "يا تازة يا حزينة ".

     طباخة كنت أريدك كما عهدتك ، ماهرة  ويدك فيها ملح "البنة". تقدمين إلي أشهى الطعام ،فآكل ويأكل معي عشيري أستاذ الفيزياء القصير المسن ، ليغالطني في آخر كل شهر عندما نتحاسب ، ويدخر هو النقود لينفقها كل سبت في اقتناء النبيذ من عند "البياز" وعلى عاهرة قصيرة ومسنة مثله، كانت تأتيه في منتصف الليل من حي "وريدة " .آكل ويأكل معي ، ويحذرني من السحور ، وينصحني بشرب "الروج "وزيارة العوادة التي اغتنت فجأة ،وبنت منزلا فخما  قبالة كوميسارية   " ذراع اللوز " .

لم أدرك أبدا أن طبخك ذاك لم يكن غير تمارين فاشلة من أجل تهيء  أشهى وأبهى  وأبرع وأرهب طبق  صنعته يداك، وتقديمه إلي.

قلبي في طبق من فخار" طاووس"  مردودا مكلوما إلي.

طبق شهي وندي ، ستعرف المهووسات بفن الطبخ وعاشقات برنامج"وليمة" والمغرمات ب"بركاش " أن اسمه طبق الألم .

ما أجمل الوجبات حين تطبخ من أجسادنا .

وما أرهب أجسادنا حين تقتات من أشلائها .

وما أشرف أشلاءنا حين تغادرنا وتسقط لتعود إلينا.

" ها كي قلبي جيبي الخدمي وجرحيه ".

علاقتنا كلها، وأيامنا الجميلة كلها،  لم تكن إلا سجائر.. سجائراشتريناها معا، وأشعلناها معا، ودخناها معا ،وتركتني أطفئها وحدي على مرمدة اسمها : قلبي.

ولكن ....من لم يرب الخيل

أبدا لن يحسن الركوب.

ومع كل سيجارة ، وعد أبهى بحب أجل .بهاء وجلال. وبين البهاء والجلال أغط ،  دون إدراك  أن الوعد لم يكن غير نار السيجارة ، والحب لم يكن غير الرماد المنفوث في المرمدة .

 والسيجارة الغبية المحترقة باللظى لم تكن إلاي .

     و عليّ كان لزاما أن أعيَ أنك لست لي وحدي.

والبليد كنتـُه يوم توهمت أن الرجل " بصح " هو الذي يكون لامرأة واحدة لا غير ...

 ولكن ،

 " خروف الميعاد من الربق يبان "

" والليلة لفضيلة باينة من العصر"

أحقد على هذه الذاكرة التي عششت فيها بثقل  ينوء حمله بمثخن مثلي ، ثقل أريد أن أزيحه دفعة واحدة، لولا أن  بوحا لسومرست موم يكبلني منذ قرأته ذات غياب :

" هناك أشياء في الفن يصعب البوح بها ، كما يصعب على امرأة أن تحكي وقائع أول ليلة قضتها مع أول رجل ".

يقينا هو يقصد أسرار الفن. أو ليس الحب فنا ؟ ولكن صدقيني لا أسرار عندي أنا المفضوح بك بعد أن نظر الأعمى إلى عيوني فكشف حبك الجبار والطاغية ، وسمع الأصم هوس لساني فأيقن من وهني أمامك وقلة طاقتي حين أصير إليك.

" والسر الذي لا يتسع له صدرك، لا يتسع له صدر غيرك"   هكذا يقال ، وينبغي أن يقال : أيضا الهم الذي يثقلك لا تحمله  لوحدك. لذلك سأبوح :

لن أقول إني أحببتك حب قلب فقط ، فمنذ أن فصل الشيخ الحاج" الزواوي " زوج الشيخة " الجنية الكبيرة الحقانية بنت سعيدة "  في أصناف الحب، بين حب قلب وحب كبد وحب عين ، معتبرا محبوب القلب عزيزا جدا ومحبوب العين متألما جدا ومحبوب القلب مدللا جدا ، عرفت- ونادرا ما أعرف- أنني أحببتك بكل هذه الجوارح الثلاث ، ولم أجن غير جراحات لن تسترها ضمادات العالم.

" الزواوي" يفصـّل .

وأنا أشلاء أتساقط.

 وزوجته الشيخة " الجنية الكبيرة الحقانية " تواسي معزية :

" كاين ربي ..كاين ربي .."

هناك في "سعيدة " البعيدة التي لن يفهم أبدا من لم يعش بها ما معنى : " سعيدة بعيدة والماشينة غالية "المنبعث صداحا من مقهى "المولودية" التي نعتها الحبيب السايح بقهوة " تشراك الفم " في روايته الباهية "زمن النمرود" عن الحساسنة ومن جاورهم ، والتي طورد بسببها.

من " سعيدة " ، وغير بعيد من محج "فرانز فانون" ، اقتنيت أربتين تأهبا للقائك كالعادة،  والمدينة غارقة في الماء والوحل والحزن، بعد أن جبت حي "الصومام" وطرقت المعهد التكنولوجي لأحمد مدغري بحثا عن صديق باعدت بيننا الأيام والمسافات والجمارك والعصبيات.

حين تعبت عدت إلى " فرانز فانون" لأجد بوعمامة وبنته       " زانة " في انتظاري  من أجل الغذاء. لم أكد أجلس حتى طلب إلـيّ بوعمامة أن نصعد إلى منزله في  " الباطيمة" الذي اشتراه من الشيخة " الجنية الكبيرة الحقانية بنت سعيدة " مفتخرا بالصفقة، وبالثمن الرخيص الذي دفعه مقابلا له.

حين أسأله لماذا لا يستقر في العمارة ويترك ذلك القبو في "فرانز فانون" ؟ يقول إن المنزل في العمارة قد سجله باسم زوجته ، وهو يمكث هنا كأي مواطن محتال ببؤسه ليستفيد من السكن الاجتماعي الحكومي .حين يحس بي لا أؤيد احتياله يقول مبررا:

- كاع الناس داروها

بعد الغذاء أخبرته بإلزامية عودتي إلى " بلعباس" ومنها إلى   " تنيرة "  ثم " تلمسان "  ، جمعت حقيبتي التي فوجئت بثقلها لتبلغني زوجته " خيرة " أنها قد وضعت لي فيها شيئا من البلبولة لأستأنس بها في الطريق .بينما يعدني هو أنه بمجرد ما تسنح له الفرصة لزيارة   " تيميمون"  أو " الأبيض سيد الشيخ"  سيحضر لي برنوسا. ذكر تيميمون وحده كان كافيا بالنسبة إليه لكي ينتقل بي  إلى الحديث عن زوجته خيرة وكيف أنها داخت في الطائرة من " وهران" إلى " تيميمون"  بالرغم من أنهم ضربوا لها "اليبرة نتاع الدوخة "، ويغرق في قهقهات أفلتت "الشمة" من تحت شفته السفلى .

في " بلعباس " كان طبيعيا أن أتذكر :

"  مين ركبنا على بلعباس

      طاحت الرزة وشاب الراس ".

حتى من لا يضع عمامة لا بد أن يحس بشيء ما قد سقط من فوق رأسه وهو يطل على "بلعباس" . كان  " جلول طالبي"  يرافقني مشيرا إلى "الشيرات" وإلى جمالهن  في بلعباس لذلك هو لا يمكث كثيرا في "تنيرة" مقر عمله أو "بن عشبة" مقر سكناه، ويزور بلعباس باستمرار ، إما لملاحقة "المدامات" أو لاقتناء الملابس خاصة سراويل "الدجين" من هذه السوق المليئة بالأشياء المهربة من المغرب أو " المروك "  كما يسميه ، وقرطاس القاوقاو في يده لا يفارقه.

ليلا عدنا إلى "بن عشبة". وجدنا الكهرباء مقطوعا. نبهني جلول بخبرته السياسية المستحدثة:

- عرفت علاش راه قاطعين الضوء أولاد الحرام ؟

- لا .

- اليوم الذكرى 17 لوفاة الهواري بومدين ، وهذه القرية هو الذي أنشأها في إطار برنامجه الله يرحمه ويرحم جميع المسلمين و اليوم راهم ينتقموا منا علا خاطش هو اللي وصل لها الضوء .

ليستطرد قائلا:

-         نصلي لحشا ،وجي نقصرو ،ونعاود لك كل شيء.

لم يقنعني تحليله ، ومع ذلك استمعت إليه كاملا.
بعد أن تعشينا ، أصر أن نشرب القهوة.

-         خليهم يطيبوا لنا غلاي نتاع القهوة .

هكذا قال لي ، فرأيت زوجته تذهب مباشرة لتضع "المقراج" فوق "المجمر" ، وكأن كلامه معي كان أمرا غير مباشر لها،  غمزني :

-         نخرجوا ندير واحد الكارو.

         أخرج سيجارة " نسيم" مدها إلي، فاعتذرت. وضعها بين شفتيه. قال بصوت مهموس لكنه مسموع :

- الدخان قتلني وما بغيتش نحشم عليه. أشعل السيجارة، ثم همس لي هذه المرة :

-         ما نكذبش عليك ، أنت حبيبي ، أنا غادي نطلق   " البوشيخية "

-         لماذا ؟

سألت مستغربا.

رد هامسا :

-         أخوها ربـّى اللحية ، وهاذ الجمعة طلع للجبل.

لم أساله ما ذنبها هي ، كل ما أذكره أنني أحسست بخوف رهيب ، هل عليها أم من نبرات صوته ، أم من هذا الغسق ؟ لا أعرف .

          لم أنم ليلتها ، و تساءلت أكثر من مرة لماذا أصر على أن يبيت معي في غرفة واحدة .

هل الهجر في الفراش إنذار مبكر بالطلاق ؟؟

     كان صوت وليدهما" الزواوي " يتناهى إلى أسماعنا طوال الليل ، لما أحسست بجلول هو الآخر لا زال مستيقظا ، قلت :

-   جلول رقدت ؟؟

-         ما جانيش النعاس .

-         نوض شوف ولدك ما له .

-         ما على باليش .

-         وهو واش دار ؟؟

-         ذنبه في رقبة خاله. تصبح على خير .

وأصبحت " بن عشبة " قاحلة وبلا طعم ، قررت أن أذهب إلى وهران  بعد أن عدلت عن زيارة خالتي في "فوبور دا كادير" في تلمسان ، فقد عاودني الحنين  إلى   Place d arme  و  frond de merوسيد الهواري وشوارع وهران الشابة: العربي بن مهيدي  والأمير عبد القادر وحتى إلى "بوعلام ديسكو ماكريب "ومائها المالح .

في وهران كان كل الوقت ملكا لي ، ربما لذلك هتفت إلى إلهام لكي نقضي اليوم معا. فعلنا أقصى ما يمكن أن يفعله إثنان في مدينة كوهران :

 صعدنا في العربات باتجاه سيدي عبد القادر ،

ودعتني للغذاء في" ليزاندلوس".

 وأخذنا صورا أمام سبع "لاميري".

 واقتنينا أشرطة الهاشمي كروابي والخزناجي من عند بوعلام ديسكو مغرب.

 واشتبكت أيدينا أمام "أوتيل تمكاد".

وسبحنا بأعيننا في خضرة كراسي مسرح الهواء الطلق .

.وجبنا المكتبات .

وشربنا الكازوز وماء سعيدة.

 وعلى الكورنيش ،وقفنا نتفرج على "كورتيج زفاف " ونأكل "لا كريم".

واقترحت أن نزور صديقة لها بجامعة السينية ، ولم أعارض.

وقبلتني في الشارع العام وشمخت.

وهران ...

مدينة يتسع صدرها لكل عشاق العالم ، تحضنهم جميعا وتبارك خطوات عشقهم .

وهران ...

مدينة مجبولة على الحب  ويضيق قلبها بكل حقد أو كراهية.

وهران ...

مدن في مدينة ، وذراعاها كان طبيعيا أن تزين بكل دمالج الكون، ورجلاها لم تثقلها خلاخيل ذلك التاريخ المؤلم وإنما حولتها إلى عروس عربية قحة تربض على تل مائي اسمه الأبيض المتوسط .

كثيرة هي المدن العربية المطلة على بحر.

وقليلة هي العرائس منهن .

و في " وهران " هاهو ذا قلبي  اليوم بارد القدمين ، شاخص العينين ينتظر مغسلا ومكفنا وصلاة جنازة.

كم كان مناضلا لو تدرين !!

لكن لا بأس ، فمن ناضلوا تحولوا إلى ذكرى .ومن اختطفوا تحولوا إلى قصائد نتزاحم بها في المهرجانات:

مازحا كان صديقي يردد:

 - الله يرحم عمر بن جلون ، كتبنا عليه قصيدة  وأكلنا بها المشوي والبسطيلة في المهرجان.

لاحظي ، ولو حتى هزلا ، أن من يناضل لن يكون في آخر المطاف غير وليمة، أو بطاقة دعوة لوليمة.

وصادق ذلك الشاعر المغربي الذي سئل لماذا صار الشعراء يأكلون في المهرجانات أكثر مما يقرؤون القصائد، فأجاب ساخرا ساخطا: لأن المشرفين على المهرجانات هم أصلا منظمو حفلات.

ألا أيها الشعر مهلا

فإن وهن العظم

لم تهن الكبرياء

هي الخيل تكبو

لكن أعناقها

تطاول دوما عنان السماء 1

 

 



1 - مقطع شعري للشاعر المغربي عبد الرفيع الجواهري .

 

(9) تعليقات


الشاعر عاشور فني - الجزائر

مختارات

(0) تعليقات


الشاعر محمد بنعمارة - المغرب

مختارات من ديوان في الرياح وفي السحابة

(0) تعليقات


الشاعر عبد الكريم قذيفة- الجزائر

مختارات

(0) تعليقات


الشاعر والقاص المهدي حاضي الحمياني - المغرب

مختارات من ديوان النشيد السري

(0) تعليقات


القاص والمسرحي غنام غنام- الأردن

قصص

(0) تعليقات


الشاعر محمد علي الرباوي - المغرب

مختارات من ديوان أول الغيث

(0) تعليقات


الشاعر جواد وادي - العراق

مختارات من ديوان رهبة المدارك

(0) تعليقات


الشاعر الطيب هلو- المغرب

إعراب
 اهواك فعل للأزمان جميعا
وانا الفاعل مستتر
صرت على عتات الواقع
مفعولا
انزف في صمت القتل وحيدا
كيف اكون الاعل
حين اكون المقتولا
 
قسمة
سبع هي السماوات
سبع هي الاراضي
وقلبي ثامن
فلنقتسمه بالتراضي
 
هدايا
لك القهو السوداء
والجريدة
لك الحب
والذكريات البعيدة
لك ما تشائين..لكن
لا تطلبي المساواة مع القصيدة

(0) تعليقات


ايقاعات ملونة: المتن والمنهج

إيقاعات ملونة

للباحث عبد السلام المساوي

المتن والمنهج

جمال بوطيب

1- حدود التشذيب

تتنوع مشهدية التبويب والتشذيب في كتاب  إيقاعات ملونة(1) للدكتورعبد السلام المساوي باعتباره اقتراحات نصية لمقاربة نصوص شعرية مغربية ، بين الإضاءة المحترزة ،والمدخل التنظيري ،والتأطير التجييلي ،والاشتغال التطبيقي .وتسعى الإضاءة إلى تحديد غائية التأليف وطبيعته ،ومنهج الاشتغال وحدوده ،وطبيعة المتن ودواعي اختياره ...فالكتاب  حسب مؤلفه هو" تجميع مشذب " لأهم القراءات النقدية التي أنجزها لجملة من " الدوواين الشعرية المغربية المعاصرة" ص 3.

يعرف – و يعترف - الشاعر والباحث عبد السلام المساوي بكون ما يمارسه وما يشذبه هو اشتغال نقدي بمفهومه العلمي القائم على أساس قراءة العمل الإبداعي قراءة منهجية ، وفق آليات تحليل واستنطاق نصيين – لا ينبغي أن ننسى أن المؤلف مشتغل أكاديميا  على  النص الشعري العربي والمغربي (2)– و  يحترز في اشتغاله النقدي بكون هذا الاشتغال  لايخلو من منهج ،  غير انه ( أي المنهج ) لا يتتبع صرامة قد تسقط العمل في فخ الإسقاطات المنهجية المربكة ،  والمتجاوزة لحدود النص ولذاتية الناقد المحمودة في غير قليل من الأحيان.

إن المؤلف ( بفتح اللام) ، باختصار ، هو اقتراح شخصي في المقاربة،  قد يكون مرده إلى الممارسة التطبيقية التي خبرها الباحث أكاديميا واكتشف عيوب ومزالق الالتزام الحرفي بتعاليمها، لذلك فالعبارة التجنيسية " دراسات نقدية " هي معادلة ( بكسر الدال) للقراءات في تعريف الكتاب ومتجاوزة (بكسر الزاي)  للادعاء  في معرض الحديث عن منهج الكتاب، فالكتاب " لا يدعي صرامة منهجية في القراءة ولا تناولا مدرسيا للقصائد، وإنما يقترح نموذجا شخصيا في المقاربة يلتقي فيه الدرس النقدي المرن ،  بالتذوق الشخصي لكاتب يحاول على مستوى التجربة الخاصة أن يزاوج بين كتابة الشعر وقراءة شعر زملائه" ص 3.

ان الأمر هاهنا  يتعلق باجتهاد شخصي من الناقد  عبد السلام المساوي إن على المستوى المنهجي  أو التصنيفي ،  أو التنظيري فيكون بذلك هيكل الكتاب خاضعا لمشترك متردد هو الشخصي:

 أ- المنهج :  شخصي : ولفظة شخصي هنا هي وصف للمنهج لا لطبيعته : : " يقترح نموذجا شخصيا في المقاربة " ص 3.

ب-المتن:  شخصي:  : مادام الأمر يتصل باختيارات خاصة "  إن من حق القارىء الكريم أن يطرح سؤال : ولماذا هذه الأسماء دون تلك؟ فأبادر إلى الجواب بأن الأمر يتصل باختيارات خاصة ، قادها الإعجاب بتجارب هؤلاء الشعراء الذين لا زال معظمهم يعيش فورة الشباب فيما أقلامهم تسابق غضاضة السن إلى مهر حيلتنا القافية.." ص 4

ج - التنظير : شخصي : الشاعر يعتمد ممارسته الكتابية لضبط التحديدات " ليس الشعر بحاجة إلى من يسميه ، بل بحاجة إلى من يقبض عليه ليتبناه في هيئته التي يكون عليها أو ليقضي وطره منه أو يتركه" ص 11.

ويمكن لهذه العناصر مجتمعة أن تظهر جليا في اشتغال الباحث  على  ثنائية الشعر والحداثة ، إذ بالتباس المفهومين ونزهما عن التعريفات الموحدة والصارمة وجد الشاعر / الناقد نفسه مضطرا إلى الاستهلال بما يمكن أن نعتبره بيانا تنظيريا مؤسسا على العناصر التالية :

1-     الحد:

 الشعر تمرد: الشعر شعر منذ تمرد أول إنسان على قوانين عشيرته إما  بتمديد الصوت أو بتبديل الأسماء أو بالصمت الاختياري" ص 5.

·         الشعرلغة: إعمال المعول " في دسم البلاغة حتى تخرج اللغة من اللغة " ص6.

·        الشعر إعادة تشكيل :" وان يعيد خلط البحور بكف النثر" ص 6.

·        الشعر دلالة:" الشعر بركان من المعاني" ص 6.

2-     الفروق:

-         بين الشعر واللغة الشعرية "  بين الشعر واللغة الشعرية فروق جوهرية تماما كما لو كنا نقارن بين الحدث وبين وصفه المكتوب.ولذلك يحتاج الشاعر الحداثي إلى اللغة والى اللالغة كي يضمن توثيق جزء مما يعتبر وجدانه وجسده من ضربات شعرية "  ص 8.

  -   الشعر والوعي النقدي " ...زاغ وعينا الشعري وهو يقرا النصوص الحديثة بمعدات مكتسبة سلفا من نصوص غريبة عنها ومن سقط ثقافات غير مسعفة وفي أحيان كثيرة بإسقاط قوالب لا تسع المفهوم إطلاقا " . ص9

  -   الشعر والادعاء " الحروب التي يخوضها الشعراء أوالنقاد اليوم وأشياعهم إنما من اجل المواقع وليس لفائدة الشعر" ص 9

-     الشعر والقمقم: انتصار القصيد " لقد كان خوفهم الأكبر من أن يضلوا عن التعريف إن هم فتحوا المجال لغير الوزن...الذين يحاربون قصيدة النثر إنما يذوذون عن حياض مواقعهم في السلطة وفي التفعيلة .ص 11

 يعتبر الباحث  المدخل والتأطير النظري معا شيئا واحدا و مشتركا-  وإن لم يبح بذلك- فلا نجد في الشعر والحداثة حديثا عن الشعر المغربي وتحولاته،  ومع ذلك نجد في الإضاءة إشارة تقول عن الدراسات متن الكتاب : " وهي قراءات مسبوقة بمدخل بسطت فيه جانبا من الأفكار التي حاولت الاقتراب من قضايا تهم مفهوم الشعر ، والتحولات التي شهدها الشعر المغربي في العقود الأخيرة " ص 3

إن القضايا التي تم تناولها كتاب إيقاعات ملونة تهم الشعر المغربي وأساسا تحولات النص الثمانيني والآفاق والعوائق ممثلة في منهج التسييج وبلاغة الكهنوت ، ويعتبر الناقد أن  تحديد الفضاء الزمني لا يخلو من مزالق مع رفضه المرحلة الشعرية :" هي في الحقيقة مراحل مختزلة زمنيا" ص 13

و يعود الباحث إلى تعريف الشعر: ه" و قبل كل شيء منهاج للقول الجميل القادر على تجميع أشياء العالم وأفكاره وفق صيرورة لغوية وذهنية تتتفس من زمن التدفق الحيوي لحظات الكثافة المجدية " ص13

إن إنسانية الشعر  وكونيته هما ما يعلن عنه المؤلف ( بكسر اللام) من خلال معجمه في التعريف : الكاهن، المؤمنين ، التعميد ، الموت ، الانبعاث...الخ  فيكتشف أن للأمر طغيانا دينيا لمختلف الديانات ( انظر نسبة كل لفظ  إلى الديانة التي ينتمي إليها) ويعلن أن مواصفات التعريف تنطبق على الشعر في كل بقاع العالم ،  غير أن هذا التعميم لن يكونا إلا مدخلا للبحث في خصوصية الدم الشعري المغربي ممثلة في :

1-     اتصال حلقاته.

2-     سلامته من عدوى البديع.

3-     إخلاصه للذات.

4-     تأثره بالمشهد الشعري الغربي أكثر من نظيره المشرقي..

5-     خصوصية المرجعية عند من اسماهم الشاعر بالثمانينيين.

إلا أن ما ينبغي التنبيه إليه هو أن اشتغال الشاعر بالتنظير والدفاع عن النص الثمانيني بالنسبة إلينا هو اشتغال عن جيل مؤسس للقصيدة ، وليس رائد لها ثم إن الأسماء الشعرية الواردة في القراءات هي مرتبطة بأجيال سابقة أو لاحقه عكس ما قد يتوهم القارئ من انتمائه إلى تجربة الثمانيين.

وهي في الواقع لا تضم إلا اسما أو اسمين ثمانيين بينما يتوزع الباقي بين جيل رائد وجيل موال للجيل المؤسس( 3).

إن الشاعر / والناقد - وهو المنتمي  إبداعيا إلى الثمانيين-  يعي غياب إنصاف تجربة هذا الجيل المزدوج المعاناة: فكما هو الحال بالنسبة إلى الشاعر عبد السلام المساوي فان شعراء هذا الجيل اضطلعوا بمهمة كتابة الشعر والكتابة عنه.كتبوا الشعر وكتبوا عن التسعينيين وعن السبعينيين .ولم يتم إنصافهم لا من سابقيهم ولا من لاحقيهم.

و تتمثل فطنة الاشتغال وذكاء الباحث أساسا في هذا الاختيار: التنبيه إلى التجربة الثمانينية ، والاشتغال على تجارب أخرى من غير هذا الجيل " وإذا كانت النماذج النصية السابقة عليه تركب مطية الأساطير الجاهزة ركوبا متعثرا في غالب الأحيان فقد كان على النص الثمانيني أن يخلق إطارا جماليا خارج المتخيل الموطء، وذلك بواسطة إيجاد أساطيره الخاصة التي ينتمي أبطالها الخارق و إلى المعيش اليومي دون ان يفتقدوا الى العجائبية التي وسمت مواقف الأبطال الميثولوجيين وأفعالهم.فليس شرطا ان يكبر المعنى ويتضخم إلا إذا تدخلت الآلهة وأنصافها في حياة البشر على النحو الذي نقرؤه في كتب الأساطير القديمة" ص 17.

وهو يعتبر ان  اهم تجليات التجربة الثمانينية تتمثل في :

-         النص الشعري ليس شارة احتجاج...بل هو الشكل الأخير الذي تسفر عنه مواجهة الذات للعالم باللغة المنفتحة على تعددها.

-         مرجعية الثمانينيين تتكون أساسا من رصيد المقروء الغربي إبداعا وفكرا..وبتوجيه من النماذج الشعرية ( ادونيس ، البياتي ، سعدي يوسف،  درويش )

-         الوظيفة الشعرية أصبحت هاجسا عند الشعراء.

-         التطويح بالوزن جزئيا او كليا باعتباره المكون الرئيس في الشعر المغربي الستيني والسبعيني.

-         استثمار التراث بوعي مختلف وبطرائق ممعنة في جعله مستجيبا للمستجدات.

-          القصدية الإبداعية باعتبارها وعيا نصيا بالمكتوب.

إن  انتباه الباحث إلى ضرورة مراجعة مقولات التصنيف والتجييل والتحقيب يعطي لما ذهبنا إليه مشروعيته ، يستطرد منبها " وما نقوله هنا عن النصوص الثمانينية لا يعني التعميم والتعويم لأن ثمة نصوصا أخرى تظل منضبطة لتعاليم القواعد السالفة ، وان كانت تنتسب في تاريخيتها إلى عقد الثمانينيات.إن المعيار لا بد أن يستند إلى رؤية نقدية شمولية تضع في اعتبارها قضية تداخل أزمنة شعرية في مرحلة زمنية واحدة. وربما يكمن هنا سر المغالطات التي تنطوي عليها فكرة التجييل والتحقيب" ص 19

و تتجلى ميزة الكتاب الأساس في توازن أحكامه ورؤاه، وعدم ميل مؤلفه إلى التعميم ام ومصادرة حق الآخر في الاختلاف فلا يجعل للنص الثمانيني فضلا ليس له ولا يفرط في حق للنص الثمانيني وينسبه إلى غيره . يقول متحدثا ومحدثا بهذا التوازن " إننا ونحن نرصد تحولات النص الثمانيني لا نعني سيادة النمط الواحد لدى كل الأسماء، كما لا نصادر على التحولات التي عرفتها نصوص الشعراء السابقين عليهم ممن ظهرت أسماؤهم في ساحة التداول الشعرية في المغرب إبان عقدي الستينات والسبعينات لأن من هؤلاء من أدركه إعصار التحول فقرر  شن القطيعة مع التجربة السابقة التي فرضها منطق التوجه الايديولوجي لينخرط في تجربة أخرى تستجيب للوعي الجمالي الجديد. وربما فاق بعضهم في تلك النماذج التي  يكتبها الثمانينون.من يقرأ نصوص الشعراء: محمد السرغيني ومحمد بنطلحة ومحمد بنيس والمهدي اخريف ورشيد المومني واحمد بلبداوي وغيرهم سيعرف أن نصوصهم الحالية أكثر جدة وانفتاحا على أفق شعري مختلف من نصوص بعض الشعراء المنتمين بالفعل إلى  أفق الثمانينيات" ص 20.

2- ملامح التشذيب

يشتغل الدكتور عبد السلام المساوي نصيا على كتابات مختلفة تمتد من  الريادة والتأسيس إلى الكتابات الجديدة وإذا كان لهذا الاختيار ما يبرره حسب المؤلف فان منهج الاشتغال اختلف أولا على مستوى المتن المدروس عند هذا الشاعر أو ذاك وعلى مستوى منهج الاشتغال فبين الاشتغال على قصيدة والاشتغال على ديوان تناول المؤلف بالدرس نصوص : محمد السرغيني محمد بنطلحة محمد بنيس وداد بنموسى نجيب خداري محمد بودويك ياسين عدنان عبده بوزبع بوجمعة العوفي محمد بشكار وعبد الدين حمروش ( )

ويمكن تصنيف هذه الأسماء وفق:

طبيعة الاشتغال الابداعي: ونقصد به أن الأثر المزدوج لهدا الشاعر أو ذاك يظهر نصيا في كتاباته، ويسمح لنا بالتصنيف الموالي :

- أسماء مشتغل بالشعر كتابة  والدراسة النقدية الأكاديمية : محمد السرغيني  و محمد بنيس و محمد بودويك و عبد الدين حمروشحمروش.

- أسماء تشتغل بالشعر والدرس الشعريالأكاديمي : محمد السرغيني و محمد بنيس و محمد بنطلحة.

- أسماء تشتغل بالكتابة الشعرية والكتابة  الصحفية عن تجارب مماثلة: محمد بودويك و بوجمعة العوفي  و محمد بشكار و عبد الدين حمروش.

اما على مستوى طبيعة المنتج النصي  فإن جل النصوص المشتغل عليها صادرة في التسعينيات وبعضها يمتد حتى سنة 2005 ماعدا نصوص بنيس الصادرة في الثمانينيات.

منهج الاشتغال

يمتطي الناقد في دراسة لمحمد السر غيني بعنوان ايقاعات ملونة - وهي الدراسة التي يحمل الكتاب عنوانها -  صهوة منهج نصي مرن استعان بالبنية الضميرية والفعلية  والتركيب الصوتي (كما في تسمية الوصيفات) ومكون الإيقاع( المتدارك) لملاحقة خلق الدلالة و طبيعة التكامل بين الشعر والتشكيل . وقد سمح له هذا الاشتغال بالانتباه إلى قيامها على التوازي مضمرا اشتغالا منهجيا ذكيا لخصته الفقرة التالية: " أن عمل الشاعر وهو يرهن المعنى بالإيقاع لشبيه بعمل الرسام وهو يسفح تلاوينه وفق ضربات الفرشاة فوق سطح الورق آو القماش فيصبح بالإمكان الحديث عن عروض اللوحة لكن بالعين السامعة كما أن التشكيل الكتابي للقصيدة فوق الصفحة الورقية بالشكل الملمح إليه سابقا وكما يتجلى في غالب الأحيان عند محمد السرغيني يسهم بقوة في تكثيف إيقاع القصيدة وجعل موسيقاها – لحظة إنشادها – مستمرة غير متقطعة لغياب البياض الذي يحيط عادة بالنصوص الشعرية المعاصرة...وهكذا فقصيدة وصيفات سلفادور دالي تنقسم إلى زمنين إيقاعيين،وإن كانت تسير من  بدايتها إلى نهايتها على الوزن ذاته( بحر المتدارك)" ص 33

أما بالنسبة إلى  الشاعر محمد بنيس: فيمكن اعتبار الاشتغال على نصه " ورقة البهاء"  مكملا للاشتغال على نص الشاعر محمد السرغيني " وصيفات سلفادور دالي " ، فمن المزاوجة والتوازي إلى التشكيل الهندسي والتمظهر الخطي للنص على الصفحة. وقد حدد الناقد اختياره المنهجي في اختيار الاشتغال على التشكيل المكاني وربطه بالدلالة ، أي الاشتغال على الخارج نصي مظهريا وليس إنتاجيا(احالة) وربطه بما هو نصي وهو ما يؤكد وفاء الباحث لمنهج الاشتغال النصي:" سنتتبع قضية التشكيل المكاني محاولين ربط ذلك بالدلالة العامة التي يوحي بها لان العين تقرا دلالة النص في تشكيله المكاني داخل الصفحة قبل أن يقراها الفهم في سياق الدلالة" ص 36

و لا يخفي الشاع/ الناقد  - في دراسته لديوان محمد بنطلحة- إعجابه بالشاعر وبتجربته ،ويقترح قراءة محايثة لنصوصه " إن أي قراءة مفترضة لشعر محمد بنطلحة ينبغي أن تكون قراءة محايثة : أي عليها أن تحتصن بلغة إبداعية تجاوز مناطق الجمال والعمق في التجربة المقروءة..والسبب أن الشاعر عندما احتار الانتساب إلى عالم الشعر فإنه ظفر بسره الرهيب، ولذلك غادر القطيع الإيديولوجي منذ البداية وخط لنفسه مسارا خاصا يستوعب أسرار الفن الشعري الذي يربأ بنفسه أن يكون تابعا"ص 43

اما في حالة الشاعر محمد بودويك مثلا فيشير الباحث إلى أن التجربة سبعينية وقد تأخر تاريخ صدروها حتى التسعينيات مع افتراضات توثيقية لنصوص لم يؤرخ لها صاحب الديوان لاسيما قصيدة جراح دلمون المعنون بها الديوان وقصيدة العودة إلى السطر وانطلاقا من مجموعة من الأسئلة يحاول الباحث أن يقترح منهجا تحليليا يعلله قائلا :"  إن الإجابة عن هذه الأسئلة تستوجب القيام بتحليل مشرحي للنصوص ينطلق من الوصف وينتهي إلى التأويل ومن تمحيص الأوليات إلى فرز الدلالات والأبعاد..ولكن شيئا من هذا لن ندعيه في عجالة كهذه وسنكتفي بإبراز بعض السمات اللغوية التي ميزت الديوان" جراح دلمون تاركين المجال لذوي الاختصاص ليغوصوا عميقا في تحليل هذا الخطاب الشعري الذي يؤكد الصدق الفني لدى الشاعر محمد بودويك" ص 53-54

وعلى النهج نفسه يسير  الناقد في مختلف قراءاته ، وذلك  إما باختيار مفهوم للاشتغال أو بإعلان محور للتناول وقد جاءت باقي صيغ التناول كما يلي:

- محمد عبده بوزبع: خصيصة التشظي.

- بوجمعة العوفي : شعرية البياض.

- وداد بنموسى: البناء والتخييل والتكرار .

- نجيب خداري: الجانب الشكلي في تصنيف النصوص.

- محمد بشكار: البنية النصية من خلال  العنونة  ولاستهلال و التسمية الغموض...الخ.

- ياسين عدنان: شعرية المتخيل وشعرية المعيش.

- عبد الدين حمروش: المعجم والدلالة.

وبذلك يكون الشاعر قد اختار في تقديرنا منهجا واحدا هو المنهج النصي القائم على التطبيقات النصية للآليات التشريحية ، غير انه وزع هذا المنهج على مختلف أقسام الكتاب. لقد انطلق من النظري  لاسيما التحديد المفهومي لمصطلح شعر لينتقل إلى مشتقاته ويشتغل عليها في مناسبات مختلفة( بوجمعة العوفي ، وياسين عدنان)  لينتقل الى التخييل عند ياسين عدنان ووداد بنموسى والى البناء عند وداد بنموسى  ومحمد بشكار والجانب المعجمي والدلالي عند  عبد الدين حمروش ثم الجانب اللغوي عند محمد بودويك والصوتي والإيقاعي والتشكيلي  عند محمد بنيس  و محمد السرغيني والشكلي عند نجيب خداري ومحمد عبده بوزبع والمحايثة عند  محمد بنطلحة إلى آخره.

وإذا كانت هذه النصوص تتفاوت قيمة ووزنا من جهة و في خضوعها لهذا المنهج المرن  أو استعصائها عليه من جهة ثانية فإن عذر الباحث في ذلك هو اختياره الذي حدده في مستهل كتابه مادام الأمر يتعلق عنده باختيارات شخصية عبر عنها الشاعر والباحث الدكتور عبد السلام المساوي قائلا إنه على مستوى التجربة الخاصة" يزاوج بين كتابة الشعر وقراءة شعر زملائه"(4)

 

الهوامش:

 

(1)   عبد السلام المساوي: إيقاعات ملونة ، قراءات في الشعر المغربي المعاصر، دراسات نقدية، منشورات مابعد الحداثة، فاس 2005.

(2)   اشتغل الشاعر أكاديميا على الشعر العربي من خلال رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا  ، صدرت في ما بعد عن اتحاد الكتاب العرب بسوريا بعنوان " البنيات الدالة في شعر أمل دنقل " وأطروحة لنيل دكتوراه الدولة في موضوع       " الموت في الشعر العربي المعاصر".

(3)   الشعراء الذين يتناولهم الكتاب بالنقد  يتنوعون بين: جيل رائد وجيل مؤسس وجيل موال: أي ان الجيل الرائد كتب في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات أو في منتصف السبعينيات  ونشر نصوصه في الستينيات والسبغينيات وتاخر بعضهم حتى الثمانينيات أو التسعينيات:

محمد بنيس نشر ديوانه الأول ما قبل الكلام سنة 1969 و الثاني سنة 1972 والثالث 1974 والرابع 1979 .

·        محمد السرغيني نشر ديوانه الأول في 1987 ويكون إحراق أسمائه الاتية

·         محمد بنطلحة نشر ديوانه الأول في 1989 نشيد البجع.

·        محمد بودويك نشر ديوانه الأول في 1997 جراح دلمون

والجيل المؤسس بدا الكتابة في الثمانينيات ونشر نصوصه في الثمانينيات وهو الجيل الذي لا يتحدث عنه الكتاب ومن شعرائه:عبد السلام المساوي، ثريا ماجدولين حسن نجمي صلاح بوسريف عبد القادر لقاح  الزبير الخياط،محمد بوجبيري عبد الحميد اجماهيري ،حسن مرصو،عيسى لقاح ا،جواد العمراني، إدريس عيسى،  عبد الناصر لقاح،

والجيل الموالي للجيل المؤسس كتب القصيدة في نهاية الثمانينيات ونشرها في بداية التسعينيات: عبد الدين حمروش وياسين عدنان ...الخ والتحق بهم من كتب القصيدة في النصف الثاني من التسعينيات ونشرها في بداية الألفية الثالثة مثل بوجمعة العوفي ووداد بنموسى ...الخ

(4) الدواوين التي اشتغل عليها الباحث عبد السلام المساوي هي:

-محمد السرغيني: من فعل هذا بجماجمكم، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، ظهر المهراز، فاس 1994.

- محمد بنيس: ورقة البهاء، دار توبقال للطباعة والنشر، البيضاء 1988.

- محمد بنطلحة، بعكس الماء ، فضاءات مستقبلية، البيضاء 2000.

- محمد بودويك: جراح دلمون. البوكيلي للطباعة والنشر،1997.

- محمد عبده  بوزوبع ، حفريات في الصمت والحجر.مؤسسة بنشرة لبيضاء 1989

- وداد بنموسى ، لي جذر في الهواء، منشورات وزارة الثقافة، الرباط 2001.

-بوجمعة العوفي ، أصدقاء يغادرون حنجرتي، منشورات وزارة الثقافة،سلسلة الكتاب الأول الرباط 2002.

- نجيب خداري، يد لا تسمعني،، دار الثقافة البيضاء،  2005.

-محمد بشكار، ملائكة في مصحة الجحيم، سلسلة إبداعات،شراع 1999.

-ياسين عدنان، رصيف القيامة، منشورات دار المدى، دمشق 2003.

-عبد الدين حمروش، وردة النار،، منشورات اتحاد كتاب المغرب 1992.

 

 

(0) تعليقات


سوق النساء أو ص.ب 26 سعي دائب لتمثل الذات والهوية

سوق النساء أو ص.ب26:

سعي دائب لتمثل الهوية والواقع



 

إبراهيم الكراوي

صدر للقاص والباحث المغربى جمال بوطيب الرواية الأولى "سوق النساء أو صندوق البريد" وهى رواية تتوج مسارا سرديا طويلا ومميزا فى حقل الكتابة القصصية. فهو من أبرز الكتاب الذين يؤثثون المشهد القصصى الجديد بالمغرب، ومن الذين يشتغلون على خطاب الحداثة السردية ممارسة وتنظيرا.

وهذا ما يتضح إذا تأملنا مجموعاته القصصيية الأربع خاصة مجموعتى "برتقالة للزواج، برتقالة للطلاق"و "مقام الإرتجاف" بآعتبارهما أهم الأعمال التى ترسخ لكتابة جديدة فى القصة فى المغرب، دون أن نغفل الإشارة إلى أهمية الأبحاث النقدية التى أنجزها الباحث وآخرها" الجسد السردي" وهى مجموعة دراسات فى السرد العربى القديم من منظور جديد.

أما بالنسبة للإصدار الجديد والذى نحن بصدد قراءته ،فإنه نص روائي، يدعونا من خلاله الكاتب جمال بوطيب إلى زيارة "سوق النساء"، باعتباره أحد عينات الأمكنة الغنية بالمدلولات والوقائع، بدءا بفواكه الجسد وآمتداداته، ومرورا بألغام العشق وغواياته.إنه آحتفاء بالذاكرة وأمكنة عربية متنوعة، وتأمل شفاف فى واقعنا العربى من خلال آشتغال فريد على اللغة وبنياتها الدالة، وأخيرا الأهم فى هذا العمل هو اشتغاله على خطاب الحداثة، من خلال البحث عن أنساق وبنيات خطابية جديدة وهو ما سيجده القارئ إضافة جديدة لمسار الرواية العربية. وبالفعل فإن رواية "سوق النساء"تنخرط فى سياق السيرورة المميزةالتى يعرفها الإنتاج الروائى العربى ،وما يطرحه من أسئلة تخص خطاب الحداثة وجمالية الكتابة الجديدة ،وتمثلات الهوية والواقع، كما هو الأمر بالنسبة لكتاب أمثال:إلياس خوري، سليم بركات، محمد عبد الرحمان التازي، يوسف المحيميد، نبيل سليمان أحمد التوفيق، جمال الغيطاني، الميلودى شغموم،إ دوار الخراط...بل إن النص الذى نعكف على قراءته سيساءل حدود خطاب الحداثة نفسه، ومختلف تشعباته وأبعاده سواء من خلال تجاوز الكتابة السردية المغرقة فى التقنيات والبلاغات الخطابية، أو عبر العودة إلى الإحتفاء بالحكاية باعتبارها سبرا لأغوار الذوات وعلائقها بالعالم .هكذا تحفر رواية "سوق النساء "فى عمق الذاكرة والتى تمثل حسب أحد الشخصيات داخل النص "مفخرة السارد".

وهذا ما يؤشر عليه العنوان باعتباره علامة تحيل على نسق ثقافى من الذاكرة التراثية الثقافية المغربية عالم ديوا ن سيدى عبد الرحمان المجدوب.إنه نسق يحضر كتضعيف للمعنى النصى داخل حكاية العشق، وتكسير لأحادية الصوت. وهذا مايتضح من خلال العلائق الإشكالية التى ينسجها المتكلم فى الرواية -على تنوع ضمائره- مع العالم، وخاصة المحكى الأصل الذى هومأساة الوجود الإنسانى الموسوم بثنائية الإتصال والإنفصال مع الذوات من جهة وبين الذات العاشقة والمعشوقة من جهة أخري، متمثلة فى النص من خلال مأساة علاقة عبد الرحيم دباشى ولبانة الربيعى والتى تكشف عن تشكلات "السيرورة" داخل الحياة والواقع الإنسانيين، والزيف الذى يميز هذا الواقع نفسه. هكذا نجد السارد يضعنا فجأة منذ البداية فى إطار هده السيرورة، من خلال الإخبار عن فعل الإنفصال بين العاشق والمعشوق.

فالنص يستهل يوضع فخاخ خطاب الإستهلال الذى يروم الإيقاع بحواس القارئ، واستمالته إلى فضاء الحكى من خلال عملية بناء آستراتيجية للفضاء أولا، ثم لخطاطة التواصل بين مرسل الخطاب والمتلقي. وهذه الخطاطة تتخد أبعادا متشعبة بآعتبارها خطابا مستقلا ودالا داخل أنساق الخطاب الروائي. فهى إما أنها تقبض على شعرية السرد وبالتالى البعد الجمالى التى تستميل حواس القارئ وتغويه، وهى نفسها الوظيفة التى يضطلع بها المطلع فى القصيدة الجاهلية حين يستهل الشاعر قصيدته بمقدمة طللية أو غزلية مما يجعلنا نقع فى غواية هده الانثى النص، ويمكن أن نسميها هنا وظيفة شعرية. ويلاحظ فى هذا الإطار أن السارد ينتقل من فعل سرد المحكى إلى فعل سرد واستحضار فعل الكتابة نفسه: "كانت أوراق كناش" الكاطافلام "ساطعة الغرة، بيضاء عذراء لم تتسلل إليها بعد يد خبيثة تلوث ظهرها وتعبث بملائكيتها...

فالورقة بيضاء حرث للقلم يوتيه أنى شاء وفى هذا إشارة إلى الكتابة باعتبارها لذة وغواية. وقد تكون لهدا الخطاب وظيفة تأثيرية تروم استمالة المتلقى من خلال نقد الذات ،أو وظيفة السخرية التى تثير بدورهاالمتلقي: "وهل بإمكان المكتوب أن يكون شيئا آخر غير مأساة يتلهى بها أولئك المرضى بداء إسمه القراءة" .

فالسارد إذن يضعنا داخل إطار علاقة معادلة العشق منذ البداية، وهى علاقة تمثل نسقا دالا داخل روائية النص، إنها سيرورة تتمظهر من خلال فعل الحكى باعتباره شفاء لمافى الصدور "قصتى معك لا بد أن تقرأ، بقراءتها أشفى وأشفي، فلا طبيب يملك علاجا لجثة تعشق قاتلها، أووصفة لموثق يفخر بأن يد موثقه قد حنت عليه ،فأوثقته" ص 8 . وهنا تنبجس معادلة حكاية العشق الجديدة، كما تتبلور فى خطاب الحداثة ،تتقابل مع المعادلة التراثية للعشق فى كتاب الليالي، فالسارد الذى يروى من داخل الحكاية يحكى لكى يشفى ويشفي، ليؤجل فعل الموت تماما كما فى الليالى مع شهرزاد. لكن هنا فى خطاب الحداثة يتلون التأجيل بأبعاد وتلوينات جديدة ومغايرة، هذا مانلمسه من خلا ل محاولة السارد إقحام المتلقى فى الحكى باعتبار أن الحكاية جزء من كيانه عليه أن يستردها هنا ،يعيد نبض الذاكرة وبالتالى لا يؤجل فعل الموت فقط بل يلغيه ليشفي. يستمرالسارد فى الحكى إذن، ويربط ميثاقا خاصا مع القارئ.

إنه ميثاق تواطؤ يتشكل فى خطاب الحداثة، فالسارد هنا ديموقراطى بما أنه سيفسح المجال للقارئ للمشاركة فى إعادة إنتاج النص، بل إن غياب الفصلين الرابع والسادس يؤشران على أن السارد يرغب فى قارئ خاص فاعل ،القارئ الذى سيحكى حكايته من خلال الفصلين الغائبين، والأهم هنا هو أن مطمح السارد قد تحقق أخيرا "المهم قصتى معك لا بد أن تخلد" وكتابتها هنا مؤشر خلودها، وآستمرارها فى الحياة والذاكرة وبالتالى تستمر الحياة بالنسبة للسارد وكذالك المؤلف. تأسيسا على ما سبق ،سيتكشف لنا مفهوم خاص داخل خطاب الحداثة فى إطار قراءة هده التجربة ،يتعلق الأمر بمفهوم الأصالة السردية . فالنص لا ينغمس فى الكتابة التقنية التى تطمس معلم جمالية التلقي، والأساق الخطابية التى تستمر هنا تبررها الوسيلة وليس العكس.

ويمكن أن يتمظهر ذلك من خلال مستووين: المستوى الأول يعكس معادلة خاصة على مستوى خطاب الحداثة من خلال معادلة الحكى الذى يتناوب عليه ساردين ،إنها حوارية بين صوتين دواتين، كل واحدة امتداد لعلاقات الإختلاف والإئتلاف ،الذات العاشقة والمعشوقة على الركح يتراشقان بأضواء لغات بألوان مختلفة، مشحونة بالأفكار. فخطاب السارد هنا غير بريء ،تنكسر داخله نوايا المؤلف وأفكار وطموحات ومشاعر الآخرين. خطاب يمثل نسقا دالا من بين أنساق أخرى داخل الخطاب المتشكل. إلى أن تنقلب المعادلة أخيرا ويصبح العاشق معشوقا والمعشوق عاشقا،وإلى أن يكشف السارد عن رؤية خاصة لمسار هذا العشق داخل الحياة ويكشف عن زيف ومأساوية الواقع.

إنها السيرورة الوجودية التى تؤسس لثنائية الحياة، فالعشق فى النص هو عشق الكتابة وعشق العالم والأمكنة هذا مايتجلى من خلال رحلة السارد بين مدن عربية متعددة: تازة، فاس، وهران، البتراء، تونس، وهران، مدينة مجهولة على الحب ويضيق قلبها بكل حقد وكراهية. مدن فى مدينة. وذراعاها كان طبيعيا أن تزين بكل دماليج الكون. ورجلاها لم تثقلهما خلاخيل ذلك التاريخ المؤلم وإنما حولتها إلى عروس عربية قحة تربض على تل مائى إسمه الأبيض المتوسط.إنه أيضا عشق وتماه مع الذوات. فاللغة أشبه بطبقات جيولوجية من خلالها يحفر السارد فى الذوات والذاكرة:
أما وجل أنا بعدك سيدتى
أنفجرغشت غشنى
وبانطفاءك رشنى ....
أما أعدك وأنت تقاومين وحشة القبر أن ألم أشلائى وأعود إليك..
أما ليس فى مقدور أنثى غيرك أن تحس هول الفقد الذى يلفنى غيرك
أما ضمينى إليك، أو عودى
سأنتظر جوابا، وسلاحى ما تبقى من جرعات صبر توشك على النفاد ص 32

تكشف هذه المقاطع عن اشتغال خاص على اللغة من خلال تعدديتها، وذلك بآعتبار أن العالم نفسه واقع متعدد، يحمل مجموعة من الأنساق الدالة. وكل نسق لغوى يحمل سياقه الخاص كما يتجلى من آخلال آستثمار اللغة الموسومة بالإنزياحات والتوازيات.

هكذا يسافر بنا سارد سوق ابنساء عبر الأجناس واللغات،فهنا كشف لعوالم وخبايا اللغة الشعرية. .إنه كشف لمدلول مضاعف من خلال خطاب العشق ، يجعلنا نقرأه لا على ضوء علاقة أحادية ومركزية، هى علاقة العاشق عبد الرحيم بالمعشوق لبانة ،بل آنطلاقا من علاقة الذات، الإنسان بالعالم وهى علاقة عشق وتماه.وحين تتمازج الدوات تتمازج اللغات المنضدة فى نسيج يشكل النص، وتتمظهر من خلاله لوحة فنية من فسيفساء اللغات كما هو الأمر بالنسبة للوحة الغلاف دات الأسلوب السوريالى والتى تعكس تشضى الذوات والتى تحاول أن تولد من وموز الأشياء والأمكنة، شظايا تحاول أن تقبض على حلم الوجود المنفلت مثلما اللغات المتنوعة تتجاور محاولة أن تمنح الوجود الإنسانى معنى بل معان. فكل لغة تحمل آثار معنى تتشاكل مع اللغة الأخرى ، وتدخل فى علاقة آئتلاف وآختلاف، تبلور من خلال دالك رؤية خاصة للعالم.

وهذا ما يتجلى إدا تأملنا بنيات تستدعى لغة المثل وهو ما يكشف عن خطاب السارد المشحون بالرؤى والنواياوالأفكار: "كان صديقى الشاعر يحكى عن جراحه التى لازمته بعد تجربة سياسية مجهضة لرئيس لجماعة قروية الناس فيها: ياكلو ف جنان اليهودى ويلعنو مولاه" اليسارى أصبح يمينيا والجبان تشجع، فزمن الهراوة ولى واللى كان زام فمه ليس خوفا من الذباب بل لأنه كان فعلا دبابة، صارسبعا ... إنها بنيات تلفضية تعكس تحولات داخل الواقع مؤشرة إلى مرحلة خاصة ،متجلية فى شكل لوحة تشكيلية من اللغات تمظهر تشضى الذوات ،والزيف الدى يسم الواقع .وهدا التشضى والدمار الدى يلحق الدات فى علاقتها بالعالم ينعكس جليا من خلال بنينة الخطاب.

هكدا نلفى تدمير البنية التى تخضع للتسلسل المنطقى الداخلى للنص .فالنص يتشكل من ثمانية فصول ،ويبدأ بالفصل العاشر"رأس الخيط" يليه الثامن"خيط الرأس" فالأول، الخامس، السابع، الثالث، الثانى فالتاسع،ويلاحظ هنا غياب الفصلين الرابع والسادس.وهذا التوزيع الذى يخضع للامنطق الداخلى ليس مجانيا بل تحكمه مقصدية تتجلى من خلال إعادة إنتاج النص عبر فعل القراءة.أما بنية الخاتمة فهى توقع للانهاية ،وهو مؤشر على الإنفتاح النصى الذى يميز نصوص خطاب الحداثة.وبالخصوص الملفوظ الأخير المؤشر عليه ب "تنبيه من السارد:

"لقد همست فى أدنى ،وأنا أودعهما آخر مرة،فى مقهى "فونتانيلا":
-تمنيت لو أن رسالتك التى وصلتنى كتبت بأحرف الشرايين أو بلغة القلب.
أدركت خوفي. نظرت إلى بغنج وقالت:
- سأنتظر أبطأ الدلاء أكثرها فيضا.تنبيه من السارد. المرجو عدم التعجل بإصدار أى حكم، أوإبداء أى تعاطف مع عبد الرحيم دباشى أو لبانة الربيعى قبل قراءة الفصلين الرابع والسادس. هكدا تنفتح القرءة على تأويلات وقراءات متنوعة من خلال بناء خطاب المحتمل، الخطاب الدى يقوم على علاقات الإئتلاف والإختلاف بين لغات متعددة تشنغل وفق تنظيم وأنساق سردية تتشكل آنطلاقا من علاقة الدات بالعالم.

 

(1) تعليقات


<<الصفحة الرئيسية










دفتر الزوار


الأشياء المكتوبة وحدها تقاوم النسيان
انت الزائر



كلما دوت في أذني طبول حرب .طلع علي فارس ملثم اسمه: لبانة