رهان الخسران الجميل
قراءة في المجموعة القصصية :
(( برتقالة للزواج …برتقالة للطلاق )) للقاص جمال بو طيب
بقلم: عبد النبي دشين
إن الإحساس بعنف المكان دفع إلى انفتاح الذات نحو أعماقها لاستبطان عوالم أكثر رحابة وصدقا، وإن الارتداد على هذا المستوى يسوغ الالتجاء إلى البنيات الدائرية المغلقة على مستوى الحكي أيضا .
(( العالم هو خيالي أنا )) شوبنهاور
ارتكازا على هذا القول، يمكن الولوج إلى عالم المجموعة القصصية التي صارت فيها الذات الساردة مرصدا للإحساس والوعي بالعالم عبر إعادة نسج علاقات جديدة، تؤشر على أن نمط الوعي السائد بالواقع يشوبه خلل ما. إنها تجربة تراهن على خرق اليقين والدفع بكل الأشياء إلى محك محايد يضمن الانتهاء إلى مساءلة كل شيء وعدم الارتكان إلى المسلمات الجاهزة والبدهيات المعلبة .
فقصص المجموعة تنطبع بنفحة اللايقين حيث الجري وراء سراب يفضي إلى الخواء والهباء، مما أتاح إمكانية التعدد في العوالم التخييلية، وعليه فالصوغ الحكائي في المجموعة يشي بالتحرر من إسار القوالب الجاهزة، إذ إن المجموعة لا تتجه في انبنائها اتجاها متماسكا، إنها تبلور بذلك مجال الكتابة الشذرية ذات السمة الإيحائية والمكسرة للخطية، وهذا ما يسوغ حضور العناوين الفرعية, والتقطيع الطباعي الذي يحدد مجال التمايز بين الصمت والكلام . بين طول الجملة وقصرها، وإلى ذلك يعزى التنوع الواضح على مستوى المتواليات السردية في كل قصة من قصص المجموعة يشتغل الصمت في المجموعة. بكل تجلياته بشكل مثير سواء من حيث النفس اللغوي الذي انطبعت به النصوص عبر الاقتصاد في اللغة وإقامة الحواجز من خلال علامات الترقيم، ونقط الحذف والبياضات، أو عبر حضوره كمكون مباشر لاسيما في نص المقبرة الذي جعل من الصمت خلفية لانبنائه لدرجة يمكن الإقرار معها بأنه الشخصية المركزية في النص. فانطلاقا من العنوان يتشظى هذا المكون، لما توحي به المقبرة من دلالات وابدالات لغوية لهذا المفهوم. إنها فضاء الصمت بامتياز ومعها يصير رديفا للموت, من الجملة الأولى نواجه بالصمت: ً... توقفت حركة الزمن لتعلن عن صمت رهيب ً . (1) أول ما يثير في هذه الجملة أنها تبدأ بنقط حذف مما يحيل على مسكوت عنه محذوف، جاء فعل توقف ليعلن نهاية أحداث وكلام سابق عما يرويه النص فيصير هذا الأخير تجليا لصمت سابق وتصدية له.
إن الصمت في النصوص يعكس في أحد تجلياته حالة الفقد والحرمان, فقد/ المرأة، بما هي منفى الذات المكلومة والمنهارة أمام اختيارات واقع يقهر كل ما هو حميم: ً بكيت كثيرا، رغم رأسي التي تؤلمني بكيت، لم أكن أصدق أني افتقدتها إلى الأبد ً (2)
إن هذه الحالة قد وسمت النصوص بنفس نوستالجي، يطفح بانسلال اللحظات الجميلة وانسيابها وفق إيقاع مشوب بحنين جارف ليلعب فعل التذكر دورا في الاستعادات المتكررة وأحيانا الخائبة التي لا تعمل إلا على تعميق الجراح. ً كانت دائما تذكرني بزواجنا وبالمستقبل وبالطفل الموعود الذي سيحقق أحلامي وأحلامها ً. (3) أو استغوار الذاكرة للنفاذ، إلى المناطق الظليلة حيث مرتع، الطفولة ً فاكتشفت متأخرا كم كان يخادعنا الكتاب الصغير بعباراته المغرية: ً يا اخوتي جاء المطر
هيا اجلسوا تحت الشجر ً. (4) يساهم المطر في قتامة المشهد, وشحن الجو الرمادي الذي يغلف الأشياء والناس، موظفا في بعدين متوازيين، فإلى جانب تطعيم المناخ الرومانسي, يعمل على تحديد رؤية الشخصيات لذواتها وللعالم من حولها، فتغدو رؤية كابية تنطبع على كل ما تقع عليه العين بل حتى العلاقة بالقصة في نظر القاص لم تنجو من هذه الرؤية السوداوية : ً أهو سر سأفشيه حين أقول لكم أن كل ما يربطني بالقصة هو لقاء شتوي قاس في غابة صقيع قاس ً. (5)
لعل ما يثير استحضار القاص لصور المطر هو تكرار تلك التي تحظر فيها المرأة مما يدفع إلى ربط هذا المشهد بحالة البحث عن الدفء في بعدية المادي والرمزي، لأن لا شيء يمكننا من مقاومة صقيع الحياة إلا وجود علاقة حب تدفئنا وبها نقاوم ثلجية الوقائع اليومية: ً من بعيد تناهت لي طرقات حذائها ذي الكعب العالي، التفت نحو مصدر الطرقات رشيقة كانت، تحمل مظلة موردة تقي بنيتها الأنيقة من عبث المطر ً.(6)
وبين الهروب من وإلى المطر تؤسس الذات علاقتها بالعالم عبر التعلق بكون الشتاء العاكس بجلاء الإحساس العميق بالتوق إلى فضاء الصفاء والعذوبة والتلاشي : ًـ علينا أن نسرع قبل أن يدركنا المطر. قلت لها
ـ أنا أحب أن أمشي تحت المطر ً(7)
وبذلك تصبح معالم الخروج انعكاسا مرآويا لذوات الشخوص، إنها ذوات تعيش حالات الكآبة والحزن في أقصى درجاتها، فتصبح الغرفة مصدر نفور وإبعاد بدل أن تلعب دورها كمأوى يحضن الكائن: ً غادرت ما اسميه غرفتي إلى الشارع، ابتعت.
سيجارة بلا مصفى، أشعلتها نفثت دخانها في الهواء ً (8)
غير أن الشارع بدوره لن يشكل خلاصا ما دام هو الآخر قد كسته غلالة قاتمة زاد من حدتها اتصافه بالضيق والاتساخ. وشكلت الصفة الثانية إبدالا لغويا لمفهوم الضيق لما تبعثه في النفس من انقباض: ً الشارع الضيق المتسخ خال وموحش بدا كئيبا وقد فضحت البركات المائية الكثيرة عيوبه ً.
ً في الشارع الضيق المتسخ والذي بدا كئيبا بسبب البرك المائية الفاضحة ً. (9)
نلاحظ نفس الجملة بتحوير تركيبي أملته الرغبة في التأكيد. لذلك تغير الذات سعيها نحو الشارع كفضاء غير مخلص إلى الغرفة مرة أخرى : ً مكتئبا كنت أعود إلى المنزل وكان أبي يلاحظ اكتئابي ولا يكلمني ً.(10)
لكن سرعان ما نجد أنفسنا أمام عنوان لنص ارتكز على الغرفة في نص (ثلاث غرف تخادع المدينة)، بحمولتها السلبية كفضاء يدعو إلى النفور ولا يحظى بالاستحسان. فهي في هذا النص فضاء للخيانة والزيف والسقوط في مهاوي الإساءة الأخلاقية والاجتماعية، ولعل ارتباط الغرفة بالمدينة يقوي هذا التوجه، إذ تصير المدينة بدورها مجالا خصبا لتناسل الأكاذيب والمراوغات والياء الاجتماعي بكل تداعياته، وفي حضور الليل كزمن مبهم ملتبس محفوف بالأسرار نتهيأ للمفاجآت، كل الأشياء الغريبة تقع في الليل: ً خارج الغرف: المدينة مستسلمة عن طواعية لنوم عميق، والليل سيدها الذي لا يقهر في الدروب تفرقت دوريات الشرطة باحثة عن كل شيء وعن أي شيء. وفي غفلة من الليل والدوريات كانت ثلاث غرف مضيئة تخادع المدينة ً (11)
إن الإحساس بعنف المكان دفع إلى انفتاح الذات نحو أعماقها لاستبطان عوالم أكثر رحابة وصدقا، وإن الارتداد على هذا المستوى يسوغ الالتجاء إلى البنيات الدائرية المغلقة على مستوى الحكي أيضا:
كل صباح وبلا رغبتي أصل متأخرا
كل صباح يشتمني السيد المدير
كل صباح أعتذر
كل ظهر أعود مكتئبا إلى بيتي
كل مساء أنام مبكرا لكي أستيقظ في الوقت المناسب
كل صباح أستيقظ متأخرا
وكل صباح يشتمني السيد المدير وهكذا...(12)
إضافة إلى هذه اللولبية ساهم التكرار في خلق الرتابة والإحساس بالا جدوى والانغلاق. لذلك كان لا بد من الاحتماء بأجواء شاعرية شكلت متنفسا وهروبا من قبح وقتامة اليومي. وعليه فحين يحضر البحر فلكي يكشف الرغبة الدفينة في الانعتاق ومعانقة الفضاءات الأرحب والأعمق:
ً نهرب من بعضنا، نهرب من أسرار نكتمها، نهرب نحو البحر وعمقه وحده كان قادرا على احتواء أسرارنا ً (13)
إن كل هذه العوامل ساهمت في منح الشخصية داخل أغلب النصوص إمكانية حديثها عن ذاتها مما يسوغ حضور المونولوج الداخلي الذي يعكس خطاب الأعماق، إننا أمام نزوع نحو إبراز شفافية الداخلي مقابل التباس وغموض الخارج وسعي نحو إظهار الذات وتحققها النصي مما يؤشر على اختراق الحميمية. وفي اختيار القاص لترتيب نصوصه ما يؤكد ذلك، فأول نص معنون على سبيل البوح لندرك بأننا سنكون أمام عملية مكاشفة وتعرية للذات.
إن الإشارة إلى الشخصيات داخل المجموعة تستدعي إثارة ملاحظة أساسية حولها, لكونها قدمت من غير أسماء, مكتسبة هويتها من خلال أوصاف: ً قلت للوجه الخلاسي الآسر ً(14)
أو من خلال الانتماء الاجتماعي والوظيفي: ً أنا إنسان بسيط موظف في إحدى الشركات الخاصة, عفوا أقصد موظف براتب سنوي ً(15) وبالاقتصار على التعيين الحرفي لاسم الشخصية:
ً باع المسمى ح للمسمى م لسانه الوحيد وأعطاه بعض الأسنان كهدية ً(16)
أو الاكتفاء فقط بالإشارة إليها عن طريق تنوع الضمائر, مقابل ذلك نجد نصا واحدا عنون باسم شخصيته ًجبورً وهي تسمية تتيح انزياحات متعددة تبعدها عن تعيين المسمى إلى استثمار إيحاءاتها الترميزية. وهذا ما يدعو إلى التنصيص على أن عدم تحديد هوية الشخصيات داخل النصوص عبر تسمياتها يمنح إمكانية التعميم والإطلاق، مما يمكن من التعامل معها على أساس أنها شخصيات مواقف وحالات.
وكملمح ثان مثير في المجموعة نقف على عنصر التفكير في القصة من خلال القصة ذاتها، أي عندما تصير الكتابة موضوعا للتفكير والتأمل وضمن هذا المنحنى ضمن القاص وجهة نظره حول فن القصة القصيرة وعلاقته بها التي تتلفع بوشاح طفولي حالم وعاشق.
ً تتشبث بي القصة, وتعبث بملابسي المتهدلة, وحين أفك يديها الصغيرتين من ثيابي, وأدفعها بعيدا عني وأوليها ظهري تتمسك بي كما تتمسك طفلة بعروستها ً (16)
فهو لا يتوانى عن إبداء موقفه من مسألة التجريب سواء عبر استثمار مكوناته كتقنيات كتابية أو تصريفها ضمن النسيج الحكائي لنصوص المجموعة بإحساس يهجس بالسعي نحو شكل ملائم لنص محتمل.
q هوامش :
ـ برتقالة للزواج برتقالة للطلاق : مجموعة قصص جمال بو طيب.
1) المجموعة ص: 27
2) المجموعة ص: 28
3) المجموعة ص: 72
4) المجموعة ص: 51
5) المجموعة ص: 9
6) المجموعة ص: 51
7) المجموعة ص: 14
8) المجموعة ص: 35
9) المجموعة ص: 51
10) المجموعة ص: 41
11) المجموعة ص: 45
12) المجموعة ص: 33
13) المجموعة ص: 20
14) المجموعة ص: 13
15) المجموعة ص: 33
16) المجموعة ص: 10









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية