جمال بوطيب
الحكاية تأبى أن تكتمل
مجموعة قصصية
الكتاب: الحكاية تأبى أن تكتمل
المؤلف: جمال بوطيب
رقم الإيداع القانوني: 916/93
المطبعة: وجدة/ SNIP
الطبعة: الأولى1993
الغلاف: حسن بنصالح
اللااهداء:..........................!!
لأنني أعرف قيمة الإهداء.
أبيت أن أفسدها.
- حين لا يكون زماننا زمانا يحط الجياد ويسمي الحمير.
- وحين لا يكون أهل زماننا ممن يأكلون مع الذئب ويندبون مع الراعي.
- وحين لا ننظر إلى الحق والعدل والحب والمساواة على أنها أساطير أو نكت غير مضحكة.
- وحين نرفض أن تداس كرامتنا أحياء، ولا نأبه إذا مامتنا أن نحك مع سدرة.
- وحين لا نتقي بمظلاتنا الرخيصة زخات المطر ونتركها تغسل رجسنا ونجسنا ودنسنا.
حينذاك. حينذاك.
وحينذاك فقط اسألوني لماذا أنا أكتب ؟؟
تقديم
د/ محمد علي الرباوي
حين كان القاص جمال بوطيب طالبا بالكلية في سنوات الثمانين، قدم إلى قصة – أظنها من بواكر إنتاجه – لأطلع عليها، ولأقول رأيي فيها. واذكر أني حين قرأتها أعجبت بأسلوبها، وببنائها. ولكن العمل الواحد لا يسمح بتقويم صاحبه؛ لهذا أخفيت إعجابي بالقصة، واكتفيت بأن قلت لصاحبها: ان بعملك أثرا واضحا لأسلوب كافكاKAFKA.
وبعد تخرجه من الجامعة فاجأني بمجموعته القصصية الأولى: " الحكاية تأبى أن تكتمل " ، وكلفني بكتابة مقدمة لها، وهو لا يعلم أن مشاغلي لا تسمح لي بإنجاز هذا العمل الذي يتطلب وقتا للقراءة.ولكن لإعجابي السابق بقصته الأولى قبلت على ان اكتفي بقراءة مطالع هذه القصص ثم أدبج المقدمة. ولكن ما ان أبدأ في قراءة الجملة الأولى من كل قصة حتى أجد نفسي عند النهاية. وهكذا نجح القاص فنيا حيث ورطني في القراءة وأرغمني على دخول إلى عالمه المدهش الجميل لقد نجح في بناء مقدمات قصصه وهي مقدمات تدفع بالقارئ كيفما كان مستواه إلى ضرورة متابعة القراءة، وهذه الخاصية في قصص جمال ما عدنا نجدها في كثير من القصص القصيرة التي تنشر ان في المغرب وان في المشرق العربي. ويدعم هذه الخاصية استعارة جمال أسلوب الحكاية الشعبية والخرافية وأسلوب الليالي حيث يتداخل الواقع واللاواقع والمعقول واللامعقول والطبيعي والمدهش والتصريح والتلميح والنثر والشعر كل شيء في هذه القصص يتحرك ويتكلم الإنسان والجماد والطير والحيوانات انه المدهش .
إن مدينة وجدة هي مدينة الشعر حتى المسرح المزدهر بها لاتخرج لغته عن لغة الشعر وعندي أن هذا يعود إلى ما بالمغرب الشرقي من طابع بدوي لكن حين تسلمت هذه القصص فرحت باعتبارها عملا سرديا جاء ليزاحم جنس الشعر ولكن بعد القراءة تأكد أن هذا العمل عباراته تتأجج شعرا فمن تجليات هذا الشعر في الحكاية تأبى أن تكتمل اللغة المتوترة والمنسقة في جمل قصيرة يضاف إلى هذا بناء بعض القصص على أسلوب الفقرات وإعطاء عنوان لكل فقرة مثل وصايا لسباع أرادت تعلم المواء فنسيت الزئير والحكاية تأبى أن تكتمل حيث يوهم القاص القارئ بأن كل فقرة تمثل بناء مستقلا في حين أن ثمة خيطا رفيعا يربط بين تلك الفقرات .
ومن تجليات النفس الشعري بهذه القصص حضور الأزمة في بعض الحكايات مثل غفوة والرأس و الوسادة ففي غفوة تتكرر من فقرة إلى أخرى العبارة التالية إلا من الناموس والأزبال ولعنه الأقدار لكن هذه اللازمة حين تعود إلى الظهور تنكشف عليها ثوب جديد.
ومن أهم تجليات الشعر أن القصة عند جمال تبدأ بفعل يحمل ضميرا يعود على غير معين: من تكون " حكال " التي تتحدث عنها القصة الأولى؟ أهي امرأة؟ ان بالفقرة الأولى علامات كثيرة على أنها فعلا امرأة من هذه العلامات فعل صمتت والكلمات التالية القلب العاشق أغرت كلها كلمات ترتبط بالعشق بالمرآة ولكن الفقرة تنتهي ويزول القناع عن حكال فاذا هي مدينة صنع لها القاص اسما غريبا وهذا الأسلوب مستعار الشعر من خاصياته خلق التوتر في وجدان الملتقى الذي يظل يتساءل وهو يقرأ من يكون المكني في النص.
وبهذا الأسلوب فرض علي الأستاذ جمال بوطيب قراءة كل قصصه التي اعتبرها من أجود ما قرأت من قصص .
غــفــوة
...صمتت "حكال" كأنها قلب عاشق مخدوع. طقس ثقيل وموحش خيم عليها، فتضاعف صمتها في هذا المساء الهادئ مثل شيخ وقور. كل من أغرته يوما بالبقاء عافها، وغادرها حتى صارت مهجورة إلا من الناموس والأزبال ولعنة الأقدار... تلك هي " حكال" مدينة الآباء والأجداد.
في المدينة كلها لم يكن غير مصباح واحد منيرا، لا أدري أي شيء خارق جعل حجارتنا تخطئه عندما كنا نتسلى بتكسير المصابيح ونحن صغار. وكان المصباح ينطفئ لحظة وينير أخرى كأنه رجل مر ماش يحاول اختراع كذبة خطيرة .
تحت ضوء المصباح افترشت التراب مادمت لا أملك فراشا ولا مأوى. أسندت ظهري إلى عمود المصباح .مددت ساقي اليسرى وجعلت اليمنى تستريح عليها، ولا أدري لماذا تذكرت بالضبط أستاذ الفلسفة بوزرته البيضاء كبائع حلويات متجول وهو يشرح ويعيد أن أصل العالم تراب عند بعضهم وعند اخرين هو الماء أو الهواء أو...وقتها كنت أحس بجوع شديد وحين لاحظ الأستاذ شرودي، سألني:
-ماذا قلنا عن أصل العالم ؟
وبلغة بليد لاتخيفه عواقب إجابته، قلت:
قلنا ان أصل العالم هو.... الخبز.
بعدها مباشرة فصلت عن الدراسة بميزة "حمار" ومنحة لمتابعة الدروس في شوارع " حكال" مدينة الأسى والحزن.
اعتدلت في جلستي بسبب حصاة لعينة دبرتني ، وأنا أقاوم النوم هذا الملعون المتمسك بي كما تتمسك طفلة بعروستها. وبدأت أغني علني أطرده عني.. لم أعد أرغب فيه مند صار خدعة من خداع عصر الموضة والسيدا والجراد . أغني وأدرك كامل الإدراك أننا في زمان أصبح فيه الغناء مدعاة للرقص لاغير.
لم أكن أتوقع ما حدث. ذهب النور. وانصرف الناموس الذي كان متجمعا حول المصباح .وتحول الناموس إلى جسدي يقرصني وكأنه يعاتبني ، فأشعرني أنني مغن بائس مسكين يحتاج كثيرا من الأشياء ....
والحق أنني كنت محتاجا إلى كل شيء: المال والحب والقوة وأشد ما أنا في خصاصة إليه قيمة ارتفع بها في هذا العالم الذي لا قيمة فيه لأمثالي. وبدت هذه القيمة شيئا موجودا في دروب مدينتي ...تماما كالظلم والفتك والغدر ، فانطلقت باحثا عنها وأنا أدندن.
وصلت إلى أقصى الشارع .فوجئت بعسكري الحراسة يعترضني. هددني بإطلاق النار إن هربت ،ولكنني لم أهرب. لم يكن في الأمر شجاعة ولا بطولة، بقدر ما كان فيه هوان وضعف . اقترب مني ، وطلب بطاقتي المفقودة. لم أكثرت لسؤاله وشرعت أتأمل بذلته الأنيقة، وقبعته التي لم ادر من أي شيء كان يحتمي بها في ذالك الليل.
- بطاقتك ..
قالها هذه المرة بصوت فيه نغمة وقوة وفعل.
لم أفكر قط في حمل بطاقة. الفقر و المرض والدنس البؤس اجتمعت كلها متفننة في رسم سماتها على وجهي الشاحب كجسد ينتظر الموت. فلماذا أحمل بطاقة؟؟ هجست لنفسي، سألني العسكري من أكون. قال وسبابته تهتز كمنقار دجاجة تلتقط الحب.
ـ أطاسيون لابوليتيك آه.... البوليتيكات لا تنفع معي أه.... قل يا وجه...آه...؟
تمنيت (لا حول لي ولا قوة غير التمني) لو كنت سالما معافى لوجأت العسكري بشدة وأسلمت ساقي للريح ضاحكا مسرورا .
تمنيت لو كنت سالما معافى فيلكمني لكمة تسوغ لي الهرب فأمطره بشتائم لم تدخل بعد قاموس اللغة. "إن مشكلتي هي لوها ته".
رددت في داخلي بحرقة وألم. ويبدو أن العسكري أدرك مرماي فشدني من قميصي بيده حتى كاد يخنقني. وصفعني صفعة رددتها جدران الشارع العريض، شارع " حكال " مدينتي المهجورة إلا من الناموس والأزبال ولعنة الأقدار.
- زد.
قالها وهو يركلني في بطني، ويطبع على جبيني بصقة تكلمت بلغة من يملك الأمر والنهي. وزدت امتثالا لأمره.. وآليت على نفسي أن تكون تلك الساعة آخر ساعة لي في هذا الشارع العريض، شارع مدينتي المهجورة إلا من الناموس والأزبال ولعنة الأقدار و... وبطش العسكري.
- "لن أعيش في هذه المدينة"، هذا ما قررته، سأرحل إلى "عنفر" مدينة الأشقياء، قد أجد هناك من يعطيني قيمتي، صحيح أننا سنكون جميعنا أشقياء. ولكن ربما تكون لي امتيازات مادمت أشقى منهم. سأصير رئيس الأشقياء:
أبو الشقاء شقي بن شقي... تصور يا أنا يا حضرة المحترم: أبا الشقاء.
" عنفر" مدينة يشدني إليها حنين غريب منذ قرأت عنها في كتاب مهترىء لمؤلف عظيم مات كما عاش شقيا بسبب كتابه هذا. كان الكتاب مكون من صفحتين كتب على احداهما بمداد أحمر وبخط رديء ‘‘مدينة الأشقياء ‘‘ وكتب على الأخرى بمداد لا لون له، ‘‘ما أسخف الحياة‘‘.
كانت الأيام تتوالى والشهور تتآكل وكنت لا أزال ماضيا مرتحلا أجوب الشوارع وأقطع المسافات، أمشي بدون توقف في النهار كأنني ألاحق زمنا هاربا، وأقضي الليل متكئا على شجرة أو مستلقيا على رصيف.. و" عنفر" شيء مستحيل. ووسوس لي شيطان بأنها غير موجودة على سطح الكرة الأرضية إطلاقا، وأشار علي بالرجوع، لكنني كنت قد ضللت طريق العودة. وفجأة صممت على الرجوع مع علمي بما ينتظرني من الويلات " لو" رجعت. إلا أنني فضلت الويلات والموت – ولو غريبا- في مدينتي، على الموت غريبا في بلاد غريبة، وسيطرت على ذهني فكرة بأن الرجل من يفعل عندما يصمم، ومن يقف ولو على عكازين، فليس بعيدا ان يتحول العكازان إلى رمح ودرع.. " ليس بعيدا"، قلت لنفسي. فهمست لي نفسي : "ولكن ليس قريبا"..
وتصورت " عنفر" جنة لا يصلها إلا تقي مخلص.
وتصورت " حكال" جنة لا يغادرها إلا شيطان رجيم.
وتصورتني تقيا رجيما وشيطانا مخلصا تائها بين الاثنتين.
وسمعت صوتا بداخلي يقول لي:" أصلك أولا يا شقي.جاء في ديوان المعاني:(من علامات العاقل حنينه إلى أوطانه وبره بإخوانه ومداراته لأهل زمانه). فلويت عائدا إلى "حكال" مدينة الصمت القسوة والطاعة بعد أن جعلت دماغي بوصلة لمعرفة موقع "حكال" مدينتي.
كان النسيم رطبا كوجنة امرأة خجولة.
وكان الفجر لوحة جميلة يهب نفسه لحبيب "حكال" وعاشق "عنفر".
وكان صاحبي يهزني بكل قواه ليوقظني من نومة لذيذة .فتحت عيني في كسل. مالبثت أن فتحهما وكأنني قائم منذ زمن وأنا أسمعه يقول:
- قم...قم نهرب قبل أن يصل مراقب القطار.
العصفور الشاعر
... وحين جاءت سكرة الموت، التفت لعصفور المسكين ذات اليمين وذات الشمال، لم يجد من يحدثه. انتظر طويلا ، ثم قال كل شيء للقفص الحديدي الصغير ومات. مات العصفور.. وقيل انتحر . الأشياء الكثيرة التي وجدوها في القفص أثارت أسئلة مقلقة ومحيرة. وجدوا إناء القمح طفحا، فقالوا: شبع العصفور ولم يقو على الأكل. وقالوا: أضرب عن الطعام ولم يأكل. وقالوا:إن الأكل وضع بعدما مات العصفور... تساءلوا ما الذي يمكن أن يكون قد قاله العصفور قبل موته، وعن أي شيء تحدث.. وبماذا أوصى، وكيف مات؟؟ تأسفوا في أعماقهم وقال كل واحد في سره:
" ياليت العصفور لم يمت. وياليت سليمان لم يمت وياليت الموت لم يكن".
كان بويب القفص الحديدي الصغير مشرعا. حين لاحظوا ذلك تساءلوا لماذا لم يهرب العصفور؟ ولماذا لم يأكل؟ كانت أسئلتهم كثيرة ، وأجوبتها لا يملكها أحد غير العصفور. ولا يفهمها أحد غير سليمان. لكن العصفور مات. وسليمان أيضا مات. والأسئلة وحدها لم تمت. فمن فتح البويب؟ ومن قتل العصفور؟ ومن اشترى القمح ووضعه في الإناء ومن صاحب القفص؟ ومن أين ينحدر العصفور؟ لا أحد يدري.
في التحقيق قال القفص الحديدي الصغير:" لم أفهم كثيرا من كلام العصفور. كان في أول الأمر يغرد تغريدا حزينا، ومن مدة لم يغرد. كان كثيرا ما يتحدث عن حبيبته وأيام الحصاد والزفاف والجنة. سمعته يوما يقول: إن الأجنحة نعمة ربانية لا ينبغي أن تكون لغير العصافير، وكان كثيرا ما يقول: إن من لم يحب لن يكون في وسعه كتابة قصيدة ، وإنه لا احد غير العصفور يستطيع أن يكتب حرفا واحدا عن القفص، وكان آخر ما فاه به. وهو يحتضر:
- إني لم أوفق في الكتابة عنك يا عزيزي، فكن أصيلا أيها القفص الحديدي الصغير واكتب عني.
قال طائر نصب نفسه للدفاع عن العصفور: العصفور لم يمت وإنما قتل. وما قاله القفص ليس بكلام القفصان، وفيه كثير من الغلو. صحيح أن العصفور كان عاشقا، ولكنه لم يتمن قط أن يصبح شاعرا... وإن كنت شخصيا لا أنكر التقارب بين الشعر وكلام العشاق.
وحين وقفت حبيبة العصفور المسكينة على قبره، تركت الدموع تنحدر على خديها الشاحبين بكل حرية وقالت:
- نم مطمئنا يا حبيبي. فلست العصفور الوحيد في العالم. سيستمر العشق وتنظم القصائد وتنشر الأخبار. نم ، فقاتلك ساومك على بيع جناحيك لكنك أبيت، فقتلك. نم فقد قالت عصفورة مجربة: نحن الفقراء ننظر دائما إلى ما يملكه الأغنياء، ونتمنى أن تزول تلك النعمة عنهم. وها أنت ترى كيف أن صاحبك طمع في جناحيك وكيف أن الحكمة قلبت. فلا تبتئس. فإن كانت لهم الأرض فإن الأرض لنا والسماء.
قال صاحب القفص ودمعة يتيمة تنحدر ببطء على خده: يشهد الله أني كنت أحبه... وكان المرحوم يحب عصفورة لا أعرفها...واحتراما لحبهما فتحت له بويب القفص الحديدي الصغير ليذهب إليها.
وفي الصباح وجدته جثة هامدة. احترت ماذا أفعل. بكيت كثيرا ولكن غليلي لم يشف... وأنا الآن أطالب، سيدي القاضي، بالتحقيق في هذا الأمر وكشف القاتل.
مسد القاضي الوقور لحيته البيضاء وقال: ".... ثم إن وفاة عصفور لا ينبغي أن تعطل مصالحنا، و بإمكان كل من تمسه وفاة هذا العصفور أن يراسل شركة التأمين الوطنية مطالبا بالتعويض، وينتظر الرد".
وحين صارت قاعة المحكمة فارغة، تقدم الشاهد الذي رفضت هيئة القضاة السماع لشهادته نحو طاولة القضاة. تصورهم يسمعونه. قال:
- صدقوني، أنا الذي شاهدت وفاة أكثر من عصفور ...أعرف آخر الكلمات التي ينطقون بها. ولو لم يمت العصفور.. ولو لم يمت سليمان لتأكدتم من صدق قولي. لي اليقين أن العصفور وهو يلفظ آخر أنفاسه كان يردد:
- " أضاعوني وأي فتى أضاعوا..."
الرأس والوسادة
" برّيّة جات من فاس
قرّاها ابن سعادة
العين بغات النعاس
والرأس ابغى الوسادة "
... ولكنهم أرادوا للعين العمى وأرادوا للرأس القطف...
(إلى متى ستظل هاربا يا ابن السعادة؟؟! فنحن وراءك، وأمامك وعلى يمينك وعلى شمالك. نحن قدرك، فسلم نفسك تسلم، لا سلم نفسك لن تسلم، عيناك سوف تعميان ورأسك سوف يقطع، ونحن المعمي والقاطع...)
ويحتار ابن السعادة، يا أهل العلم والحلم، رأيت في المنام ليلة أمس غريبا يضع لي خاتما في وسطاي، خاتما من ذهب، وبعدها مد يده ليصافحني وحين مددت يدي لأصافحه صافحت فراغا، استيقظت لم أجد أحدا ولم أجد خاتما ...يا أهل العلم والحلم من منكم يستطيع أن يؤول لي هذه الرؤيا .
- يا ابن سعادة ، يقول له شيخ القبيلة ، فاس موطن العلماء والفقهاء.. تأويل رؤياك فيها ..لا تستصغر الأمر يا ابن سعادة وارحل إلى فاس... ربما تعطى لك الولاية... فقد حلمت في زمن لا يحلم فيه إلا القليلون.
(احلم أو لا تحلم إلى متى ستظل تحلم يا ابن سعادة ؟! نحن وراءك وعلى يمينك وعلى شمالك فسلم نفسك لا تسلم عيناك ستعميان ورأسك سيقطع وحلمك سيدفن ونحن المعمي والقاطع والدافن )
- ضيف الله يا سيدي الفقيه, يتوسل ابن سعادة ، فقد أتيتك من بلاد بعيدة ...ذكروا لي فاس وعلم أهلها, وقصدت تأويلا لرؤياي فأفدني.
- هات رؤياك، يا بني، واختصر.
(اختصر ولا تختصر اختصر حلمك يا ابن سعادة واختصر طريقك, وتعال نفسر لك رؤياك إلى متى ستظل فنحن المعمي والقاطع والدافن والمفسر... )
- هذه حكايتي باختصار يا سيدي الفقيه.
- يا ابن سعادة يا بني قدرك يلاحقك ولا مفر لك منه .تصدق ياابن سعادة وأكثر من السجود والصلاة على خير الورى . ابتع كفنك وثبت نفسك على الشهادتين وعظم الله أجرك وإنا لله وإنا إليه راجعون ...
( ألم نقل لك يا ابن سعادة...
تتجشم عناء السفر إلى فاس, وتسأل عن الخاتم ومعنى لبس الخاتم في الحلم, وكان حريا بك أن تسأل عن معنى الوسطى ..نحن لا نضع خواتم في أصابع غيرنا, نحن نحتفظ بالخاتم عندنا ..ونقطع الأصابع )
يحس ابن سعادة بالتعب, يردد:
"العين بغات النعاس
والرأس أبغى الوسادة "
يستسلم لرغبة الجسد النحيل, يضع الرأس على الوسادة, ويغمض العينين ويستقر السكين فوق الرأس والمخيط فوق العين
( ألم نقل لك يا ابن سعادة نحن قدرك..... )
يصرخ ابن سعادة, يفتح عينيه, لا يجد مخيطا ولا سكينا, يتعوذ بالله السميع العليم من الشيطان المريد الرجيم, ويهجس لنفسه:
المخيط الشيطان.
والسكين شيطان.
وكل الأشياء القبيحة الشيطان .
يلعن ابن سعادة الشيطان مرات عديدة, ويتوضأ ليصلي ركعتين ...
( توضأ يا ابن سعادة لتذهب طاهرا متطهرا إلى ربك, واشتر كفنا, يا ليتك اشتريته من فاس, يا ليتك لم تذهب إلى فاس فنحن قدرك أينما ذهبت, نحن الذين ألبسوك الخاتم,
الخاتم مهرك,
وأنت عريسنا,
وعرسنا جنازتك...
نحن نفسر لك رؤياك يا ابن سعادة,
فالخاتم طوقنا,
ووسطاك المطوق,
نحن طوقنا الخيانة, وطوقنا الخداع, وطوقنا الفحش, ألم نقل لك نحن المفسر ؟؟! ألم....؟؟!!
يا قرية اسمها ابن سعادة
ابن سعادة يشنق !!!
هذا حكم القبيلة.
وهذه رائحة ابن سعادة فاحت...
- يا من يخاف غضب الرب, يعلن شيخ القبيلة, والذي كان في الوقت نفسه إماما وتاجرا وصاحب سيارة للنقل الريفي وصهر القائد, يا من يخشى جهنم, يا... توضأوا لنصلي على ابن سعادة صلاة علها تنفعه, واحذروا اللعنة, واحذروا أن تناموا أ وتحلموا أو تلبسوا الخاتم
( احذروا كل شيء, واحذروا شيخ القبيلة, واحذرونا فنحن المعمي والقاطع والدافن والمفسر )
قال حفار القبور:
- وبعد الصلاة ردده الجمع:
الحمد لله الذي أرحنا من ابن سعادة وأنامه بلا وسادة
قال المتشرد الذي يبيت بالمقبرة:
- ولما أمطرت السماء, وتصاعدت من الأرض رائحة التراب, قام معها ابن سعادة مرددا:
أنا قدركم
وها رأسي وهاهي الوسادة ...
لست المعمي ولا القاطع, ولست الدافن ولا المفسر.
هذي وسطاي, ممسك القلادة
أنا قدركم
فبلغوا الغائبين الشهادة.
وصايا لسباع أرادت تعلم
المواء فنسيت الزئير.
*استهلال
للأسد ثلاث طباع:
الأولى منها أنه مشي فشم ريح الصيادين عفى على آثاره بذنبه لكيلا يتبعه الصيادون ويقفوا على عرينه فيتصيدوه.
والثانية أن اللبؤة تلد شبلها ميتا فلا تزال تحرسه حتى يأتي أبوه في اليوم الثالث فينفخ في منخره فيبعثه .
والثالثة أنه يفتح عينيه إذا نام وهما يقظتان.
الإمتاع والمؤانسة " الليلة العاشرة "
الوصية الأولى- الليلة التاسعة
في البلدان التي تندرج بكل المقاييس تحت جناح العالم المتخلف، يمارس المرء حرية واحدة هي حرية الانتحار ...
ولما كان الانتحار محظورا في الشريعة ...
ولما كان الانتحار مفسدة تخرم سمعة المجتمع ...
ولما كنت مصرا على ممارسة حريتك ( الانتحار )
فلا تذهب وحيدا, بل خذ معك من أهل هذا الوطن, أحد أولئك الذين يفسدون ولا يصلحون, والذين هم على خنق حريتك يصرون ...
الوصية الثانية- الليلة الحادية عشر
إن الذي يزعم أنه إنسان حر هو أحد اثنين: جاهل أو أبله. لتتأكد من هذا أخرج بهذه التجربة من التنظير إلى التطبيق:
ضع خطا على مساحة منبسطة، حاول أن تمر تحته، في المرة الأولى يقينا ستفشل، ولكن لا تيأس، وتوقع الخير، حاول مرة ثانية و ثالثة...وعاشرة. وإذا ما حالفك الحظ واستطعت أن تفعل ذلك (وهذا حسب التوقعات لن يقع قبل المرة البليون) فأعلن للعالم وبصوت مجهور أنك إنسان تملك كامل حريتك.
الوصية الثالثة-الليلة الألف:
إياك أن تعتقد أنك تستطيع النوم على أي جنب تختاره. فعلاوة على النصائح الدينية والطبية أنصحك بالنوم على يمينك للأسباب التالية:
نومك على يسارك فيه خطر دائم عليك.
نومك على ظهرك قد يسبب لك تهمة لست تقوى على دفعها.
- نومك على بطنك غير مأمون في زمن أبيح فيه المحظور.
فنم قرير العين على يمينك، وإذا حدث واستيقظت فوجدت نفسك نائما على يسارك فتبرأ من جنبك الأيسر. والعن نفسك، واحمد الله أن لم يرك أحد.
* توشيــــة
الأسد عظامه جاسية جدا، وإن دلكت بعض عظامه ببعض خرجت منها نار كما تخرج من الحجارة (...)
...وأما الأسد خاصة فليس له من جنسه قرين، ولا يرى شيئا من السباع كفؤا له فيصحبه، ولا يقرب شيئا من بقايا فريسته بالأمس ولو جهده الجوع، ويهر زئيره كثيرا من الحيوان الذي هو أعظم منه جسما وقوة.
الإمتاع والمؤانسة "الليلة العاشرة"
الوصية الرابعة- الليلة الأولى
اعلم ـ رعاك الله ـ أن الاختصاص خدعة استعمارية يقف وراءها أعداؤنا وأذنابهم الذين ليست لهم أذناب. فعليك ـ حفظك ـ ألا تؤمن بالاختصاص. اكتب في الرياضة وفي الفن وفي الثقافة وفي السياسة. بعبارة أوجز: كون جريدة بنفسك. المهم احذر شيئين:
أولهما: أن تتوقف الجريدة عن الصدور.
ثانيهما: أن تكتب شيئا ما، يتسبب في مصادرة الجريدة.
الوصية الخامسة- اليوم السابع
جاء في الحديث أنه من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويثبت الجهل.
إذا وصل بك اجتهادك المتواضع إلى أن للأمر علاقة بحالات الطرد التي يتعرض لها المتخلفون دراسيا، فلا تبح بهذا لأحد، لأنه لا يستبعد أن يحكم عليك بالكفر وتتهم بالخروج على الملة.
الوصية السادسة- العام القادم
في بقعة ما، في وطن ما، مات شخص يحمل أسرار خطيرة, تأسف بعضهم لموت الشخص الغريب حينما جهزوا الميت وجدوه فعلا قد مات.
إحدى وكالات الأنباء توصلت بمكالمة هاتفية من مجهول يزعم أن الرجل لم يمت وإنما قتل. الوكالة نفسها تزعم أنها وصلتها مكالمة أخرى مضمونها أن الرجل قتلته الأسرار.
* انصراف:
يروى في بعض الأساطير أن السبع خال القط، وأن السبع قط أدرك أسرارا كبرته و أشابت ناصيته، وفي ثالثة أن السبع ليس إلا إسما لعلبة "وقيد" كانت تجمع بين الجودة والبخس في الثمن.
"حكايات جدتي رحمها الله "– ليلة ضربني أبي
الوصية السابعة- شهر العسل
لا تربوا القطط، وإذا ربيتموها فعلموها الزئير، ولا تشتروا لأبنائكم اللعب، وإذا اشتريتم فاشتروا لهم السباع، ولا تبتاعوا علب الثقاب التي تحمل صورة الفرس، أو الفراشة أو الوردة، وإذا حصل وابتعتم علبة من هذه العلب، فشطبوا على الإسم واكتبوا مكانه "سبع" أو على الأقل "قط"، وإلا فقولوها في سرائركم.
الوصية الثامنة- هذه الليلة
أنا الممضي أسفله، والمتمتع بكامل قواي العقلية، أوصي لأبناء أمتي (دونما تمييز) بهذه الوصايا، ولهم حق التصرف فيها.... بقيت إشارة أخيرة ومهمة: الموصي غير مسؤول عما قد يترتب عن هذه الوصايا.
* مخلص- الليلة الخامسة
سردفين: عندما استيقظ كل صباح، أجدني على جنبي الأيمن أو الأيسر. لا أدري. على كل لم ولن يرني أحد. ما أخشاه هو أن تنطق غرفتي أو فراشي أو ثيابي./.
الحكاية تأبى أن تكتمل
قال الراوي:
حتى ذلك اليوم كان كل شيء في القرية عاديا، الأشياء غير العادية نفسها كانت عادية. كانت أحداث القرية تتوزع بين شجار ومأدبات وأخبار وحكايات.
الحكايات كان أغلبها خياليا، وقد بلغ الأمر حدا تحولت معه حكايات حقيقية إلى خيالية بفعل الزمن وتدخل الرواة. حكاية " الحية " هي الأخرى من هذا النوع، وحتى لا أطيل عليكم أبدا. تقول الحكاية:
كان النهار من بدايته مشؤوما، فقد بدت السماء بأكثر من لون ووجه، وتمردت الدواب. وتشاجر أكثر من اثنين.
قالت امرأة ثقة:لأول مرة لم تبض دجاجتي.
وقال ابنها المدلل: لأول مرة لم أجد بيضا أسرقه.
وقال زوجها القصير:إن أخدا ما حرض الدجاج على تحديد النسل .
وقالت الدجاجات: إن الديكة ضعفت همتها.
وقال شيخ صالح: إن الدنيا على آخرها.
تنحنح الراوي وضرب كفيه ببعضهما وهو يدرك أن كل الآذان والقلوب قد أخلصت له ولحكاياته. انتظر أن يسألوه عن بقية الحكاية، وحين لم يحدث سألهم:
- أتدرون ماذا حدث؟!
- لا. رد أكثر من واحد.
- اسألوني، إذن، ماذا حدث؟
- وماذا حدث؟؟
الذي حدث كان مرعبا، تابع الراوي حكايته في فرح ونشوة، امرأة من القرية وجدت حية في الزريبة. كانت الحية سوداء وبرأس طويلة ومتواطئة مع بنيتها. المرآة التي وجدتها صرخت وأغمي عليها. التف حولها زوجها وبعض جاراتها. التحق الجيران فيما بعد بزوجاتهم. لم يقترب أحد من الحية. كان كل واحد يوجس في نفسه خيفة ، ويتظاهر بالاهتمام بالمرآة أكثر من الحية. وكانت الحية ساكنة كأنها ميتة، ولكنها لا تفتأ تحرك لسانها. بعضهم ليواري الارتعاش الذي يخنقه من الداخل، صار يبحث في اسمها ونوعها. ظلوا كذلك حتى حضر (ف). ستسألونني من يكون؟ سأجيبكم. قال الراوي مكلفا نفسه عناء تقديم شخصيته كان بإمكانه تخطيها. حدثهم عن (ف) قال: إنه شاب في الثلاثين، يظل يهذي ويهلوس، يردد أغاني متداخلة فيما بينها، وينثر كلاما غير مفهوم. يقول عنه بعضهم:إنه مجذوب. ويقول آخرون: إنه مجنون. ويقول هوعن نفسه : إنه الشخص الذي سيرث القرية ومن عليها.
أدرك الراوي أنه بدأ يطيل. ألجم نفسه قائلا:
على كل فحكاية (ف) حكاية أخرى... ستسمعونها قريبا... المهم، حين وصل (ف) تراجع الرجال والنساء وبعض الأطفال. اقترب (ف) من الحية. حين رآها لم يفته الحكي عن أخرى صادفها. كان يحكي لنفسه وكان الآخرون يستمعون. قال إنها لا تستأهل أكثر من ضربة واحدة امتدت يده إلى عمود غليظ يستريح في مدخل الزريبة. أشار عليه أحدهم بأخذ الرفش. لم يفعل. تقدم نحو الحية. كانت لا تزال تحرك لسانها. استجمع قواه. رفع سلاحه حتى صار خلف ظهره ثم هوى عليها. أصابت الضربة رأسها فحدثت المفاجأة. الحية تحولت إلى حية برأسين. صدقوني ـ قال الراوي وهو يقاوم دهشة عريضة ارتسمت على وجوه الحاضرين ـ (ف) نفسه تفاجأ. وشوشت النساء وصمت الأطفال وسبح الرجال . تراجع (ف) قليلا. حمل الرفش، عاد إلى الحية. ضربها ضربات متتالية، وكان في كل مرة يضربها تصبح برأس زائدة. وحين أصبحت بسبع رؤوس، ألقى (ف) الرفش. وخرج يهذي ويقول:
ـ أنا والحية اللذان سنرث القرية ومن عليها.
قال واحد ممن زاروا القرية بعد الحادث: لقد عم الخير القرية مرة واحدة.
وقالت المرأة الثقة: إنه منذ ذلك اليوم صارت دجاجتي تبيض مرتين في اليوم.
وقال إبنها المدلل: إنني كلما سرقت بيضة وجدت فيها محتين.
وقال زوجها القصير: إذا استمر الحال على ماهو عليه سيأتي يوم يحكم فيه الدجاج الآدميين.
وقالت الدجاجات: نحن لا نرضى أن نتحول إلى مجرد مومسات تحسن المضاجعة. فلابد من مساواة مع الديكة.
وقال الشيخ الصالح: ألم أقل لكم إن الدنيا على أخرها.
وقال الراوي:
الغريب في الأمر أنه عندما ماتت الحية وجدوها برأس واحدة فقط. بنوا لها قبرا في الزريبة وصارت الزريبة منذ ذلك اليوم مكانا مقدسا يتردد عليه سكان القرية أيام الجمع والأعياد.
في الساحة نفسها، كان أكثر من راو ينشر الحكاية نفسها بطريقته الخاصة.
قال أحدهم:... وقتل (ف) الحية، وصار منذ ذلك اليوم إنسانا معتبرا بين سكان القرية.
قال ثان: تأسف كثيرون على (ف) الذي لدغته الحية. وقد التهمت الحية القرية كلها. ومن هنا جاءت تسمية القرية ب "أم سبع رؤوس".
وقال ثالث:... وحين صارت المرأة في الزريبة. هرع إليها زوجها حمل الرفش ليقتل الحية، فوجدها ميتة.
وقال رابع:... وحين كنت موشكا على إتمام الحكاية، لمحت شرطيا ومخزنيين يطاردون رواد الساحة. فر كثيرون. ولم أستطع الفرار وسط الزحام. ألقوا بي في جوف السيارة الكبيرة. كنت لا أزال أذكر أين توقفت ولشيء ما أحسست بالسعادة وأنا أقرر في أعماقي أن أتمم الحكاية لأشخاص هم الآن ينتظروني هناك.
مــــريـــــم
قالت مريم:
ـ كيف لا أبكي يا أمي ؟؟!
لقد قصوا ظفائري.
كانوا ثلاثة، بدانا، مسلحين، وبزي عسكري.
وكنت وحيدة بوزرتي الخضراء.
جردوني من ثيابي يا أمي، وناموا معي تباعا.
وكبرت يا أمي...!
كبرت، ولم أعد مريم الطفلة، ولا مريم " الغزالة" كما كنت تنادينني، بكيت يا أمي، بكيت ضفائري، وبكيت ضعفي وطفولتي، وبكيت أنوثتي ودمي.
وحين انتبهت وجدت الضفيرة الوحيدة المتبقية قد صارت شيباء، كانت دموعي قد جفت، وشعرت بألم خارق على خدي.
صدقيني يا أمي، كانوا ثلاثة بدانا، وبزي عسكري، وكنت وحيدة بوزرتي الخضراء، وفي جوف السيارة التي يشبه لونها بذلاتهم، تكلموا، ضحكوا، أكلوا، شربوا، قهقهوا، و... وبكيت.
قال الراوي:
... يا سادة ...مريم كانت عائدة إلى البيت، تحمل بيمناها ربطة نعناع وتدندن .اعترضوا سبيلها وغدروا بها. ماذا تفعل طفلة أمام ثلاثة رجال ؟؟!
قالت مريم:
لا تبكي يا أمي... سأنتقم منهم، وسأجردهم من زيهم العسكري، وسأحلق رؤوسهم... فقط أنت لا تبكي ، فهم إنما أرادوا دمعك ودمي .
قال الراوي:
... وخرجت مريم ليلا بدون أن يراها أحد، تركت أمها نائمة وخرجت في وزرتها الخضراء، وبيمناها تحمل سكينا ملفوفا في ربطة نعناع، لم تعد مريم ولا عرف عنها أهل حيها شيئا منذ ليلة خروجها.
قال عاشق مريم:
ـ مريم لا تحزني، ولا تبكي، فدموعك عندي أغلى من دم ثلاثة جبناء، سأنتقم لك منهم قريبا، دمهم مهرك يا مريم، شكلوا حمية نساء وتحاموك، لا تحزني يا مريم، سأجردهم من أنفاسهم وسأمح البسمة من شفاهم، غدا جنازتهم يا مريم، وغدا عرسنا.
قال الراوي:
... وصباحا حلقت الفراشات فوق عباد الشمس، وفتح الأطفال قفصانهم.. وتسابقت الفتيات إلى أم مريم ،ترددن: خالتي نريد ضفائر مثل ضفائر مريم، وخرج عاشق مريم حافيا عاري الصدر، أعزل، في صدره قلب حقود، وفي رأسه تصميم على عدم العودة إلا بمهر مريم...
قالت مريم:
ـ وفي ليلة شديدة الظلام، نمت معهم عن طواعية، نمت معهم تباعا وبقرتهم تباعا، وأعجبني كثيرا لون وزرتي الخضراء.
... لا تتركوا وجناتكم تحمر، ولا تتركوا ذلا وعارا وهميين يفخخانكم من الداخل، فأنا لا يهمني إن انتم نعتموني بالعهر، فليس العهر حرفتي ولا رغبتي، أما إذا كنتم تصرون على سوء نيتكم فلا باس، فليت كل عاهرة تبقرثلاثة بدانا مسلحين وبزي عسكري.
قال الراوي:
ـ ... ووجد العاشق مريم ترتدي زيا عسكريا وتحمل سلاحا، وكاد يهجم عليها لولا أن نبهته.
ـ ويحك ،أنا مريم، وهاهم نمنا جميعا، واستيقظت انا وهم ظلوا نائمين...
ولبس العاشق زيا عسكريا وجعل بندقية تستريح على كتفه، وعاد هو ومريم، وشهدت القرية زفافا رائعا استمر حتى أشرقت شمس الصباح، ولما أشرقت شمس الصباح التي كانت ساحرة باسمة على غير العادة ، اندفع الأطفال يلعبون لعبة " مريم والعساكر الثلاثة ". ولكن " زينة " رفضت أن تلعب معهم لأنها كانت تريد زيا عسكريا وسلاحا حقيقيا.
تقاسيم على آخر مقامات زمن الموت
التقسيم الأول
بيضة بيضة للا. باش نزوق لوحتي.
لوحتي عند الطالب... والطالب في الجنة...
والجنة محلولة، حالها مولانا.
مولانا واصحابوا في الجنة ينصابوا.
طلعت ميمونة. فوق الزيتونة...
ولما صارت ميمونة في أعلى الزيتونة، احتار ميمون، نظر إليها، ثم نظر إلى رجليه المشلولتين والى العكازين... بكى وشكى.
واستظهر أمامها كل أشعار التوسل والعتاب التي يحفظها. قال أنه مستعد لفعل أي شيء من أجلها. سيدافع عليها ويدفع عنها القبيلة. وسيجوب السفوح جامعا الحلفاء ليصنع لنفسه "مقلاعا" يقذف به الحجارة في وجه رؤوس القبيلة... لكن ميمونة أبت واشترطت على ميمون، إن كان يحبها، أن يكابد ويصعد الزيتونة.نظر ميمون إلى رجليه المشلولتين مرة ثانية، ثم نظر إلى ميمونة وقال لها : إن الذي في قلبه أكبر من تسلق شجرة.... قطفت ميمونة حبة زيتون خضراء، أرادت أن تداعبه، رمته بالزيتونة. سقطت على عينيه ففقأتها. ابتسم ميمون على طريقة العاشقين الكبار وقال: زديني. وحين اكتشفت ميمونة متأخرة بلاهة ما فعلته، بكت، وبكى ميمون لبكائها فاختلط الدمع بالدم على خده. غنى وأنصتت ميمونة. بكت الأشجار والأحجار والطيور في همس:
ولى زمن العشق.
ميمونة فقات عين ميمون.
وميمون يبكي عينه وعشقه.
وميمونة تستغفر لذنبها،
تقاوم لعنة العشاق والأشجار والطيور والأحجار. وتقول: لماذا صعدت يا رب فوق الزيتونة الملعونة؟؟؟
التقسيم الثاني:
في الشارع الشعبي الضيق، يجري الأطفال ويلعبون يتنابذون بالألقاب ويتفاخرون بمغامراتهم... فجأة يضطرب الشارع، " أنور" بزق في وجه " أيمن" وهرب. حاول أيمن أن يثبت ويقاوم الغضب لكنه لم يستطع. حمل حجرة مصفحة وأرسلها خلف أنور، تنحى أنور من طريق الحجرة. بقدرة قادر ارتفعت الحجرة في السماء واختفت... وذكرت أخبار السماء أن حجرة سقطت من السماء على راس جندي إسرائيلي فشجته. التفت صديقه الجندي. لم يجد غير طفل حاف يمشي وحيدا. صوب نحوه بندقيته. أطلق الرصاص. لم يصب الطفل ومع ذلك قتله.
علماء الآثار الذين حضروا من كل مكان لمعاينة الحادث، اجمعوا على أن الحجرة لم تكن من اصل عربي، وانه لا يستبعد في الأيام القليلة القادمة ان تمطر السماء حجرا.
التقسيم الثالث.
" اسمع يا يوشع
أوقفت الشمس على أسوار أريحا
لا اعلم لكني اعلم ان الشمس
تسير على أعناق الشهداء
فيها هاتي وهات
مادامت في الأرض حجارة
مادامت بضع زجاجات فارغة.. نقذفها
وجه الدبابات.
هاتي هات
الحجر والزجاجة الفارغة تقذفها في وجه الدبابات"
قبل طلوع الفجر يتوجه الأطفال إلى الجبل. في الطريق يتحدثون عن صعوبة التسلق وخطورة الغابة. يلقنهم أكبرهم كيف يفلتون من "الحلوف" ويكلمهم عن غار اليمام وعين الماء التي انبجست من مدة قصيرة. وحين يصيرون في أعلى الجبل تبدو لهم الحقول أمواجا من الذرة والشعير. يتحدثون عن زهرة بلا لون ولا أشواك وبأكثر من رائحة. يحمل كل واحد منهم معه حصاة ويعود. في بيته يرعاها ويربيها. يقدم لها كل ما تحتاجه. وحين تكبر ويكاد يصعب عليه احتضانها بيده الصغيرة، يضع عليها علامة تميزها. يحدثها حديثا سريا يقبلها. ينظر وراءه وعن يمينه وشماله. يقبلها ثانية ثم يرسلها في الفضاء. وفي المساء يجلس صامتا أمام التلفاز يترقب ما فعلته حجرته الصغيرة.
التقسيم الرابع
ظلت ميمونة تندب حظها وتستغفر لذنبها. تتساءل كيف سولت لها نفسها الاعتداء على ميمون. ندبت خدها ونفشت شعرها وشقت إزارها. انكشف أكثر من موضع في جسدها. حذر ميمون عينيه.
وغبن قاهر يخنقه فوجىء بميمونة تسقط بين رجليه مغمى عليها. كلمها فلم تنتبه إليه. ربت على خدها فتلطخ بالدم الملتصق بيده. حاول معها كثيرا ولكنها ظلت غائبة عنه. تداخلت في رأسه أشعار العشق والحنين والرثاء. وردد وهو يهز ها:" ميمونة...ميمونة..."
بينما كانت هي لا تعبأ به وتردد بصوت ضعيف وعيناها مغمضتان:
"أنا المعزة الصينينة.
واللي قرونها ذهبية.
واللي عور ميمون
يخرج هنا يبارزني."
لعــــبة التخمـــين
خمن كم كنا؟
هل تستطيع؟؟ نعم. طبعا . لا. حاول ، ما دمت لم تفضض بكارة فتاة ميسورة أو تتهجم على شخص من أبناء الذوات. قل ما شئت دونما خوف أو حرج .تفضل. تكلم. لا يا سيدي، من قال لك كنا أربعة؟ لا تتلعثم. لا، ليس تخمينا هذا. أضروري؟؟ إذا لم نكن أربعين أو أربعمائة؟ أمسك أعصابك، خذ قهوة مضغوطة "خمم" ثم خمن من جديد كم كنا... هل تستطيع؟ لا. طبعا نعم. حاول ولا تيأس من المحاولة إلا القوم الفاشلون.
أنا (وأعوذ باله من قول: أنا، وعند قوم آخرين من لم يبدأ بنفسه فهو بليد أو يتبالد) لا أريد أن أرهقك، ولن أرغمك على التخمين لأن المسألة لها علاقة بالتنجيم والسحر والشعوذة ومظاهر كثيرة من الوثنية. اختر أي رقم شئت أو تشاء، ذلك هو عددنا. المهم ضع في ذهنك أنه كان معنا كلب. لماذا انصرف خيالك إلى أهل الكهف. أرأيت كيف أنك تسرع في الأحكام...ماذا لو قلت لك أنه لم يكن كلبا حقيقيا وإنما كان كلبا على سبيل الدعابة. بمكانك أن تصنفه كيف شئت. مشيئتك عندنا أهم من كل شيء خاصة في مثل هذه المواقف الحرجة، فقط أنبهك إلى أن الكلب الذي كان يرافقنا كان كلبا من نوع مميز وخاص.
أنت الآن لا تعرف عددنا. ولا تعرف منا ؟ أحد غير الكلب. ولا تعرف نوع الكلب. إذن وباختصار لا تعرف شيئا وباختصار لا تعرف شيئا وحتى لا تتهمني بالغموض واللاشفافية أوضح لك كل شيء:
...كنا (...) وكان معنا كلب (...) ولم يكن الكلب كلبا حقيقيا دخلنا الغابة جلسنا وجلس الكلب في أحسن مكان إذ إنه من نبله في نفسه وأنفته ككل الكلاب التي تنحدر من أسر كريمة ان يتخير أبدا أنبل موضع في المجلس الآن تستطيع أن تخمن وبحظوظ كبيرة.
خمن وحلل بكفاءتك المحدودة طبعا. أسأل نفسك مثلا لماذا الغابة؟؟
إذا كان للصيد، فالكلب كلب صيد.
إذا كان للتجول، فالكلب كلب حراسة.
إذا كان... ، فالكلب...
يقينا لم تستطع لحد الآن معرفة عددنا بالضبط. ولكن تحلى بقليل من الصبر وأعدك بأنني سأساعدك، وسأظل جانبك حتى نهاية اللعبة.
حين دخلنا الغابة ذئب معه ذئب آخر أقصد ذئبين. تراجع الكلب الذي كان يرافقنا. وهنا تأكد لنا أن كلبا واحدا لا يقوى على فعل شيء أمام ذئبين.. من حسن الحظ أنني كنت أحمل معي بندقيتي "الخماسية" (لا تسمح لنفسك بالتفكير بأننا كنا في رحلة صيد)، أخذت الخماسية وضعت فيها ست رصاصات ولما أطلقت الرصاصات السبع كان الذئبان قتيلين. وكان الكلب ينبح ربما فرح بنشوة الانتصار.
استمر في تخمينك، خمن كم كنا؟ ... إنها لعبة ممتعة حقا لعبة التخمين هاته. خمن كم كنا. هل تستطيع؟؟ طبعا.لا. نعم. حاول لا تيأس ولا تقنط وإذا يئست أو قنطت فتعوذ بالله من الشيطان المريد الرجيم...ثم خمن كم كنا ... خمن كم خمنت من مرة... خمن لماذا تخمن؟ خمن لماذا سيقف الآن تخمينك عندما سأعلن لك أننا كنا اثنين: أنت وأنا. أنا وأنت. كنت أنا والكلب وأنت والذئب. يبقى ذئب واحد. طبعا سأكون أنا الذئب الثاني لأنه لا يمكن أن تكون أنت ذئبين. أنا إذن كلب وذئب وأنت ذئب فقط أو العكس...من مات؟؟ من قتل؟؟ من نبح؟؟ من أطلق الرصاص؟؟ من سيلعب بعدنا؟؟ هل هذه لعبة؟ خمن . هل تستطيع؟ طبعا. حاول. لا تيأس لأن اليأس سيضطرك مرة أخرى إلى التخمين.
الكــوجيـــتو
ـ " أنا أفكر إذن أنا مهموم".
هكذا هجست لنفسي قبل أن أنفجر ضاحكا من أعماقي ضحكة لم يبد منها غير صداها المختنق المتحجر الذي دفعته بحقد من خياشيمي إلى الخارج. فكرت في إفراغ ما يسكنني من غضب في أي شيء أصادفه على الرصيف، لكنني عدلت على ذلك وأنا أنظر إلى الحذاء الذي كان لا يزال لامعا.
كانت زخات المطر خفيفة وباردة، وكان الشارع خاليا إلا من شبان هرولوا إلى مقهى قريبة وفتاة التصقت بشباب تحت مظلمة سوداء جميلة، وكنت وحيدا أنا كنجمة الفجر. أمشي ببطء مثل ذلك الأرنب المغرور الذي سابق السلحفاة يوما. جسدي وقلبي وعقلي انتشلتهم الأماكن والهموم.. وعيناي يغشاهما ضباب غد ناقم. وحين اختفى الشاب وفتاته بقيت وحيدا أنا والشارع والمطر والهموم.
ـ أنت لا شيء!
قالتها بتحد وهي تشيح عني بوجهها كحلم جميل طالما راودني في الصغر. أمضتها بتصرفي حقا. ومع ذلك شعرت بأنها هزمتني بطعنتها هذه. بدا الشارع الخالي طويلا ومنبسطا فشككني في كروية الأرض زررت معطفي عندما صفعني البرد في صدري. تمتمت وأنا أشعل سيجارة بعقب أخرى:
ـ هناك وسيلة واحدة لهزم امرأة ما...
أعدت الفكرة في رأسي مرة أو مرتين فاكتشفت كم صغرت وأنا أفكر فيها. أقفلت آخر زر في المعطف، وألقيت بعقب السجارة في بركة ما، وأنا أتتبع الدوائر الخاطفة المنعزلة التي أحدثتها حركة العقب ثم أدخلت يدي في جيبي معطفي الفارغين وعيناي منبهرتان في حذائي اللامع.
انعرجت إثر ذلك يمينا دونما قصد. وجدت الشاب واقفا لوحده. كانت فتاته قد ابتعدت والمظلمة السوداء الجميلة لاتزال منتصبة فوق رأسها تقي بنيتها الأنيقة من عبث المطر. تخاصما من غير شك وإلا فلما لم تلتفت إليه، ثم أردفت و أنا أحاول ألا أشغل فكري بذلك: وما شأني أنا؟ كنت قد تجاوزت الشاب بمسافة لابأس بها، ولما التفت من دون شعور وجدته مستمرا ثابتا في مكانه. لوحت له في ودية كاملة بيدي، ورد تحيتي ربما بنفس الودية . تذكرت أشياء كثيرة تتدافع في ما بينها لتسيطر على ذهني. كدت أتذكر التي هزمتني / طعنتني فأحقق كروية الهزيمة، أجهدت نفسي لأطرد كل الهواجس الكروية، ومع ذلك لا أدري كيف تفكرت كروية الأرض وقصة اكتشاف الفضاء وأخطار السيدا... وأخبار المنشطات وفتاة شقراء شاهدتها على الشاشة في الأولمبياد فاشتهيتها وأكلتي المفضلة ومطعم المدرسة وأكل السجن..
ـ كل لكي تأكي.
قالها الحارس بوقاحة وهو يدفع لي الإناء بمقدمة رجله ويده تلاعب حزامه الغليظ. كنت آكل بالرغم مني ويكون مصيري بعد ذلك كمصير كاتب "أبو" موسى الأشعري.
ـ مجرد تحقيق لا غير.
طمأنني الذي حمل لي الاستدعاء. تركت الفصل والتلاميذ وكل شيء تحت مراقبة التي هزمتني. وفي مكتب الضابط لم يحقق معي .
نظر إلي طويلا، ثم سأل أحدهم؟.
ـ هذا هو ؟؟
أجابه بيقين تام:
ـ نعم سيدي.
ـ خذوه...
ـ ....
لم يكمل، كانوا يحفظون تتمة الآية ويتقنون تطبيقها.
ـ هيا
قال الحارس وهو يرفع رجله اليمنى وينزلها ليلطم بها اليسرى في قوة وضجيج. وبيده اليمنى المبسوطة إلى أعلى تكاد تسقط قبعته. لم أفكر في الاستراحة بمقهى أو العودة إلى البيت مع شعوري القاهر بالتعب من كثرة ما مشيت. لا أدري أن أرى أحدا من المعارف أو الأصدقاء، ولا أريد أن أراها هي بذات. خسرانهم عندي خير من ربحهم بكثير ـ حدثت نفسي ـ ساعتان وأنا تائه في طرقات المدينة توخزني شوكة الذنب، ويسكنني إحساس بأنهم جميعا يشاركونني في الذنب ولا أحد يشاركني في الوخزات أتلقاها لوحدي بألم وصبر.
بجمال وسحر حواء الأبدي وقفت خلف القضبان. رأيت في عينيها مقاومة عريضة لرغبة حقيقية في البكاء. قلت لها كلاما كثيرا. حاولت أن أبين لها أن الأمن والعدل والحب و أشياء أخرى كثيرة مجرد التفكير فيها يعتبر خطيئة لا تغتفر. ظلت محتفظة بصمتها، تصورت عينيها تتهماني بالجنون سألتها:
ـ هل من الجنون أن نفكر في الأمن والعدل والحب... وفي مستقبل أجمل وأروع ؟؟
استطاعت أن تتخلص من صمتها وردت في برودة:
ـ يجب أن تفكر في نفسك.
ـ لست أنانيا مثلك.
حدقت في بحقد وقالت:
ـ هل تعرف ؟
ـ ماذا ؟
ـ أنت لا شيء.
لم أرها بعد ذلك ولم أنس طعنتها.
غير بعيد مني كان كلب هزيل متشرد يقطع الطريق وهو يلتفت يمنة ويسرة احتراما لقانون المرور الآدمي / الكلبي. فرحت للكلب لأنه لم يمر أمامي قبل عقدين من الزمان، والا لكان جنى على نفسه.
ـ من حسن حظنا أننا لم نلتق.
قلت في سري و أنا أحس ببلادة أيام الطفولة حين كانت مطاردة الكلاب هوايتنا الوحيدة. ثم عللت ذلك بسهولة: نحن لا ذنب لنا، الكبار كانوا يطاردوننا ونحن نطارد الكلاب والكلاب تطارد الكبار.
ـ تفضل. كل.
اندهشت لرقة لهجة حارسي العزيز. فطن لاندهاشي. أضاف وهو يبتسم ابتسامة كشفت عن أسنان صفراء.
ـ لا عليك. سيفرجون عنك.
قلت وقد ألفت السجن والحارس والأكل بجميع أشكاله:
ـ وماذا حصل حتى...
قاطعني وهو يلاعب حزامه الغليظ كالعادة:
ـ تيقنوا أنك لست معهم.
يوم توصلت بالاستدعاء كانت آخر مرة هددني فيها المدير المتهدل الكرش. قال إن شكايات وصلته من آباء التلاميذ. أبناؤهم يرددون أشياء تمس أهل الحل والعقد وتتهم أئمة الجرح والتعديل. تكلم كثيرا حتى جف ريقه وحذرني قائلا إني أرغمه على وضع رأسه مع رأسي في قبعة واحدة.
نفثت دخان السيجارة الأخيرة وأنا أتلطع إلى بنايات المدينة الواطئة وعماراتها المنتصبة كأصنام طويلة. فكرت في أنها تستر عيوب من بداخلها ولا أحد يعبأ بعيبها حتى هي نفسها لا تأبه به.
ـ لا بد لي من مسكن.
كان ذلك آخر ما استقر عليه رأيي وأنا أفكر في فندق من فنادق المدينة وربما في أرخص فندق وأقره. فقد كنت متأكدا أن فنادق المدينة عموما تشبه سجونها. لا فرق بينهما إلا كون الأكل في السجون مضاعفا .
قال الضابط وهو يسلم لي المعطف والساعة الصغيرة والمنديل الأبيض ودراهم معدودة:
ـ تأكد لنا أنك بريء.
سألت في أسى وحيرة كبيرين:
ـ كيف؟ وماذا كانت تهمتي؟؟
ـ أتريد العودة إلى السجن ؟
ـ طبعا لا... فقط...
ـ لا تكن غبيا.. هيا مع السلامة.
وعند بوابة السجن الحديدية، استقبلني طقس غائم / غاضب زاد من كرهي للناس والأهل والحرية، وضاعف احتقاري للتي هزمتني بطعنتها. ابتعت علبة سجائر رخيصة.. توقفت عند ماسح الأحذية، لمعت حذائي.. وارتميت في أحضان الشارع المنبسط الفارغ./.
الإرث
ملخص حياة أناس عاديين.
تقضى صلاة العشاء، ولينتشر الناس، وبعد دقائق يكونون جميعا في منازلهم، بعضهم يتعشى وبعضهم الآخر لا يفعل. يحسون جميعا بالأسف والخيبة والألم. وينامون، ولما يستيقظون على آذان الفجر. أيحسون أيضا بالأسف والخيبة والألم يتوضأ ون يصلون. ثم ينتشرون.
رجل غير عادي.
يستيقظ على أزيز محرك شاحنة جاره الخضار يسمع صياح الديكة وأصوات المؤذنين المتعالية. يحس بالأسف والخيبة والألم. لا يتوضأ ولا يصل يركب دراجته الرمادية المسنة. تلفحته رطوبة الهواء الصباحي يضاعف سرعة الدراجة التي كانت تطيعه. وحينما يصل إلى مقصده. يجد آخرون قد سبقوه يقفز من فوق دراجته يجعلها تستريح على شجرة قريبة يجلس هو بقربها على الأرض ويصير يخط بأصابعه خطوطا متقاطعة ومتوازية، بعد الظهر يركب الدراجة الرمادية المسنة يعود إلى البيت، يصل مع صلاة العصر، لا يتوضأ ولا يصلي ولا يتغذى ليحس بالأسف والخيبة والألم، وينام.
امرأة غير عادية.
هي أيضا تحس بالأسف والخيبة والألم، وعندما يؤذن الفجر، لا تستيقظ تكون مستيقظة وهي لا تنام، تتوضأ وضوءا غريبا، تصلي صلاة خاطفة، تستغفر طويلا تريد أن توقظه فتجده مستيقظا. تعد له الفطور، وحين تبحث عنه لا تجده. تتمم إعداد الفطور. تتنبه إلى أن الدراجة الرمادية المسنة ليست في مكانها. تتيقن أنه خرج. تنتظر عودته، لا يعود. تنهي إعداد الفطور، لا تفطر. تكنس، ترتب الفراش، تفعل أشياء كثيرة، تفكر في إيقاظ إبنها. تجد الوقت مبكرا. تعود إلى فراشها. تستلقي على ظهرها. تشتبك أصابع يديها خلف رأسها. تتجاوز رجلاها طول اللحاف. تتذكر مثلا شعبيا قديما. تنظر إلى أعلى تحلم بأشياء كثيرة. تشعر بالأسف والخيبة والألم وتنام.
طفل غير عادي.
يستيقظ، يجد أمه نائمة. يستغرب كيف تنام حتى هذا الوقت. لا يرى الدراجة الرمادية المسنة. يعرف أن أباه خرج. يتوضأ يصلي. يدعو الله كثيرا يدعو الله أن يحصل أبوه على عمل وأن يطيل عمر أمه، وأن يوفقه هو في دراسته ينظر إلى أمه التي لا تزال نائمة يستغرب يفكر في إعداد الفطور. يجد معدا، يكتشف أن أباه ذهب بدون أن يفطر. يرتشف جرعة من كأس الشاي الدفيء متمنيا معها أن يحصل أبوه على عمل وأن يشتري دراجة جديدة وأن يتعشوا عشاء لائقا. يتمنى أيضا أن يرى أباه يوما يصلي وأن يصبح شيئا مهما ليعيد لنفسه ولوالديه شيئا من كرامتهم المفتقدة. يتمنى أشياء كثيرة. يحمل محفظته. يقبل جبهة أمه النائمة. تستيقظ أمه. تسأله عن الإفطار والصلاة وعن موعد الدراسة. يطمئنها. تقوم.
تودعه. ينصرف إلى المدرسة. وحين يضع رجله اليمنى كما نصحته أمه خارج باب البيت يشعر بالأسف والخيبة والألم. تمطره أمه بسيل من دعوات الخير والسجايا والفلاح وحين يغيب عن عينيها تشعر هي الأخرى بالأسف والخيبة والألم وتتمنى صادقة ألا يكون إبنها يحس بشيء مما تحس به.
في المدرسة يجلسه المعلم في آخر الفصل. يسأله عن أمنيته.
ـ " سأصبح مفتشا". يرد دونما تفكير. يبحث في مكتبته الوهمية عن كتاب اسمه. كيف تتخلص مما لا ترغب فيه. يبحث عن سؤال يتمم به درسه، يبحث عن أنسب طريقة للاعتزال يبحث في جيبه عن دوائه. يتجرع كأسا دون ماء وينام.
ما حكاه الخضار:
مات الرجل الذي لم يكن يصلي. ولكن والشهادة لله لا يذكر أنه تعدى على أحد. كان نادرا ما يغادر بيته ونادرا ما يلقي التحية ونادرا ما يرى في الحي أو رفقه ولده أو زوجته. مات. ولقد بكته زوجته وولده كثيرا. وماتت بعده زوجته التي كانت تتوضأ وضوءا غريبا وتصلي صلاة خاطفة. وبكاها ولدها كثيرا .
ولقد غادر الطفل المدرسة . وصار رجلا. وقد ورث عن أبيه دراجته الرمادية المسنة وعن أمه وصيتها بضرورة تقديم الرجل اليمنى عتبة الباب والاستعاذة والبسملة. وهو يستيقظ كل صباح باكرا، يتوضأ، يصلي الفجر. يتذكر أباه وأمه. يدعو لهما بالمغفرة والرحمة. يتمنى لهما الجنة حيث سيجدان أشياء كثيرة حرما منها في حياتهما. يشعر بالأسف والخيبة والألم. يركب دراجة أبيه. يتوجه إلى حيث كان يذهب أبوه للبحث عن عمل. وفي المساء وبعد أن يصلي ويتعشى. يندس في فراشه يتخلص من كل شيء إلا من شعوره بالأسف والخيبة والألم وينام.
الفهرس
تقديم...................................................5
غفوة...................................................9
العصفور الشاعر....................................15
الرأس والوسادة......................................19
وصايا لسباع تعلمت المواء فنسيت الزئير.......23
الحكاية تأبى أن تكتمل...............................27
مريــــــم...............................................31
تقاسيم على آخر مقامات زمن الموت.............35
لعبة التخمين...........................................39
الكوجيتو...............................................43
الإرث..................................................49








