فــي أسبـــــوع
عندما بدأت أفك الحروف، اشترى لي أبي كتابا اسمه " كيف تتعلم الصلاة في أسبوع؟». قرأت الكتاب. مر الأسبوع.. ولم أ تعلم الصلاة.
وحين التحقت بالمدرسة عشقت اللغات. جمعت بضعة دراهم واشتريت كتابا اسمه " كيف تتحكم في خمسة لغات في أسبوع".
تحكمت في نفسي. هجرت اللعب. كبرت على أصدقائي والتصقت بالكتاب . مر الأسبوع ولم أتحكم في اللغات . وعدت إلى اللعب إلى أن فصلوني.
ولما فصلوني لم أغضب كثيرا .جمعت دراهم أخرى واشتريت كتابا اسمه "كيف تصبح مليونيرا في أسبوع ". حفظت الكتاب. مر الأسبوع ولم أصبح مليونيرا.
سؤال واحد ظل يخنقني: ""ماذا يقصدون بالأسبوع ؟ هل لهم أسبوعهم ولنا أسبوعنا ؟ "
سألت صديقي : ألا يوجد كتاب اسمه ""كيف تنتحر في أسبوع ".
ضحك وقال:
- الانتحار لا يحتاج إلى أسبوع.
- الانتحار يحتاج إلى دقيقة أو دقيقتين.
-الانتحار شجاعة وقرار وتنفيذ.
تشجعت وقررت ولم أستطيع التنفيذ.
مرت دقيقة. مرت دقيقتان وأعلنت في فرح ونشوة:
- لقد صار أسبوعي مثل أسبوعهم. وغدا أتعلم الصلاة واللغات وأصبح مليونيرا وانتحر "في أسبوع".
عبـــــارة زائـــــدة
أثبت النص مرفقا بأسئلته على السبورة السوداء المثقوبة في أكثر من مكان. الحصة حصة تركيب. كان مطلوبا من التلاميذ أن يشطبوا على كل عبارة زائدة. فوجئ بأكسل تلميذ في الفصل يتقدم نحو السبورة السوداء المثقوبة في اكثر من مكان. حمل الممسحة البنية الصغيرة . تراجع خطوتين إلى الوراء . تقدم نحو السبورة ثانية. أشار بسبابته إلى السؤال : "شطب على كل عبارة زائدة."
ودون أن ينبس بحرف مسح التاريخ.
ألقى الممسحة البنية الصغيرة وغادر الفصل بينما تعالت التصفيقات.
ياسين والوادي
جمع الشيخ أحفاده وعليهم قص الحكاية التي كان مستهلها "كان يا ما كان" ونهايتها" وحكايتي مشات مع الوادي."
ياسين، حفيده الأكرت الشعر، ذهب إلى الوادي يتقفى آثار الحكاية.
بسذاجة طفل تساءل : "الوادي لازال في مكانه ، و أكيد أن الحكاية لازالت هنا ".
غطس في الوادي بحثا عنها . لم يجد غير الحجارة والملساء والضفادع وأعشاب مائية . قرر ياسين عدم العودة من الوادي إلا بالحكاية متوهما أنه سيرضي جده.
لكن جده الذي دمعت عيناه وابيضت من الحزن ، اعتزل الحكي وصار من يومها يحكي لبقية الأحفاد حكاية واحدة هي حكاية ياسين مع الوادي.
درس الــحب
مخمورا دخل الطفل إلى الفصل . حدق جيدا في المعلمة وقال :
- أحبك.
ضحك الصغار وظلت حنان تتأمله.
كانت المعلمة قد هرعت إلى مكتب المدير. وكان المدير قد هتف إلى الشرطة. سرى الخبر في المدينة :
- طفل مخمور قال لمعلمته أحبك...
عندما حضر مسؤول الشرطة كان التلميذ قد كبر، وقبل أن يقتربوا
منه قال :
- لم أعد أحبها.
كانت رائحة الخمر لا تزال فواحة من فمه،وكان يبدو أطول منهم جميعا . بينما كان الوزير قد قرر أن يعدل المنهاج المدرسي وألا يدرس الأطفال شيئا غير درس الحب.
وفي أذن الطفل همست حنان :
- أنا صرت أحب الوزير.
المــكــافأة
يقينا أنني كنت أحلم حين أجلسني الرجل الأنيق على كرسي وثير في مكتبه الواسع والمكيف .ابتسم . ابتسم لي بالتأكيد لأنه لم يكن معنا ثالث . ابتسم لي مرات عديدة فاضطررت للابتسام . قال لي بأدب بالغ:
- نحن رهن إشارتك . نحن طوع أمرك . نحن عبيدك. اطلب ما
تريد. لا تتردد اطلب.
في البداية ، طلبت - في سري - ان تكون عاقبة أمري سليمة،
وحين أصر الرجل تردد طلب كوب ماء.
لكن صاحبنا غضب، وطلب مني أن أكون في مستوى مسؤوليتي . قال إن علي أن اطلب عقارات مثلا، نساء، أموالا، سيارات ،،، فجلال قدري يفرض أن أ طلب أشياء أهم.
استحضرت جلال قدري الذي يفرض أن أطلب أشياء أهم، وطلبت من الرجل أن يأخذ ورقة وقلما ويسجل :
"أريد خروفا وبقرة وحمامة.
أريد تينة وزيتونة وليمونة.
أريد ساقية وبئرا وطاحونة".
وحين استرقت النظر إلى ورقته، وجدته لم يسجل ما قلت وإنما كتب:
" فعلا سيدي كما توقعتم".
وقبل أن أغادر مكتبه ، حمل السماعة وهمس في أذن ما بأنني أنا المقصود.
وبعد ساعة ، رأيتني ساكنا. رأيت عنقي خاضعا إلى أعلى. رأيت نساء باكيات . رأيت عجوزا يعريني، وثوبا ابيض يخاط.
إ فـــــــحـــــــام
بوقاحة مفاجئة، سألتني الشقراء الجالسة في صف الذكور:
- أستاذ،قيل لنا إنك تحسن الرقص.
فكرت في سد فمها بقذيفة تحفظ لي شيئا من وقاري أمام هؤلاء العفاريت الذين يخفون ضحكاتهم ، قلت:
- هل تريدين أن أرقص معك ؟
- نعم.
فأفحمتني.
وقـــاحــة
في الفصل- بتحريض من الشقراء الجالسة في صف الذكور -
سألني أقصر تلميذ في الفصل :
- أستاذ، ما الفرق بين المقصور والمنقوص والممدود؟
ارتبكت كعادتي كلما اسأل، استحضرت كل معارفي وصرت أبين الفرق.
كان القصير يتابع ويبتسم ، وكانت الشقراء تبتسم ولا تتابع.
وحين انتهيت قال لي القصير بأن ما شرحته له الشقراء أفيد بكثير مما شرحته أنا .سألتها. فقالت إن للأمر علاقة بالرقص، فأفحمتني مرة ثانية.
مخـــالـفـــة
ظلت الشمس تلفح الشرطي الذي كان يترقب مخالفات السائقين المنتبهين منه وإليه . لم تقوى قبعته على مقاومة الحرارة . نزعها. حك صلعته التي نزفت عرقا. أعاد القبعة إلى رأسه. وضع سيجارة في فمه. أرسل صفيرا فاشتعلت السيجارة . وصار ينفث دخانها في الهواء.
مساءا عاد إلى المركز دون أن يسجل ولو مخالفة واحدة.شكا نفسه إلى رئيسه:
- سيدي لم ألتزم بأخلاق عملي وعجزت عن أجمع لكم مصروفكم اليومي.
غضب رئيسه. سبه وفتش جيوبه ، قبل أن يمزق الشكاية.
فكر الشرطي الأصلع:
- ورقة ناقصة من دفتر المخالفات معناه مبلغ مالي قبض بدلا لها.
عاد مكتئبا إلى منزله. اندهشت زوجته كيف عاد دون بطيخة المساء . أما المخالفة التي سجلتها عليه صغيرته هي أن رائحة حذائه أصبحت لا تطاق.
طـــــلاق
كان الحمار قد تردد كثيرا قبل أن يخبر الأتان برغبتـه الصادقة في الزواج منها . وكانت الأتان تدرك ميله المفضوح إليها فتتغاضى وتتجاهله ، وحين اختلى بها في الحقل اشترطت :
- مهري ركلة للفلاح في حجره.
لم يشفق الحمار على نفسه من شئ غير نفيه من الزريبة، ولما عزم على الفلاح وهو يشده إلى المحراث كانت الأتان تلتهم التبن . غمزته بغنج وبين فخذيه سرت قشعريرة قاتلة وركل المحراث.
استلقت الأتان على ظهرها ضاحكة. غضب الحمار وقال :
- أنت طالق.
ظلت الأتان غارقة في ضحكها وهي تغالب دمعة الشماتة ثم قالت له :
- ستظل حمارا.
طـــوفــــان
على الشاطئ تخلص الطفل من ثيابه.عاريا فبدا هزيلا.التقط عقب سيجارة رخيصة وأشعلها. ارتشف رشفة أو رشفتين.
- أريد أن أكبر.
قال لصديقته ، وهو يسلمها الثياب ويرسم قبلة على خدها .ويسرع مندفعا نحو البحر .
-أنا في انتظارك.
قالت صديقته
وحين ابتعد، أردفت:
- ودادي لك ، وتحياتي إلى النورس.
غاب الطفل في البحر . انتظرته صديقته حتى غابت شمس المساء. ولما غابت شمس المساء انتابتها حيرة وقلق كبيرين. عادت باكية إلى منزلها. سألتها أمها فلم تجبها. مرت سنوات كثر كان الجفاف فيها سيدا لا يقهر. بكت الطفلة حتى طالت ضفيرتها. ولما طالت ضفيرتها خطبها ابن والي المدينة.
وليلة الزفاف، اقتحم القصر رجل عار تتبعه مجموعة من النوارس. حرروا الفتاة وعادوا إلى البحر. غضب الوالي وأمر بأن يصادر البحر من مدينته في الصباح . لكن مع الفجر، اقتحم الطوفان المدينة وحلقت النوارس في فضائها ، وكتب المؤرخون :
" قديما كانت هنا يابسة".
مــــــــرارة
لما أغرقت بالسكر القهوة السوداء، ضحكت وقالت : إن المرارة في الماء.
تذكرت درس الأشياء هناك ذات ابتدائية :" الماء سائل لا طعم له ولا لون ولا رائحة".
وتذكرت أستاذ المادة وهو يتجرع دواءه بين الفينة والأخرى .تذكرت فاتورة الماء أيضا والبركة التي كانت مسبحا لنا ذات شغب. و . . و
كانت القهوة السوداء قد قررت الانفلات من الماء وكنت -حقدا عليها - قد قررت أن أضيف إليها بعضا من حليب البقر يكسر وحشيتها.
قالت القهوة السوداء :
-أتعجب لك كيف ترضى لنفسك أن تكون للعجل أخا من الرضاعة.
وديعة
بجدية فرك الرجل أطرا فه في الحمام. لم يتوقف الدرن فقرر أن يستعين بالكياس. قال له :
- " كيسني مزيان ".
صار الكياس يفركه وصارت أطرفه تتساقط الواحد تلو الآخر. إلى بيته عاد رجلا بلا أطراف. وفي نهاية الأسبوع عندما حمله أبناؤه في قفة إلى الحمام وجد مكتوبا على باب الحمام :
- صاحب الحمام غير مسؤول عن الأطراف التي لايودعها أصحابها عنده قبل ولوج الحمام.
سبـــــــــاق
قرر الأطفال الخمسة أن يتسابقوا . ركب الأول الطائرة ، والثاني الباخرة ، والثالث القطار ، والرابع السيارة، والخامس دراجة هوائية.لم يحددوا نقطة الوصول وإنما قرروا التسابق فقط ، وعندما توقف عدنان ليصلح عطبا بإحدى عجلتي الدراجة كان راديو الدراجي يوالي بث الأخبار:
- قطار اصطدم بعربة نساء في بلقصيري.
- باخرة غرقت في المحيط.
- طائرة سقطت في البحر ومات جميع الركاب.
- سيارة كسرت " بانو " سيدي علال البحراوي وتمزق السائق أشلاء.
لم يكثرت عدنان وإنما واصل السباق مؤمنا أن أصحابه سيصلون ولو ركضا.
فتــــوى
غضب " قاطوط " لما سمع الخبر . الأمر لا يحتمل التأخير ومملكة القطط في خطر . قط عاش في وسط ميسور يرفض أن يأكل فأرة ويزعم أنه يحبها.
-نقتله. قال قط متطرف.
-نصلبه. قال القط ذو اللحية الكثة.
- نتركه حتى حين. قال القاضي.
قال القط العاشق :
- وأما من هواها فإني لا أ توب .
أما أنصار السلام من القطط والفئران فقد خرجوا في مظاهرة حاملين لافتات ويرددون:
- يسقط الميز العنصري .
- يسقط الإرهاب العاطفي.
- عاش السلام.
- عاشت القطط والفئران.
قالت محامية القط والتي كانت على علاقة مع فأر بورجوازي:
- أسجل انسحابي.
وأفتى إمام القطط مرغما:
" ينبغي الجمع بين المحبين، وإن كانت بينهما أقدام عداوة في التاريخ"
وكان الإمام كلما صلى يبتهل إلى الله في أن يوفقه في علاقة عاطفية مع فأرة شرط أن تكون جميلة ومتدينة.
ذكـــــاء
فكرت الشجرة الذكية كثيرا قبل أن تخبر صديقاتها بقرارها الخطير :
- غير معقول، الناس يرموننا بالحجر ونحن نرميهم بالثمر.
في البداية حاولت مجموعة من الأشجار القصيرة التنصل من قرار الإضراب ، لكنها سرعان ما أذعنت لرأي الجماعة.
- غدا ليلا سنهجر المدينة.
قالت الشجرة الذكية.
لكن مجلس جماعة المدينة كان أذكى حين اقتلع الأشجار صباحا وقرر تحويلها إلى ورق يكتب فيه عن فوائد الأشجار.
أمــــانـــي
قالت أمي : لابد ان تصير شرطيا.
قال لأبي : صر ما شئت إلا شرطيا.
قالت جدتي: طاعة الوالدين من طاعة الله.
قلت أنا: (بين الغلطة والزحام جابوا القاضي يتختن).
قال الشرطي ، وهو يضع الأصفاد في يدي : أنت شخص تمس الأمن العام.ما دخل القاضي ؟ ومن قال إن البلاد فيها خلطة وزحام؟؟
صيـــــام
ظل الطفل يقاوم الوسن . يغفو ثم يستيقظ . رسم دوائر وخطوطا كثيرة حتى لايغلبه النوم. كان يريد أن يحضر وجبة السحور بعد أن فشل في إقناع والديه بإيقاظه . قرر في داخله أن يصوم . أصدقاؤه في المدرسة يصومون وهو يوميا يكذب عليهم قائلا إنه لايفطر .ثم فوق ذاك كان يشعر بقدرته على الصيام ومقاومة الجوع يوما كاملا . عندما تسحر لم ينم. صلى الفجر وراء أبيه . أوصى أمه بأن توقظه إذا ما نام حتى لا يفوته درس الصباح . وفي القسم مر الوقت بطيئا ، ولم يستوعب الدرس على غير عادته. عند الظهر قالت أمه :
- صمت نصف يوم ، ولم تبق لك إلا ساعات . استعن عليها بالقيلولة ياولدي.
- أنا ذاهب لإدراك الصلاة مع الجماعة.
قال لها وهو ينظر إلى وجهه الشاحب في المرآ ة.
- وفي المسجد ، بعد الصلاة ، قرأ حزب " سبح " مع الفقهاء. كان مزهوا لأنه يحفظه ، بعد تلاوة القرآن كان الإمام يتحدث عن فضل الصيام على الأنام وعن الجنة وعن أطعمتها ولذتها. خرج الطفل مسرعا إلى منزله. قال لأمه :
- أريد غدائي.
إعجــاب
حين أبدت أحلام المراهقة إعجابها بالشاعر أحمد، لم يفكر هو في شئ غير ندمه على تورطه في الزواج من بنت عمه " هبة " قال لها :
- شكرا على إعجابك بي .
قالت المراهقة :
- أنا معجبة بقصيدتك،لا بك
استاء الشاعر. وجدها نسخة من زوجته.وحين سلمته مستلة من قصيدتها البكر ليبدي رأيه فيها لم يقاوم شهوته. قال:
- أنا معجب بك لابقصيدتك.
- هل ستكتب عني شعرا ؟
- نعم.
- أنا متيقنة أني سأعجب به.
- وأنا؟؟
- يكفيك أن تظل معجبا بي .
وفي حفل تقديم ديوان الشاعر، قال صديقه الناقد الذي كان يحسده على وقفته مع المراهقة:
- وحين كان معجبا بها كان شاعرا ، وحين أعجبت به لم يعد.
بعد حفل التقديم قالت المراهقة للناقد:
- أنا معجبة بك.
- فرح الناقد . بينما ظلت هي تشرح له ضرورة تطبيق مقولته النقدية على نفسه.
قـرار
امتطى الطفل حصانه القصبي وصار يجوب شوارع المدينة لخالية. كانت يده تمتد حينا إلى رأس القصبة تطعم الحصان وحينا آخر خلف ظهره تحثه على الإسراع . أوقفه الشرطي .استل من بين فخذيه حصانه القصبي وانهال عليه ضربا وسبا وشتما. ولم يهرب الطفل وإنما لملم أشلاء حصانه المترامية. خطا واثقا وقد قرر في داخله :
- أبدا لن أعزف عن ركوب الخيل.
جمعيــة
اجتمعت جمعية الحيوان في دورة استثنائية لتدارس مشاكلها والتخطيط للأفق القريب والمتوسط والبعيد. لكن الحمار تخلف . في البداية اعتبر الأمر عاديا فلأنه حمار لابد أن يتخلف. ولأنه لا يستطيع التمرد على صاحبه والحضور في الوقت. لكن الحمار تخلف. أرسلوا الأرنب باحثة عنه. مسرعة ذهبت ومسرعة عادت. لاأثر للحمار. اتصلوا هاتفيا بالفلاح . أخبرهم أن الحمار قد غادر الزريبة باكرا، وأنه علم من كواليس الزريبة أن الحمار قد رفس بقوائمه بطاقة الجمعية. ولم يخف الفلاح تخوفه من أن يكون الحمار ينشط بتحريض من أياد غريبة خفية. قرر الأسد أن تفتتح الدورة على أن يخصص شطرها الثاني لما أسماه بمحور الحمار.
حيوانات كثيرة كانت حاضرة جسدا فقط أما عقولها فكانت تخطط لتكوين فيدرالية مع الحمار.
عـزوف
اليوم ماتت جدتي، وماتت معها الحكاية التي بدأتها لي يوم أمس ولم تتممها. قالت جدتي:
- إن القط عاكس الأرنب وبلغ الخبر الخز فخرج باحثا عنه . . . .
وماتت جدتي.
سألت أمي تتمة الحكاية فنهرتني وقالت
- عيب يا ولد.
وسألت أختي الكبرى فاعتذرت بأنها لا تعرفها وانكبت تنجزتمارينها المدرسية .
وفي الفصل ، سألت المعلمة . وبختني لأنني عرقلت سير الدرس.
وقالت لي :
- اسكت ياقط.
ويوما عابت على فاطمة عينيها المتراقصتين وعيرتها وأسمتها أرنبا.
وفي اليوم الموالي عاكست فاطمة وانتظرت قدوم الخز لأعرف تتمة الحكاية، ولكنه لم يأت.
لذا قررت نسيان الحكاية نهائيا، وعزفت عن زيارة قبر جدتي، وأكل لحم الأرانب وتربية القطط.
شاعـر حداثـي
غضب الشاعر حين أوقفه المكلف بالأمن عند عتبة باب الملهى الليلي وطلب منه أن يؤدي ثمن تذكرة الولوج. التفت الشاعر يمينا وشمالا إلى صديقيه . لم يجد منهما مؤازرة. كان يعرفان أنه على ضلال.
رفع صوته زاعقا ومهددا رجل الأمن:
- ألا تعرف من تكلم؟؟
- لا . .
- أنت تكلم أكبر شعراء الحداثة في الوطن.
ظل المكلف بالأمن ظابطا نفسه ثم وفور الدم في جسد الشاعر
مجيبا:
- للأسف ، نحن لا نعرف إلا شعراء الجاهلية.
مقــابلــة
في النعش قابله الشيطان ، قال له:
- عد وخد كل العبيد.
استغرب من مكلمه. أردف الشيطان:
-لا تصدق دموعهم، هم الآن يبكونك وإذا ما في التراب دسوك
تسابقوا نحو موائد الخليفة . .
اهتز من تحته النعش . أطل . ضجر همس:
- لابد أن أمزق أشلاء هذه الغواية.
همس ثانية
- لا بد أ ن انثر أوصال هذا القصيد.
صرخ. كتم القابض الصرخة ورشاه وترجاه:
- لا تصرخ.
لم يتوقف صراخه. ترجاه مرة أخرى:
- لا تحرض علينا أبناء الشيطان . سنعيد لك الحياة من جديد.
لكن رفض رشوته ودفع راحته بعيدا عنه. فرح الشيطان. صب له كأسا وثانية وثالثة. ثملا صار وطلب الموت.فر الموكب الجنائزي. كتب وصية وحفر قبره. اندس وللموتى باح بسره.ويروي أهل المكان من سكان المقبرة انه ليلا بدأ النبش وانتفض الرفات وانطلقت مظاهرة نحو قصر الخليفة.
بورتـريـه
حضر الرسام الأصباغ والألوان .طلب من زوجته ان تهيئ له فنجان القهوة السوداء وأن لا تحاول إزعاجه . أوصاها بان تتعشى وتترك له عشاءه في إناء قرب الموقد. لم تستغرب زوجته فقد كانت تلك عادته عندما ينشد الخلوة في مرسمه، وإنما استغربت لدخوله المرسم بالمنامة لأول مرة. فكرت:
- أ يكون قد سئم جسدي وفكر في موديل عار من تلك الموديلات التي يغص بها المرسم ؟
كانت تشعر بغيرة حقيقية من موديل المرأة الشقراء التي ينسدل شعرها على خاصرتها ويسميها هو " الكاوية ".
كان الرسام متخصصا في رسم البورتريهات والموديلات. يتقنها وهي سبب شهرته المكتسبة في الوطن.
- سأرسم بورتريها للوطن.
هجس لنفسه.
فض بكارة الثوب الأبيض بأكثر من لون وحين بدأت ملامح الوطن تتبدى ابتسم.لكن وطنه فاجأه حين نهره قائلا:
- لست " الكاوية " ولا أ ريد بورتريها بالمجان.
-
تـلفـزيـون
غضب " طرفة" لما قدمته منشطة البرنامج التلفزيوني مبتسمة بالشاعر الشاب. ندم كثيرا على قبوله دعوتها .كتم سخطه، واحترس من سورة غضبه. جاهد نفسه ليجيب عن أسئلتها بما يكفي من الحلم واعتبر مستجوبته جليس سوء ينبغي أن يصبر عليه وأن يحتمل جهلها. ولم يسامح نفسه على ذنب حضوره الذي لا يقوى على إصلاحه. مسح العرق المتصبب من جبهته بفعل تلك الشمس التي لم يرها قريبة منه مثل اليوم. تذكر تلك القاعة المليئة بالغواني اللائى
أحطن به ضاحكات ومرددات كلاما بذيئا وإحداهن مسدت جبهته بطلاء غير سحنته وكاد مقصا يلهو بلحيته لولا أنه حذق فيها بحنق فهمت مغزاه.
كانت المستجوبة تسأله وهو يجيب معتبرا قوله " إذا القوم قالوا من فتى؟ " هو السبب في هاته الوقاحة التي قدمته بها.
صدمت المستجوبة سمعه حين أخبرته أنه سيموت في الخامسة والعشرين من عمره بمتفجر يوضع له في جرابه . أكد لها شجاعته وقلبه واجل: - أنا لا أحفل متى قام عودي.
ولما قالت له تمن علينا قبل أن تموت .قال:
- أتمنى أن أموت طفلا فوحدهم الأطفال شعراء حقيقيون.
حـلـم
ظل زكرياء يجوب الشوارع وعلبة السجائر في يده أملا في بيعها بالتقسيط . كان دخلها كافيا له ولأمه في اليوم لشراء البيض والخبز وتوفير ثمن علبة السجائر للغد. دخل كل المقاهي لكن أحدا لم يكلمه أو يشتري منه فقد كان الرواد يجلسون إلى طاولاتهم وأمامهم علبهم الأنيقة الملونة. ظهرا،وقرب بائع ساندويتشات أحس زكرياء بالجوع فتوقف كثيرا أمام المحل يتابع الزبناء وهم يأكلون.انتبه إلى علبة السجائر وقد ابتلت عرقا بين يديه الصغيرتين. كانت الشمس تميل نحو مغربها. عد الدراهم الخمسة التي استطاع أن يوفرها طيلة يوم كامل. هده العياء وعلى الرصيف جلس يستريح وعيناه مشدودتان إلى الصبية الأنيقين بحقائب مدرسية أنيقة يعبرون الطريق.أخرج الولاعة وأشعل سيجارة ولم يحلم بشيء غير الجلوس إلىطاولة في المقهى يرتشف شايا وأمامه علبة سجائر ملونة.
عـري
كثيرون حلموا بها ، وظل جسدها مبلغ غايتهم ومنتهى مطمحهم.
- لو تهبني نفسها ليلة واحدة فقط.
يحدث كل واحد نفسه.
لكنها هي تزوجت من بائع خردة . حسدوه عليها. وبعد زواجها اشتغلت في مصنع للفصالة والخياطة يديره مستثمر ألماني، وزاد جمالها. رشاها المستثمر ورقاها غير ما مرة وخفف تعبها ووعدها بأشياء كثيرة وجميلة . ومع ذلك لم يظفر بها. فقرها كان غناها ، وجمالها كان ملكا لم تهبه أحدا غير زوجها بائع الخردة الذي تفتن سمرته . وزاد عدد الحالمين بها وتخيلوها ليلا عارية بين أحضانه.
حتى الطوفان المباغت الذي داهم "دوار الملحة" وجرفت سيوله البيوت والناس عشقها. كانت تنام قرب رضيعها حين باغتها السيل الجارف وقد اقتحم الغرفة الوضيعة. انتبهت متأخرة ولم تطاوعها كبدها على الهروب والنجاة بنفسها دون رضيعها. وانتقم منها الطوفان ولم يرحمها.
وقرب " القناطر البيضاء" وجدها في الغد ميتة وقد جردتها السيول من ثيابها وعرتها كما حلم بها كثيرون.
هــــجـــرة
طوى الورقالمقوى وفكرفي صنع زورق. استعصى عليه الأمر فسخ المصنوع وحاول، لكنه لم ينجح . لم ينجح في المرات الكثيرة التي استغرقت وقته وأعصابه. عندما كان صغيرا في المدرسة الابتدائية كان يصنع الزورق والطائرة والباخرة وأشياء أخرى كثيرة. نسي كل هذا وهو يفكر في صنع زورق فقط .ومع ذلك لم يستطيع. استعان بابنه الصغير:
- هل تستطيع ان تصنع زورقا.
رد الصغير:
- وبشراع أيضا .
- أرني كيف تفعل.
صار الصغير يصنع الزورق والأب يراقبه . ولما انتهى ابتسما معا. وليلا عندما نام الابن فتح الأب محفظته واخرج العجين وصنع رجلا يشبهه وخبأه في الجيب الداخلي لسترته. صباحا في فترة الاستراحة لم يغادر الأب الفصل. نهر الصغار وأمرهم بالخروج بسرعة . فتح خزانة الفصل وأخرج خريطة العالم.وضعها على مكتبه . وضع الرجل الذي يشبهه في الزورق ووجه الزورق باتجاه الضفة الأخرى من البحر وصار يضحك.
اعتـصـام
مر فصل الربيع مسرعا،وتبدت ملامح فصل الحر . شمر الفلاحون في البوادي عن سواعدهم استعدادا لحصد المزروع، وإقامة الأعراس. عن الملابس ذات الأكمام تخلى الناس في الحواضر، ولبسوا
سراويلهم القصيرة . لكن المفاجأة أخرست الجميع. ف " مارس " و" أبريل" و "مايو" ظلوا معتصمين أمام مقر البرلمان وقدموا بذلك صورة قبيحة - حسب المسؤولين - عن وجه الربيع في الوطن.وجاء الخريف وحرث الفلاحون أرضهم ثانية والتحق الأطفال الصغار بالمدارس واصفرت أوراق الشجر وتساقطت. ودرس التلاميذ مزايا الفصول، لكن معلميهم كانوا يتحاشون تحديثهم عن الربيع .وجاء الشتاء وتكاثرت السيول وعادت الأودية إلى منابعها وتفتقت الرتوق وابيضت الجبال بالثلوج، وانتظر الناس الربيع لكنه لم يأت . فمارس وأبريل ومايو كانوا لا يزالون قرب مقر البرلمان وبلغ تماديهم في غيهم درجة إضرابهم عن الطعام.
واختل ترتيب السنة الهجرية أيضا وتعطل شعبان ورمضان وشوال وافطر الناس تلك السنة ولم يحتفلوا بالعيد وصمت الأطفال بعد ان سألوا عن بذلهم والكعك ولم يجبهم أحد.
توقعت بقية شهور السنة من المسؤولين عن التاريخ والتقويم مساءلة الشهور الغاضبة ومعرفة سبب اعتصامها لكن ذلك لم يحدث.واستمرت الأمطار في التساقط ليلا ونهارا واقترب الطوفان ولم خف الناس كثيرا.إلا أن الوحيد الذي كان متيقنا من موته هو شهر"غشت" مادام
لايتقن فن السياحة.
شمـاتة
تألم الأسد كثيرا لما بلغه قرار مجلس الغابة بإعفائه من مهامه. كاد يبكي. قال سرا :
- كل شيء يهون غير شماتة الأعداء.
أما أعداؤه فقالوا :
- سينتحر لا محالة.
بينما الذين كانوا معه لأنه كان راكبا وصاروا مع غيره لأنه نزل، فقالوا:
- لكل أجل كتاب.
- ليس للدنيا أمان.
- "مادايمش".
في عرينه بكى الأسد خفية ولم يبن. واللبؤة تمنعت عنه ليلتها ولأشبال قالوا:
- كان أبونا رجلا صالحا.
ظلت الحيوانات في الغابة غير مصدقة ماحدث، وحده الحمار ضاق صدره بسعادته . ألقى البردعة، استلقى على ظهره وفي التراب تمرغ وحلم:
- لو ينتخبني مجلس الغابة بدلا عن الأسد.
نمـيمـة
الحاج نجيب نمام محترف، لكنه لا يبدأ نميمته إلا باستغفار خاص يورده مباشرة بعد اسم الشخص الذي يفكر في تشريحه. يستهل:
- فلان- الله يسمح لنا من ذكره-......
ثم يغرق في تقطيعه إربا وأشلاء، وشويه وأكله وحين ينتهي يختم باستغفار ثان:
- الله يسمح لنا. نحن لا نتكلم فيه، لكن كل واحد يذكر بأفعاله.
ويزعم الحاج نجيب أنه لا يكلم أحدا عن ثان إلا إذا كان الأول ثقة. لكن أصدقاءه هجروه وصاروا يتحاشونه. ومرة وجدهم متحلقين إلى طاولة في المقهى فكر:
- بالتأكيد هم يتكلمون عني.
تردد قبل أن يلتحق بهم قائلا:
- أنا أحدثكم عني.
إبـــداع
استعصت عليه القصيدة .منذ أزيد من سنتين لم يكتب. أوجس في نفسه خيفة:
- سينساني القراء.
ارتشف رشفة من كأس الشاي المنعنع فلسعته حرارته. مد يده إلى كوب الماء قربه من فمه. عبه كله .أخرج ولاعته البلاستيكية الحمراء فأشعل سيجارة . فكر في القصيدة ظلت مستعصية عليه فجأة صاح:
- وجدتها . أوريكا. وجدت القصيدة.
نظر إلى أشيائه رتبها. أخد ورقة وقلما وصار يكتب:
"السيجارة مائي
والشاي ولاعة
الحمرة كوبنا.
والمفاتيح دخان
انفث تبغك
انفث
فالكراسي شاغرة"
ابتسم فرحا بميلاد القصيدة، وفي نشرها فكر. لكنه سرعان ما تراجع و هجس لنفسه:
- النقاد أ داوتهم معطلة ومستهلكة وقد لا يدركون عمق هذه القصيدة.
إذاعــات
هنا إذاعة " سميرة " : في برامج الليل.
تقول المذيعة:
- مرحبا بعمالنا في الخارج.
يرتد الصدى:
- لا مرحبا بعمالنا في الداخل.
تستطرد المذيعة:
- نترككم - عمالنا بالخارج - مع . . . . .
يقاطعها التقني:
- " أما عمالنا بالداخل فقد تركناهم عند الترحيب "
تخفي المذيعة حنقها، وتعود:
- نترككم عمالنا في الخارج مع أغنية عن العشق والغربة و . . . .
وهناك إذاعة القاهرة في وصلة غنائية مع المطرب الكبير . . . . .
وهنا " سميرة " وهناك " القاهرة " :
القاهرة قاهرة وسميرة مقهورة.
وبين هنا وهناك خبر - في مجلة كثيرة الصور والابتسامات - لم
تذعه إذاعة سميرة ولاإذاعة القاهرة ولا إذاعة أهل سميرة.
يقول الخبر :
- " عزيزي بليغ:
هنيئا لك بالبراءة من التهمة التي نسبت إليك والمتمثلة في الزعم بتحريضك على الفساد في بيتك بين المغربية سميرة. م والسعودي س.س والتي انتحرت برمي نفسها من شرفة بيتك المصون و . . . . . "
ويسأل طفل تعجبه الخرافة:
- وأين دفنت سميرة ؟
- في القلوب يجيبه العاشق.
- وهل القلوب تحفر ويدفن فيها الأموات؟
- حين تكبر يا ولدي وتعشق سميرة. وتغادرك سميرتك شرقا أوغربا وتحترف أقدم مهنة في التاريخ مع أدنس رجل في الجغرافيا.
ستعرف ما معنى أن يكون القلب قبرا.
يخرس الطفل طويلا، ثم يشرع في فك قطع المذياع . .
ذبــول
مد الوردة وابتسم.
قالت لها الوردة:
-لا تصديقه فهو كاذب.
أما هي فقبلته في خده وانتشى.
قالت له الوردة:
- لا تصدقها، ففي شفاهها بقايا من خده.
وضعت الوردة جانبا على السرير ومدت له يدها.اشتبكت
أيديهما.قبلها. ابتلع ريقها ضمها إليه.تأوها . خمدا. صار يتحدثان.
كانت يده تعبت بخصلات شعرها. ويدها تعبت بشعيرات صدره.
- أحبك. قالت له.
- ليس بحجم حبي. رد عليها.
- كانت موسيقى " خوليو " بفرنسيته الركيكة شاهدة عليهما. ولما انتبها وجدا الوردة ذبلت. قالت الوردة:
- أذبلني صدقي وكذبكما.
رصـاص
تساءل ياسر بعد أن بلغه نبأ وفاة أبيه برصاصة شرطي:
- كيف يمكن للرصاص أن يقتل؟؟
ردد السؤال ل أكثر من مرة في داخله. ثم فكر:
أخوه الأكبر يشتغل في شركة لسبك الرصاص ومع ذلك يعود كل مساء إلى المنزل سالما ومعافى.خالته الحاجة الذهبية عندما تزورها النسوة لتقرأ لهن الطالع أو تفسخ عنهن السحور تحضر قطعة رصاص. تصهرها فوق " الفاخر " ثم تدسها في طبق الحلفاء المليء بالدقيق لتخبو فيه . ومن خلال التشكل الجديد لقطعة الرصاص تخبرهن بالكائن وبالممكن وبالمحال.
قلم رصاصه الأبيض المزين بفراشات ملونة لم يحدث أن قتل ورقة أوفراشة.
أعياه التفكير ولم يهتد لسر الرصاص القاتل.
حين أطلق رصاصة على صديقه وهما يلعبان في " عاشوراء " ولم يمت صديقه، جاءه السر طائعا:
- لابد للرصاص من بندقية.
عــقــم
حالتها جعلتها تخبر الأولياء وتعرف تخصصاتهم، وحين دلوها على سيد العابد الوالي الصالح الرابض هناك في جبل " المحصر " فرحت كثيرا. حملت إليه الشموع وديكة حمراء وسوداء وقوالب سكر و . . و . .
ترددت عليه مرات كثيرة . ربما يكون قادرا على أن يهبها " المولود "الذي طالما انتظرته . فقد هدها العقم ، وتوجساتها من زواج ثان لزوجها وغضبه الدائم غير المبرر. في اخر مرة زارت سيد العابد لتبيت هناك كما نصحتها نسوة الدوار، فوجئت بمقدم الوالي يقول لها:
انوي خيرا يابنتي ف " سيد العاقر " بركاته لا حد لها.
بطون
قال الطفل التغلبي، وهو يقلب الجريدة بحثا عن صور ملونة:
- نفروا من برصي.
قال الطفل العبسي، وهو يلمع حذاء رجل متهدل الكرش: عيروني بسواد لوني.
قال الطفل الأسدي ، ويده الصغيرة تتسلق سطح السيارة الفخمة التي كان يغسلها: بالبخل نعتوني.
قال الطفل الحميري وهو يفتش في مقلب قمامة كبير: يقولون إن لا أب لي .
لما سيقوا الى المحكمة لعدم اكتراثهم بعيد الطفولة سألهم القاضي:
- لماذا تم القبض عليكم؟
رد الطفل العبسي:
- لأننا نكره الكبار .
ردد أصدقاؤه:
- لأننا نكره الكبار.
- وهذه السكاكين والسفافيد التي أمامي هل هي ملك لكم.
فكر التغلبي في تبرئة أصدقائه.
- هي لي وحدي.
قال الأسدي والحميري والعبسي بصوت واحد:
- لا، هي لنا جميعا.
التفت القاضي إلى يمينه ، حدق في أقصى القاعة رفع صوته مهددا:
- ألا تعرفون أنها أسلحة؟؟
- نعرف.
- وأنها ممنوعة. ؟
- لا نعرف.
- سأحبسكم.
بعدها لم يتكلموا . ظل القاضي يسألهم وهم لا يجيبون. نفذ صبره. ضرب بمطرقته على المنصة ضربات بحجم الغضب الذي لم يقوى على كتمه. قال:
- ليس لديكم كلام، أم تمتنعون؟
- سنتكلم حين تردون إلينا سكاكيننا وأسفدتنا.
خـردة
حين أحيل على المعا ش قرر أن يشرع في الصلاة ويبدأ رحلة جديدة بين داره والمسجد خمس مرات في اليوم. لكنه لم يستطيع ان يتخلى عن عادته القديمة في التجول في أسواق الخردة. كان يصلي العصر بعجلة، ثم يهرول إلى الجوطية. لم يستسغ الارتفاع في الأسعار الذي طال الأشياء المستعملة حتى صار ثمنها لاسعا.
عند بائع أ ثواب أثار انتباهه لباس غريب وغير مستهلك كثيرا: سال البائع:
- نسائي أم رجالي ؟
- معا. رد البائع.
فاجأه الثمن الذي كان ارخص مما توقع ولما سأله عن اسم اللباس قال البائع:
- نخوة . اسمه نخوة.
طرحها أرضا لأنه يعرف كيف يرتديها وابتعد.كان البائع يلاحقه بصوته المبحوح:
- أؤكد لك يا سيدي أنها نخوة عربية.
شـعـور
لم يعرف ما الذي فعله حتى نزلت على خده صفعة الشرطي البدين .تلتها ركلات وسب و . . . بعدها لم يعد يذكر شيئا.
على الأرض سقط . أغمي عليه . في المستشفى حين فتح عينيه بتثاقل تنهدت زوجته وهمست بصوت مسموع:
- الحمدلله .ثم سألته:
- بماذا تشعر؟
- بالوطنية.
أنا لها
لا يذكر أصدقاء الحجاج بن يوسف أنه شارك في مظاهرة طلابية في سنوات الكلية إلا إذا كانت متعلقة بمنحة الدراسة. ولم يزور الحي الجامعي مرة إلا لرؤية محبو بته البضة القديمة من جبل بعيد في الريف. أحبه أساتذته
لاجتهاده الذي لا يحد. استحقاقاته مشرفة دائما. أما رئيس الشعبة فقد كان راضيا عنه تماما لوقوفه جنبه في المسجد أثناء صلاة العصر.
لما تخرج حصل على منحة لمتابعة الدروس بفرنسا . درس العبرية هناك وفيها تخصص. تفوقه مثبت على شهادة الدكتوراه التي عاد بها من سنوات البرد وغسل الصحون إلى الوطن حالما بمنصب في الكلية. لكن أمله خاب
وطالت مدة عطالته وصار يدخن ويرتاد المقاهي وترك الصلاة و . . . .
تقدم إلى مبارة عمداء الأمن ونجح فيها. وتخرج عميدا. كان يتلقى
الأوامر ويطبقها ويرقى وفي كل نائبة مستعصية يقول:
- أنا لها.
وكلما رن في مكتبه هاتف الوالي توقع أن يقول له:
- من للجامعة؟؟
لكن ذلك لم يحدث.
كـتـابـة
في الصحراء، وقرب مدخل خيمته ، جلس نبيه يدخن سيجارة شقراء مهربة، وقد انتشرت السهام حوله . كان بعضها مكسرا وبعضها الآخر عليه آثار مراق حديثا. قال له الرجل النحيف العاري الصدر والأعزل والذي كان اسمه جميلا:
- نبيه ، من أذن لك بالزواج من بثينة؟
- ومن أذن لك بالتشبيب بها بالرغم من زواجنا؟
رد نبيه وقد صار واقفا:
- أنا أولى منك بها. قال جميل بصوت متهدج.
- زواجك منها لن يكون غير ستر لعارها.
- هي تحبني يا نذل.
ثم إن نبيها هم بصفع جميل ، إلا ان الثاني كان هزيلا فخشي الأول ان يقتله. بصق على الأرض ودخل خيمته.
ونظم جميل القصيدة تلو الأخرى في بثينة. ولم تبالي هي به بعد أن كانت تدبر له أمر زيارته لها خفية من زوجها. فارسل لحيته حتى صرته وباع النوق والغنم والسمن والخيمة وهاجر إلى أوروبا.
وفي حانة في " سيرجي بونطواز " بباريس، لاقاه عروة وقيس وهما
يتأبطان دواوين شعرية أصدروها على نفقتهما وكتبا على صفحة الغلاف
الداخلية :
- كل الحقوق محفوظة للمحبوبة .
سألاه عن حاله وسألهما عن الأهل والصحراء وعلى وجهيهما بدت له ملامح حزن فاضح.
قال قيس :
- ليلى، يا جميل، صارت لغيري.
قال كثير :
- اكتفيت بالصلاة حيث صلت عزة.
بقي جميل صامتا، مسح قيس دمعة مكابرة انفلتت منه. أخرج الديوان من سجن إبطه، مده لجميل :
- هذا ديواني الأخير وعليه ختمي.
- ختم بثينة في قلبي، يا قيس، وقلبها مناي.
تدخل كثير مسايرا :
- كم كتبت عنها من قصيدة؟
- ...
- كم كتبت عنها من قصيدة يا جميل ؟
رد جميل وذكرى لقائه مع نبيه في الصحراء ماثلة بين عينيه :
- تسع قنينات يا كثير.
أضـــاحـي
يوم وصل إبراهيم، البناء الماهر، إلى الورشة في إقامة " سوماكوترا "
هناك في " بييرفيت " سأله رئيس الورش :
- هل معك شهادة تثبت خبرتك في البناء؟
أشار إلى ساعده الأيسر قائلا :
- هذه شهادتي.
اقتنع رئيس الورش بجوابه المفحم وشغله.
يصبر إبراهيم على الجوع ويقهر شهواته وإلى أسرته يبعث بالحوالة تلو الأخرى.
انتهت الأشغال بالورش. تعطل إبراهيم. صبر على كل شيء إلا أضحية العيد لأبنائه في " البلاد " . ويوم العيد لم تغادره المرارة. وفي " البلاد " ضحت ابنته العذرة مع إسباني عجوز عشاها " بيتزا " وسلمها أوراقا مالية كثيرة وملونة. وضحت زوجته ببعض من أثاث البيت واشترت حملا قريبا من الأرض.
لــغــــو
قبل أن يرافق الصغير أباه إلى المسجد لصلاة الجمعة لأول مرة، علمه أبوه كل شيء : الوضوء والركوع والسجود و... أصر الابن على أن يستظهر أمام أبيه التشهد كاملا. لكن أباه ظل ينبهه إلى ضرورة ألا ينسى أمرين فقط هما : ركعتا التحية حرمة للمكان والصمت عندما يكون الإمام يخطب.
دخلا المسجد، صليا الركعتين. بدأ الإمام يخطب. تكلم عن الماء الكهرباء والهاتف والأنترنت و ... و ...
كان الصغير يعبث بقصب الحصير الذي يجلس عليه وبين فينة وأخرى يسأل أباه :
- متى سنعود إلى المنزل ؟
لم يجبه الأب. كتم سخطه وصبر. لما خرج من المسجد شده من ياقة عباءته الصغيرة بعنف. هزه وقال له :
- ألم أقل لك لا تلغ عندما يكون الإمام يخطب؟؟
رد الصغير ببراءة :
- ولكن الإمام كان يلغو.
عـجـــزة
في دار العجزة، يقاسم مارك توين زهيرا بن أبي سلمى الغرفة الضيقة والمتسخة. يلعبان الورق. يعبئان شبكة الكلمات المسهمة . يتحدثان عن الإبداع وهمومه. شعارهما العجوز للعجوز نسيب.
كان زهيرا مكلفا بالسقاية والزجاجة بينهما تحتضر. فاجأه مارك قائلا:
- من غير شك ان الحياة كانت ستبدو اجمل وأروع لو كنا نولد في الثمانين ومع مرور الأعوام نقترب من سن الثامنة عشرة.
- ولماذا الثامنة عشرة؟
- لأن في هذا السن تصنع بنا أيدينا كل شيء جميل ورائع.
- ونموت عندما نبلغه؟
تساءل زهير باستغراب. فرد مارك وهو يحاول أن يكون عادلا في صب آخر جرعات تعطلت في الزجاجة:
- ليس في الكون ما يستحق البقاء بعد.
شرد زهير وعبثا حاول أن ينظم قصيدة.
بــريـــد
وجد الرسالة في صندوق بريده . على ظهرها مكتوب:
- المرسل هل تعرفه؟؟
لم يرهق ذهنه لتذكر الخط المرتبك الذي كتبت به العبارة. فمراسلوه معدودون وبريده شحيح حد الغياب.
همس لنفسه:
- عرفتك يا حبيبتي، لكن خطك من ثقفه. ؟؟
هــاتــف
خرس هاتفه منذ غيابها ، ولم يعد يسمع ذلك الرنين الذي كاد يصير جزءا من أشيائه الصغيرة المرتبة بلا ذوق ولا اكتراث.المرة الوحيدة التي رن فيها الهاتف. نط إليه. صعقه صوت موظفة البريد :
- يؤسفنا أن أبلغكم عزم وكالتنا على وقف اشتراككم حتى تسووا وضعيتكم الحسابية.
حضــانـــة
تجلد الصغير محمد وحاول ان يبدو رجلا. حمل الرضيعة سارة الباكية في كفيه الصغيرتين. في فمها وضع الرضاعة. سكتت. قبلها.
أحس بشيء ما يؤلمه في صدره. قرر :
-لا بد أن أتحمل.
نامت الرضيعة . وبجانبها استلقى محمد.كانت سناء تراقبهما معا. وهي ترفض أن يمشط شعر عروستها.
قالت لأيمن :
- بنتنا لابد أن تنام .
هز أيمن كتفيه الصغيرتين. قال:
- يجب أن نكبر عن هذا الشغب.
- أي شغب تعني؟
- شغب الصغار الذي يسمونه " عريس وعروس "
- لكننا لازلنا صغارا.
- أنت نعم ، أما أنا فكبير.
أخرسها جوابه. حاولت ان تجنح به إلى حديث آخر قالت:
- ما أسعد ذلك العريس بعروسته.
وأشارت إلى محمد والرضيعة. ضايقه كلامها. فك من بين يديها
الدمية وألقى بها بعيدا وانصرف.
خلفهم جميعا تجلس امرأة ثكلى في سرها تقول:
- تعسا للآباء وللأمهات حين يقوون على فراق أكبادهم.
خـريطــة
أنجز التلميذ تمرين مادة الجغرافيا لوحده. لم يستعن بأحد. هولا يتقن شيئا اكثر من رسم خريطة الوطن، وقلب مخترق بسهم في الوسط.
على قفاه، نزلت ثقيلة يد معلم الجغرافيا . فزع التلميذ . سأله المعلم:
-ماذا طلبت منكم ؟
- رسم الخريطة.
- وبدون أودية ولا أ نهار. ؟؟
- نعم.
- لم رسمت إذا هذا النهر. ؟؟
رد التلميذ وهو يمسح الدموع بظاهر كفه :
- ليس هذا نهرا ، هذه مدينة تبكي.