الاربعاء, 26 ابريل, 2006
هي ...و… أنت
هي تعشقُ الحلاج سرّا
فاعتقلها
يركع
الوجد على نعليك
ويسري
نحوك النهر
يشكو
من ظلام حجارة
سكنت
جثمان دفلى
نبتتي غيرتْ
سحرَها
الذي كان مرّا
***
هي تقصفُ البصرة ليلا
تصلب
نحاة لسنك ظلما
إذ نزعوا
الخافض
والواطئ
والوضيع
ولم يتزلفوا
لفـــعـــل تعدّى
أو تبــــدى
لازما حدود الشرعِ
في الرفعِ
لفاعل ،
لا ضمَّ يثقله
إذا كان المفعول به نهدا
فاعتقلها
يرحلِ السكون بعيدا
ترجع الفوضى إلينا
فتحُنا
غاب حزينا
كسرُنا
دام سنينا
فانصِب الأخبار
وانصَبْ
زهدهم كان كمينا
***
هي تسكب الأشعار ماء
في الخليل وحيفا
والخليل العليل
يترجم
نثره للعالمينا
فاعتقلها
يزهر القصيد خريفا
تشرق القوافي علينا
يهزم الحرف جيوشا
شككتـــنا
في ذوينا
***
هي تسرق الأحلام عصرا
من فراش الغائبينا
تصدر العفو
عقابا
بلسان الحانثينا
فاقسِم الجلاد صبرا
وأقسم
أن تعتقلها
تردي الكرباج قتيلا…

الاثنين, 24 ابريل, 2006
" أحلام بقرة"
بساطة الحكاية و تعقد التأويل
جمال بو طيب
" الحالم هو الذي لا يجد طريقة الا في ضوء القمر،و الذي كعقاب له، يرى الفجر قبل الآخرين."
q اوسكار وايلد
تستدعي طبيعة النص الروائي"أحلام بقرة" لمحمد الهرادي قراءة تستنطق النص في ضوء ما يحيل عليه من تأويلات و تصورات، هذه التأويلات و التصورات قد ينفتح عبرها النص على واجهات جديدة تسمح باعادة هيكلته ثانية و ثالثة، لاسيما و أن الرواية، هذا الشكل اللغوي، تتميز بثنائية التشابك و التعقيد في كل مكوناتها من لغة و شخصيات و زمان و مكان و فنية.
و إذا كان العنوان " يمدنا بزاد ثمين لتفكيك النص(...) و يقدم لنا معونة كبرى لضبط انسجام النص و فهم ما غمض منه" فإن عنوان نص الهرادي يتكون من وحدتين او كلمتين: "أحلام" و "بقرة".
الاولى جمع ( بمعنى أن الأمر لا يتعلق بحلم واحد أو حلمين و لكن بأحلام كثيرة) و تستمد اثارتها باسنادها الى الكلمة الثانية من العنوان: "بقرة" حيث تطرد التساؤلات: هل البقرة فعلا تحلم؟ بماذا يمكنها ان تحلم؟ و كيف يكون حلم بقرة؟ إلخ..
و تتعقد بنية العنوان بتجردها من اية قرين ة زمانية او مكانية، فلا نعرف( قبل قراءة الرواية طبعا) هل الامر يتعلق بأحلام ماضية أم حاضرة أو مستقبلية كما لا نعرف ايضا الفضاء المكان لهذه الأحلام.
فالعنوان- الذي يكون عادة سندا حقيقيا لتصور اولي حول النص كما يساهم في تفكيك النص و اعادة بنائه – في رواية أحلام بقرة يكتفي بالتأكيد على ان المحكي يرتبط بالمتخيل و لا يمكن ان يكون شيئا حقيقيا فهو مجرد أحلام، و لكن مهما قيل عن هذه الاحلام فإن لها ارتباط بالواقع باعتبار ان الحلم جزء من النشاط الذهني للحالم، و لانه يبقى " نفقا يمر تحت الحقيقة" كما قال بيير ريفيردي. هذه العلاقة بين الحلم و الحقيقة و بين الواقع و المتخيل هي ما نسعى الى كشفه من خلال هذه القراءة.
ما تحكيه الرواية بسيط و لكنه في نفس الان معقد.
انسان تحول الى بقرة و بدا رحلته لاستكشاف العالم الخارجي بكل لوثاته و تناقضاته، تحكي الرواية عملية التحول: " استيقظت مغمض العينين، خدر لطيف يلف دماغي الاعمى، و أنا ادرك من اكون، دماغ المساعد التقني لا يمكن ان يحيا او بالاحرى أن يديم حياته الا في قوارير المختبر او في حيوان ارقى من الآدمي. و من اكون، و ادركت نتيجة طبيعة الادمية انني احيا في جسد حيوان اخر، جسد كريه امقته، جسد بقرة" ص 8.
هذا التحول هو اولا استلاب لانسانية البطل (محمد) و هو ثانيا اهانة لكرامة انسان يمكن اعتباره متميزا ( مساعد تقني). و لكن لماذا هذا التحول الى بقرة بالضبط دون غيرها؟ تقدم الرواية تعليلاتها المتمثلة في قرب البقرة من الانسان و لرقيها و " الاهم من ذلك ان البقر اشهر حيوان في اليهودية" ص8.
فالرواية بتعليلاتها هاته تحاول ايهامنا بان البقرة هي الحيوان الانسب لدماغ محمد الا اننا قد نشك في حيادية و براءة هذه التعليقات ما دامت تعليلات مقدمة من طرف الدكتور الذي هو بشكل او باخر يمارس سلطته على محمد، و هكذا فان اختيار البقرة قد يكون له ارتباط بالحيوانية ما دامت الانسانية استلبت من جهة ، كما ان له ارتباطا بالاستغلال و ممارسة نوع من السلطة و الدليل على ذلك ان البطل بعد عملية التحول غير راض عن هذا الجسم الذي يحتضن دماغه " جسد كريه امقته" ص 8. فحرية محمد الانسان اذن مغيبة و مقصاة، هذا التغييب أو الاقصاء و ان كان بسبب من بيدهم مصير محمد (الدكتور خاصة) فإنه يكتسب عمقه حين يتضح ان للبطل يدا فيه. فقد تنازل عن كل شيء ( انسانيته، كرامته، حريته، مطامحه) مقابل شىء واحد هو الحياة " أهملت كل شيء(...) من أجل ماذا؟ نعم.. من أجل أن أصير مخلوقا بشريا حقيقيا" ص9 و لكنه للأسف لم يصر مخلوقا بشريا حقيقيا و لكنه صار مخلوقا فقط، صار بقرة..
محمد الانسان – البقرة معادل لمحمد البقرة- الانسان، لاشيء يهم عدا الحياة و الاستمرارية، كل التسميات و الالقاب زائدة و محتملة بخصوص التحول نلاحظ اذن:
1.ان محمد اجبر على التحول و لم يختره.
2. ان محمدا تحول بواسطة مساعد او محول.
3. أن محمدا لم يختر الحيوان الذي تحول إليه.
هكذا يكون محمد محكوما في كل مراحل حياته. قبل فترة التحول ( مساعد تقني متنازل عن ابسط حقوقه) و بعد التحول( فظاظة الاعمى و استغلال طير بكر- احتيال موسى و عيسى- سخرية الناس- التسول بواسطة محمد/البقرة..الخ).
فمحمد الذي يظل يحلم بالحياة بمعناها الاخلاقي السامي حيث كرامة الانسان توضع فوق كل الاعتبارات، لم يكن نصيبه من هذا الحلم و هذه الحياة الا التنفس.
· فبل التحول: التنازلات و تضييع الفرص.
· بعد التحول: الاستلاب و الاستغلال.
· النهاية الحتمية: الموت، و قد يكون هذا الموت بواسطة الذبح كتعبير عن اقصى درجات العنف الممارس على محمد.
ان الانسان في مجتمع كمجتمع محمد البطل لا يرتاح امثال الدكتور الا اذا بقروه و نصبوا له قرنين.
فهمهم الوحيد هو خفض هذا الانسان الى مجرد تابع لا يفهم، و اذا فهم لا يناقش، و انما يظل مترددا تائها محتارا " عندما تبقرت اختلط الامر علي، هل ينفع سلوكي مع البشر ام مع البقر؟ ادركت الا شيء يفرق بينهما سوى حرف واحد" ص8.
هذا الحرف الواحد (ب ش ر) ( ب ق ر) هو دماغ محمد الذي لا يزال نابضا بالحياة و الذي ينعم بقوة التمييز، و الذي من جهة ثالثة يمنح للانسان فرصة التفرد و التميز عن الحيوانات من جانب و عن البقر من بني ادم من جانب اخر" كل هذا اللحم الذي تحمله يا محمد مجرد خراء، رأسك هو كل شيء"ص12.
ان البقرة التي تحول اليها محمد هي بقرة من نوع خاص، فهي ليست بقرة هندية مقدسة و لا بقرة هولندية مراعاة محترمة.. و لكنها بقرة تنتمي الى مجتمع محمد، بقرة بكل ما تحمله الكلمة من معاني البلادة و الغباوة و الدونية و الاستغلال، و من أجل ضبط هذه الحقيقة و حتى لا يعتقد محمد انه شيء اخر غير بقرة بالرغم من دماغه النابض بالحياة ظل الدكتور يوصيه "كن حذرا يا محمد، انت رومانتيكي، و لذلك ستتعب حين تصير بقرة، ستحرمك قوة الاشياء صحة اليقين، و ستدعو لنفسك بالموت، لانك ستصير معدما، سنحرمك لذة الاحساس بالانتماء، لن يصير لك رأي او عاطفة. سنقنعك لتبقى دونيا في خدمتنا، انت بقرة، و لذلك لن تقرأ الكتب و لن تستمتع بالموسيقى او بفراش دافىء. سنسكنك مزبلة و لن تصير موضوعا لنا الا حين نقطع اجزاءك بالشوكة و السكين، سنشرب امامك و نلاعب النساء، دون ان يكون لك حق التعليق، اننا نحكم البلاد و انت واحد من متعنا" ص29. فالتبقير اذن، له مفهومه الخاص عند امثال الدكتور، فهو يجمع بين العدمية و اللاإنتماء و اللارأي و اللاإحساس و الدونية و اللاوعي و اللاذوق و التهميش و الاستغلال. الانسان – البقرة:
- العدمية ( ستصير معدما)
- اللاإنتماء ( سنحرمك لذة الاحساس بالانتماء)
- اللارأي ( لن يصير لك رأي)
- اللااحساس ( و لا عاطفة)
- الدونية ( في خدمتنا)
- اللاوعي( لن تقرأ الكتب)
- اللاذوق ( لن تستمتع بالموسيقى)
- الاستغلال ( نسكنك مزبلة و نقطع أجزاءك).
الانسان اذن بقرة و البقرة متعة، و بالتالي فالانسان هو المتعة الحقيقية لمن يتكلمون بصيغة الجمع " نحن" و يضعون انفسهم فوق كل مسؤولية من جهة و فوق كل مساواة من البقر الانسان او الانسان البقر من جهة ثانية.
ان البقرة في رواية " احلام بقرة" لا يمكن ان تكون محمدا لوحده و انما هي زمرة محمد و الذي سيفقد كل ما فقده محمد عند التحول من الانسانية الى التبقير. و حتى و ان لم تكن البقرة او البقر هو الشعب الذي ينتمي اليه محمد فان هذا الشعب لا يمكن ان نضفي صفة البشرية عليه لانه لم يكن بقرة فهو اما حمار او طائر او قطة او كلب او جرادة " رايت جرادة صغيرة تساقطت مع الاوراق الذابلة و دفنت نفسها في رقبتي.. و تملكني حنين لا مثيل له، فربما تكون احد اصدقائي و قد حولهم احد دكاترة الحكومة الى حيوان ضئيل"ص15 هذا الاحتمال الذي قد يبلغ درجة اليقين يصدق على كل الحيوانات التي ذكرت في النص الروائي ( الحميرص22، القطط و الكلاب ص 22 الجرادة ص 15 طير بكر) و كل حيوان له بطبيعة الحال دلالته الرمزية و التي قد تختلف من شخص لاخر.
ان محمد البقرة و كل من يشبهونه يعيشون حالة اغتراب قاسية و انشطار قوي، حالة استلاب مزدوج. لا يندمجون مع البشر لانهم بقر غير حقيقي و لهذا فان محمد في نهاية الرحلة ( المغامرة) الرواية لم يحركه ذكر اسمه الحقيقي " و لم اعر اهمية لذكر اسمي المجرد فانسانيتي مجرد احتمال"ص88.
فثنائية التشابك و التعقيد و البعد الدلالي لشخصيات رواية" احلام بقرة" يجعلانها – على غرار سائر الروايات – تفقد حياد خطابها و براءته و يمنحانها صفة التركيب على اكثر من مستوى فيبدو المحكي بسيطا و عاديا و لكنه عندما يتناول يمتلك تعقده و غرابته.
ان ما حكته الرواية و ما انتهت الينا يتلخص في الحيرة التي تنتاب البطل و من خلاله الكاتب و المتلقي و التي عبرت عنها الرواية في الصفحة 65:" كنت اسير كالحالم (...) حسبت نفسي انني تهت في القدم و ان زمني قد انتهى بتحولي و خروجي. و ادركت ان علي ان ابتدىء من البداية و لكن اية بداية؟"
قد تكون هذه البداية هي بداية الحلم او بداية الحياة او بداية الانعتاق او بداية البداية و لكنها بداية لا زالت تبحث عن زمنها و مكانها، انها حلم و بالتحديد حلم بقرة.
رواية " بداية الصراع" لأحمد البكري السباعي
تبدأ رواية " بداية الصراع" للسباعي و يبدأ الصراع، و تنتهي الرواية و لا ينتهي الصراع. هذا الصراع لا يبدأ من صفحات الرواية فحسب، و إتما من الغلاف الذي صممه المبدع عبد الله الحريري. إذ أن محاولة استنطاقية لهذا الغلاف ستضعنا أمام عدة ألوان و أشكال. فالجزء الأكبر من مساحة الغلاف يسيطر عليه اللون القمحي ( لون الصراع)، و دائما في نفس اللون تبدو زوجان من الأيادي تسيران نحو الاشتباك، و بالتالي نحو الصراع، و لم يبق بينهما من اللون الأبيض غير القليل، و هو المحجة البيضاء و رمز الاتفاق و الوئام. و فوق اللون الأبيض، و بين الأيادي يرتسم خط أحمر فاصلا بين طرفي

الاثنين, 24 ابريل, 2006
المرأة و تشاكلات الرمز بالواقع
قراءة في « الحكاية تأبى أن تكتمل» (*)
بقلم : الطيب هلو
يتشكل فعل الحكي من مكونات عدة أن على مستوى رؤياه أو لغته أو شخوصه محققا عبر التركيز على بعض هذه المكونات تميزه من جهة و تجانسه من جهة أخرى مع الإبداعات المسماة به أو الراسية على ضفة من ضفافه، كما أن من بين أكثر الشخوص حضورا في المتن القصصي و الروائي المغربي: المرأة، وهذا الحضور يتوزعه قطبان: قطب المرأة / الحبيبة وقطب المرأة / العاهرة، لكن هذه القولبة أو الأمثلة للمرأة لا تخفي، ولا تمنع من القول بإمكانية وجود مواقف أخرى ترسو على مرفئ الكتابة القصصية المغربية، عبر تحميلها دلالات رمزية أو عبر إخراجها من الحيز المألوف إلى اللامألوف في حدود المسطر و المعقول.
أن القصة المغربية القائمة على حس رومانسي تتيح امكانية البحث عن المرأة / الحبيبة و القصة التي تقوم على حس واقعي انتقادي بالدرجة الأولى، تنطلق من تصور للمرأة /العاهرة. مع هامشية تصورات أخرى، باستثناءات قليلة، لكن الدلالات الرمزية للمرأة قد تجعل منها وطنا أو قضية أو لعبة أو...ولا ننكر، بعد هذا، القول بأن هناك مجاميع قصصية لا تحظى فيها المرأة إلا بنصيب خافت ومنها المجموعة التي سنتناول هنا بالقراءة و التحليل.
I- تشكلات المرأة في « الحكاية تأبى أن تكتمل»:
أشرنا إلى أن المرأة لا تحظى إلا بنصيب خافت داخل المجموعة، حيث أن المرأة تعتبر عبورا هامشيا ( الحكاية تأبى أن تكتمل ص27) وتغيب في بعض القصص غيابا مطلقا وتاما( غفوة- لعبة التخمين) وتحضر في بعض القصص، وحضورها هذا يتراوح بين 1) المرأة الحبيبة: كما في ( تقاسيم على أخر مقامات زمن الموت- الكوجيتو- العصفور الشاعر) حيث المرأة هنا تتراوح مواقفها بين القوة( نم مطمئنا يا حبيبي) و الضعف ( تركت الدموع تنحدر على خديها الشاحبين بكل حرية)ص16. وتتراوح علاقة الحب بين انكسار الذات من جراء الفراق نتيجة الموت( العصفور الشاعر) وبين اللقاء ( فتاة التصقت بشاب تحت مظلة سوداء جميلة و كنت وحيدا كنجمة الفجر) ( الكوجيتو) ففي مقابل وحدة السارد كان اللقاء والألفة بين الشاب والشابة ويتأكد في « الكوجيتو» ذلك التجاذب بين القوة والضعف بل و الرغبة في الأضعاف( هناك وسيلة واحدة لهزم امرأة ما...) ذلك أن هذا القول عاكس لقوته، ومبرز لحمله بهزمها المرتقب، بل ذلك يتغلغل في عمق القصة حيث ثنائية القوة و الضعف داخل الشخصية الواحدة( بجمال وسحر حواء الأبدي، وقفت خلف القضبان.رأيت في عينها مقاومة عريضة لرغبة حقيقية في البكاء) (ص46).
هذه المقاومة سرعان ما تحولت إلى هجوم:
(- هل تعرف؟
- ماذا؟
- أنت لا شيء.
لم أرها بعد ذلك ولم انس طعنتها) (ص46).
2) ومن بين الأنثى المقاومة الرافضة حتى لنواميس الحياة ( الحكاية تأبى أن تكتمل) إذ أن المرأة /الدجاجة ترفض العهر بأشكاله( نحن لا نرضى أن نتحول إلى مجرد مومسات يحسن المضاجعة. فلابد من مساواة المرأة و مطالبتها بالمساواة... ولا يقف القاص في حدود الحديث عن امرأة من نوع عادي إذ ينتقل إلى الحديث عن امرأة( تحس بالأسف والخيبة والألم) فهي امرأة متذمرة باستمرار و ساهرة على خدمة ابنها وزجها( تعد له الفطور...تكنس، ترتب الفراش، تفعل أشياء كثيرة، تفكر في إيقاظ ابنها، تجد الوقت مبكرا، تعود إلى فراشها، تستلقي على ظهرها...)( ص50) ثم أنها امرأة مؤمنة تتوضأ و تصلي و تستغفر ولكنها، في ذلك، ساذجة إذ ( تتوضأ وضوءا غريبا و تصلي صلاة خاطفة) ( ص50).
إن عنونة الفقرة بـ(إمرأة غير عادية) خداع للقارئ ذلك أن ما قيل عن هذه المرأة شيء عادي، إنها الأنثى البسيطة إنها الزوجة و الأم، إنها المرأة البسيطة في حياتها عبر أعمالها المنزلية الروتينية و في أحلامها عبر قول القاص( تعود إلى فراشها، تستلقي على ظهرها، تشتبك أصابع يديها خلف رأسها، تتجاوز رجلاها طول اللحاف، تتذكر مثلا شعبيا قديما) ( ص50) إنها تتذكر المثل القائل( على قدر لحافك مد رجليك)[ مثل عربي] عبر ايحائيته على ضرورة خضوع منطلق الأحلام لمنطق القدرة على الإنجاز و حسب الإمكانيات- ويستمر القاص في تنويعاته « النسائية» حيث يقدم نموذج امرأة متعالية ( طلعت ميمونة فوق الزيتونة ولما صارت ميمونة في أعلى الزيتونة أحتار ميمون، نظر إليها، ثم نظر إلى رجليه المشلولتين و إلى العكازين، بكى و شكى و استظهر أمامها كل أشعار التوسل و العتاب التي يحفظها- قال أنه يستعد لفعل أي شيء من أجلها، يدافع عليها و يدفع عنها القبيلة(...) لمن ميمونة أبت و اشترطت على ميمون، أن كان يحبها، أن يكابد و يصعد الزيتونة)(ص35) لكن المرأة هنا ليست متعالية بالمعنى السلبي و إنما متعالية بالمعنى الإيجابي في محاولة رفع الرجل المشلول العاجز إلى مستوى ما، لكن هي أيضا يخونها ضعفها( بكت، و بكى ميمون لبكائها...فاختلط الدمع بالدم على خده)ص36 و هي امرأة تائبة( ميمونة تستغفر لذنبها) و مقاومة ( تقاوم لعنة العشاق والأشجار والطيور والأحجار). و متنازلة ( لماذا صعدت يا رب فوق الزيتونة الملعونة) ورغم انتقال القاص بين التقاسيم إلا أن ميمونة تستمر في ندمها و حزنها( ظلت ميمونة تندب حظها وتستغفر لذنبها، تتساءل كيف سولت لها نفسها الإعتداء على ميمون، ندبت خدها و نفشت شعرها و شقت أزارها). بل إنها تتحول من معتدية إلى مدافعة عبر فعل التحول الخفي/ الجنون، بقولها: ( أنا المعزة الصينية، و اللي كرونها ذهبية و اللي عور ميمون يخرج هنا يبارزني) أنه عودة إلى الصراع، لكنه صراع مع الذات باعتبارها « فقأتت عين ميمون» و ستبارز من « عور ميمون» (ص35).
II- « مريم» أو رمزية المرأة/القضية:
تشكل «مريم» كشخصية عنونت بها إحدى قصص المجموعة دلالات رمزية متعددة انطلاقا من حضورها كرمز تاريخي في مرجعية دينية، فمريم رمز للطهر (مريم العذراء) وهنا تتحدد دلالتها، و مريم في النص هي مريم في المرجعية، مع اختلافات، فإذا كانت في القصة اتهمت بالعهر غير مبالية به( ...أنا لا يهمني أن أنتم نعتموني بالعهر، فليس الععهر حرفتي ولا رغبتي) فمريم في المرجعية الدينية متهمة به أيضا( يا أخت هارون ما كان أبوك أمرأ سوء وما كانت أمك بغيا)، لكن مع اختلاف جوهري و ائتلاف أيضا، يتوضح كالتالي:
- مريم القصة # مريم ( المرجعية).
- الاتهام بالعهر # الاتهام بالعهر.
- عدم الإنجاب # الإنجاب.
- اغتصبت # لم يمسسها بشر
- فاعلة ( تبرق ثلاثا بدانا و بزي عسكري) # مسالمة ( تهز جذع النخل لتأكل).
- تصارع سلطتين: 1) القبيلة عبر الاتهام بالعهر2) الرجال الثلاثة: بزي عسكري# لا تصارع أحدا ( تكلف المسيح بالرد على قومه).
إن هذه السلطة التي تصارعها مريم قوية ( بدانا- مسلحين) و متعددة( القبيلة - ثلاثة رجال) في مقابل ضعفها ( كنت وحيدة، جردوني من ثيابي يا أمي و ناموا معي تباعا) ( بكيت ضعفي و طفولتي). إذن فالقصة تسير في إطار ثنائية الضعف و القوة( لا تبكي يا أمي، سأنتقم منهم، و سأجدهم من زيهم العسكري و سأحلق رؤوسهم، فقط ، أنت تبكي، فهم إثما أرادوا دمعك و دمي) ( ص32).
لكن السؤال المطروح هنا، ألا يمكن أن نستخرج من مريم باعتبار مرجعيتها الدينية( أرض فلسطين) و مريم باعتبارها المرأة المغتصبة المتصارعة مع سلطة ما رمز للقضية الفلسطينية المغتصبة؟ يمكن أن نلمح من خلال ما قيل بعض الدلالات على ذلك،إذا أن الاغتصاب كان على حين غرة، و أن التحالف كان قويا( ثلاثة) و اتهامها بالعهر، و عبر الرغبة في التسلح.
إن استخراج دلالة رمزية للمرأة داخل النص القصصي هو إخضاع ذلك لقراءاتنا و مرجعتنا التي حاولنا التجرد منها قدر الإمكان، لذلك نترك للقارئ حق الاكتشاف و الاستنباط انطلاقا من مرجعيا ته التي يمكنه من خلالها ما لم نقرأ و اكتشاف ما لم نكتشف.
نختم هذه القراءة بالقول أن المجموعة القصصية « الحكاية تأبى أن تكتمل» للقاص جمال بوطيب، مغامرة على مستوى اللغة و على مستوى الرؤية، ولكن هذه المغامرة تتميز بـ«الانضباط الأخلاقي» لقيم معينة حيث حافظ القاص على أخلاقيات وقيم معينة على مستوى اللغة/المعجم، والموضوع مخرجا مجموعته من دائرة الأعمال الإباحية المتسترة تحت ظل الواقعية، والتي لاترى في المرأة غير عاهرة، إضافة إلى ذلك نشير إلى غياب الوصف الجسدي لهيكل امرأة على مستوى المجموعة ككل.
● الطيب هلو
(*)« الحكاية تأبى أن تكتمل» جمال بوطيب. الطبعة الأولى 1993 مطبعة SNIP (وجدة).

الاثنين, 24 ابريل, 2006
رهان الخسران الجميل
قراءة في المجموعة القصصية :
(( برتقالة للزواج …برتقالة للطلاق )) للقاص جمال بو طيب
بقلم: عبد النبي دشين
إن الإحساس بعنف المكان دفع إلى انفتاح الذات نحو أعماقها لاستبطان عوالم أكثر رحابة وصدقا، وإن الارتداد على هذا المستوى يسوغ الالتجاء إلى البنيات الدائرية المغلقة على مستوى الحكي أيضا .
(( العالم هو خيالي أنا )) شوبنهاور
ارتكازا على هذا القول، يمكن الولوج إلى عالم المجموعة القصصية التي صارت فيها الذات الساردة مرصدا للإحساس والوعي بالعالم عبر إعادة نسج علاقات جديدة، تؤشر على أن نمط الوعي السائد بالواقع يشوبه خلل ما. إنها تجربة تراهن على خرق اليقين والدفع بكل الأشياء إلى محك محايد يضمن الانتهاء إلى مساءلة كل شيء وعدم الارتكان إلى المسلمات الجاهزة والبدهيات المعلبة .
فقصص المجموعة تنطبع بنفحة اللايقين حيث الجري وراء سراب يفضي إلى الخواء والهباء، مما أتاح إمكانية التعدد في العوالم التخييلية، وعليه فالصوغ الحكائي في المجموعة يشي بالتحرر من إسار القوالب الجاهزة، إذ إن المجموعة لا تتجه في انبنائها اتجاها متماسكا، إنها تبلور بذلك مجال الكتابة الشذرية ذات السمة الإيحائية والمكسرة للخطية، وهذا ما يسوغ حضور العناوين الفرعية, والتقطيع الطباعي الذي يحدد مجال التمايز بين الصمت والكلام . بين طول الجملة وقصرها، وإلى ذلك يعزى التنوع الواضح على مستوى المتواليات السردية في كل قصة من قصص المجموعة يشتغل الصمت في المجموعة. بكل تجلياته بشكل مثير سواء من حيث النفس اللغوي الذي انطبعت به النصوص عبر الاقتصاد في اللغة وإقامة الحواجز من خلال علامات الترقيم، ونقط الحذف والبياضات، أو عبر حضوره كمكون مباشر لاسيما في نص المقبرة الذي جعل من الصمت خلفية لانبنائه لدرجة يمكن الإقرار معها بأنه الشخصية المركزية في النص. فانطلاقا من العنوان يتشظى هذا المكون، لما توحي به المقبرة من دلالات وابدالات لغوية لهذا المفهوم. إنها فضاء الصمت بامتياز ومعها يصير رديفا للموت, من الجملة الأولى نواجه بالصمت: ً... توقفت حركة الزمن لتعلن عن صمت رهيب ً . (1) أول ما يثير في هذه الجملة أنها تبدأ بنقط حذف مما يحيل على مسكوت عنه محذوف، جاء فعل توقف ليعلن نهاية أحداث وكلام سابق عما يرويه النص فيصير هذا الأخير تجليا لصمت سابق وتصدية له.
إن الصمت في النصوص يعكس في أحد تجلياته حالة الفقد والحرمان, فقد/ المرأة، بما هي منفى الذات المكلومة والمنهارة أمام اختيارات واقع يقهر كل ما هو حميم: ً بكيت كثيرا، رغم رأسي التي تؤلمني بكيت، لم أكن أصدق أني افتقدتها إلى الأبد ً (2)
إن هذه الحالة قد وسمت النصوص بنفس نوستالجي، يطفح بانسلال اللحظات الجميلة وانسيابها وفق إيقاع مشوب بحنين جارف ليلعب فعل التذكر دورا في الاستعادات المتكررة وأحيانا الخائبة التي لا تعمل إلا على تعميق الجراح. ً كانت دائما تذكرني بزواجنا وبالمستقبل وبالطفل الموعود الذي سيحقق أحلامي وأحلامها ً. (3) أو استغوار الذاكرة للنفاذ، إلى المناطق الظليلة حيث مرتع، الطفولة ً فاكتشفت متأخرا كم كان يخادعنا الكتاب الصغير بعباراته المغرية: ً يا اخوتي جاء المطر
هيا اجلسوا تحت الشجر ً. (4) يساهم المطر في قتامة المشهد, وشحن الجو الرمادي الذي يغلف الأشياء والناس، موظفا في بعدين متوازيين، فإلى جانب تطعيم المناخ الرومانسي, يعمل على تحديد رؤية الشخصيات لذواتها وللعالم من حولها، فتغدو رؤية كابية تنطبع على كل ما تقع عليه العين بل حتى العلاقة بالقصة في نظر القاص لم تنجو من هذه الرؤية السوداوية : ً أهو سر سأفشيه حين أقول لكم أن كل ما يربطني بالقصة هو لقاء شتوي قاس في غابة صقيع قاس ً. (5)
لعل ما يثير استحضار القاص لصور المطر هو تكرار تلك التي تحظر فيها المرأة مما يدفع إلى ربط هذا المشهد بحالة البحث عن الدفء في بعدية المادي والرمزي، لأن لا شيء يمكننا من مقاومة صقيع الحياة إلا وجود علاقة حب تدفئنا وبها نقاوم ثلجية الوقائع اليومية: ً من بعيد تناهت لي طرقات حذائها ذي الكعب العالي، التفت نحو مصدر الطرقات رشيقة كانت، تحمل مظلة موردة تقي بنيتها الأنيقة من عبث المطر ً.(6)
وبين الهروب من وإلى المطر تؤسس الذات علاقتها بالعالم عبر التعلق بكون الشتاء العاكس بجلاء الإحساس العميق بالتوق إلى فضاء الصفاء والعذوبة والتلاشي : ًـ علينا أن نسرع قبل أن يدركنا المطر. قلت لها
ـ أنا أحب أن أمشي تحت المطر ً(7)
وبذلك تصبح معالم الخروج انعكاسا مرآويا لذوات الشخوص، إنها ذوات تعيش حالات الكآبة والحزن في أقصى درجاتها، فتصبح الغرفة مصدر نفور وإبعاد بدل أن تلعب دورها كمأوى يحضن الكائن: ً غادرت ما اسميه غرفتي إلى الشارع، ابتعت.
سيجارة بلا مصفى، أشعلتها نفثت دخانها في الهواء ً (8)
غير أن الشارع بدوره لن يشكل خلاصا ما دام هو الآخر قد كسته غلالة قاتمة زاد من حدتها اتصافه بالضيق والاتساخ. وشكلت الصفة الثانية إبدالا لغويا لمفهوم الضيق لما تبعثه في النفس من انقباض: ً الشارع الضيق المتسخ خال وموحش بدا كئيبا وقد فضحت البركات المائية الكثيرة عيوبه ً.
ً في الشارع الضيق المتسخ والذي بدا كئيبا بسبب البرك المائية الفاضحة ً. (9)
نلاحظ نفس الجملة بتحوير تركيبي أملته الرغبة في التأكيد. لذلك تغير الذات سعيها نحو الشارع كفضاء غير مخلص إلى الغرفة مرة أخرى : ً مكتئبا كنت أعود إلى المنزل وكان أبي يلاحظ اكتئابي ولا يكلمني ً.(10)
لكن سرعان ما نجد أنفسنا أمام عنوان لنص ارتكز على الغرفة في نص (ثلاث غرف تخادع المدينة)، بحمولتها السلبية كفضاء يدعو إلى النفور ولا يحظى بالاستحسان. فهي في هذا النص فضاء للخيانة والزيف والسقوط في مهاوي الإساءة الأخلاقية والاجتماعية، ولعل ارتباط الغرفة بالمدينة يقوي هذا التوجه، إذ تصير المدينة بدورها مجالا خصبا لتناسل الأكاذيب والمراوغات والياء الاجتماعي بكل تداعياته، وفي حضور الليل كزمن مبهم ملتبس محفوف بالأسرار نتهيأ للمفاجآت، كل الأشياء الغريبة تقع في الليل: ً خارج الغرف: المدينة مستسلمة عن طواعية لنوم عميق، والليل سيدها الذي لا يقهر في الدروب تفرقت دوريات الشرطة باحثة عن كل شيء وعن أي شيء. وفي غفلة من الليل والدوريات كانت ثلاث غرف مضيئة تخادع المدينة ً (11)
إن الإحساس بعنف المكان دفع إلى انفتاح الذات نحو أعماقها لاستبطان عوالم أكثر رحابة وصدقا، وإن الارتداد على هذا المستوى يسوغ الالتجاء إلى البنيات الدائرية المغلقة على مستوى الحكي أيضا:
كل صباح وبلا رغبتي أصل متأخرا
كل صباح يشتمني السيد المدير
كل صباح أعتذر
كل ظهر أعود مكتئبا إلى بيتي
كل مساء أنام مبكرا لكي أستيقظ في الوقت المناسب
كل صباح أستيقظ متأخرا
وكل صباح يشتمني السيد المدير وهكذا...(12)
إضافة إلى هذه اللولبية ساهم التكرار في خلق الرتابة والإحساس بالا جدوى والانغلاق. لذلك كان لا بد من الاحتماء بأجواء شاعرية شكلت متنفسا وهروبا من قبح وقتامة اليومي. وعليه فحين يحضر البحر فلكي يكشف الرغبة الدفينة في الانعتاق ومعانقة الفضاءات الأرحب والأعمق:
ً نهرب من بعضنا، نهرب من أسرار نكتمها، نهرب نحو البحر وعمقه وحده كان قادرا على احتواء أسرارنا ً (13)
إن كل هذه العوامل ساهمت في منح الشخصية داخل أغلب النصوص إمكانية حديثها عن ذاتها مما يسوغ حضور المونولوج الداخلي الذي يعكس خطاب الأعماق، إننا أمام نزوع نحو إبراز شفافية الداخلي مقابل التباس وغموض الخارج وسعي نحو إظهار الذات وتحققها النصي مما يؤشر على اختراق الحميمية. وفي اختيار القاص لترتيب نصوصه ما يؤكد ذلك، فأول نص معنون على سبيل البوح لندرك بأننا سنكون أمام عملية مكاشفة وتعرية للذات.
إن الإشارة إلى الشخصيات داخل المجموعة تستدعي إثارة ملاحظة أساسية حولها, لكونها قدمت من غير أسماء, مكتسبة هويتها من خلال أوصاف: ً قلت للوجه الخلاسي الآسر ً(14)
أو من خلال الانتماء الاجتماعي والوظيفي: ً أنا إنسان بسيط موظف في إحدى الشركات الخاصة, عفوا أقصد موظف براتب سنوي ً(15) وبالاقتصار على التعيين الحرفي لاسم الشخصية:
ً باع المسمى ح للمسمى م لسانه الوحيد وأعطاه بعض الأسنان كهدية ً(16)
أو الاكتفاء فقط بالإشارة إليها عن طريق تنوع الضمائر, مقابل ذلك نجد نصا واحدا عنون باسم شخصيته ًجبورً وهي تسمية تتيح انزياحات متعددة تبعدها عن تعيين المسمى إلى استثمار إيحاءاتها الترميزية. وهذا ما يدعو إلى التنصيص على أن عدم تحديد هوية الشخصيات داخل النصوص عبر تسمياتها يمنح إمكانية التعميم والإطلاق، مما يمكن من التعامل معها على أساس أنها شخصيات مواقف وحالات.
وكملمح ثان مثير في المجموعة نقف على عنصر التفكير في القصة من خلال القصة ذاتها، أي عندما تصير الكتابة موضوعا للتفكير والتأمل وضمن هذا المنحنى ضمن القاص وجهة نظره حول فن القصة القصيرة وعلاقته بها التي تتلفع بوشاح طفولي حالم وعاشق.
ً تتشبث بي القصة, وتعبث بملابسي المتهدلة, وحين أفك يديها الصغيرتين من ثيابي, وأدفعها بعيدا عني وأوليها ظهري تتمسك بي كما تتمسك طفلة بعروستها ً (16)
فهو لا يتوانى عن إبداء موقفه من مسألة التجريب سواء عبر استثمار مكوناته كتقنيات كتابية أو تصريفها ضمن النسيج الحكائي لنصوص المجموعة بإحساس يهجس بالسعي نحو شكل ملائم لنص محتمل.
q هوامش :
ـ برتقالة للزواج برتقالة للطلاق : مجموعة قصص جمال بو طيب.
1) المجموعة ص: 27
2) المجموعة ص: 28
3) المجموعة ص: 72
4) المجموعة ص: 51
5) المجموعة ص: 9
6) المجموعة ص: 51
7) المجموعة ص: 14
8) المجموعة ص: 35
9) المجموعة ص: 51
10) المجموعة ص: 41
11) المجموعة ص: 45
12) المجموعة ص: 33
13) المجموعة ص: 20
14) المجموعة ص: 13
15) المجموعة ص: 33
16) المجموعة ص: 10

الاثنين, 24 ابريل, 2006
جماليات الشكل القصصي
في أعمال القاص المغربي جمال بوطيب
" برتقالة للزواج!!... برتقالة للطلاق!!.." و" مقام الارتجاف"
إبراهيم الحجري
منذ فترة التأسيس حتى الآن, ظلت القصة المغربية القصيرة تبحث لها عن هوية تنماز بها عن أشكال السرد الشرقي الذي ظلت أصواتٌ تؤكد أنها مجرد صدى له, وأن هذا الأخير هو الصوت, ظلت, بشكل هجاسي تبحث لها عن موقع محترم، بعيدا عن هذه الادعاءات المعادية, وإذا كان جيل الرواد قد بات مهووسا, بحكم البدايات, بمسألة التأسيس, ونحن نلتمس له العذر في ذلك, فإن الأجيال اللاحقة اجتهدت بشكل كبير كي تمنح لهذا الفن شكل التميز والتفرد وطعم الخصوصية المغربية بعيدا عن أشكال الاجترار والتقليد والمعارضة والنسج على نول... وقد كان لجيل الثمانينيات حجر هذا الرهان, حيث تسلحت مجموعة من الأصوات العميقة, بما تمتلك من بهاء وحماس, لأجل مغربة هذا الفن العصيب, وقد خولت الثقافة الشاسعة لهذه الأصوات وقدرتها البليغة على الاجتهاد والاستيعاب وتمثل الواقع وهضم التجارب السابقة؛ وامتلاكها لوعي نقدي رصين، من أن تخلق لها تميزا في الكتابة السردية, وأن تضع أشكالا سردية مغايرة؛ ليس فقط على مستوى القوالب، بل أيضا على مستوى الأبعاد والدلالات والمضامين, وبفعل هذه التراكمات التي خلقتها هذه الأصوات المكابرة، تأتَّى للقصة المغربية أن تنعم بتلك النقلة النوعية والكمية المتميزة, وأن تحفل بالتحول الكبير الذي رفعها من درجة التأسيس إلى مرحلة إثبات الذات وبصْم وشم الخصوصية التي تحتفي بالزمان والمكان والشخصية والرؤيا المغربيِّين, ولعل السمة الغالبة التي ميزت هذه الأصوات الثمانينية هي كونها ظلت مهووسة برهان التجريب والتمرد على النماذج والأشكال السائدة. وقد أثار هذا التحول الذي طال مستوى الكتابة القصصية على الخصوص, إشكاليات عدة.
- أولا: على مستوى التلقي: حيث إن المتراكم القرائي لدى المتلقي مشبع بنموذج القصة الكلاسيكية التي تحترم مقاييس معينة, وأول ما يصادف الكتابة الجديدة من أسئلة، هو كيف بإمكانها أن تجد لها موقعا داخل هذا المتراكم المهيأ سلفا.
- ثانيا: على مستوى النقد والمتابعة: فأغلب النقاد السدنة والشيوخ اعتبروا هذه التحولات مجرد مسوخ وقدح شكلية خالية من كل ماء يؤهلها لأن تكون موضوعا للدرس والتحليل, وبالتالي باتت هذه الكتابات مهملة, مهمشة, يغلفها التناسي ويأكلها الغبار رغم ما يمكن أن تضيفه على القص المغربي من جدة وتميز.
- ثالثا: على مستوى البناء: إذا كانت القصة الكلاسيكية تتأسس على حكي مباشر يرتكن إلى السرد الكرونولوجي لأحداث معينة, واقعية أو متخيلة, يجعل القارئ يستأنس بمتعة الحكاية وبساطة اللغة, فإن الكتابة القصصية الجديدة تراهن على توريط هذا المتلقي الكسول في بناء النص وإعادة البناء واستغلال ثقافته كلها, تاريخا ومقروءا وواقعا, من أجل فك شفرات النص وفهم مضامينه وسبر أغواره التي لا تمنح نفسها لأي كان. ولا بد للقارئ أن يقرأ ويعيد القراءة, متمثلا عناصر البناء الشكلي والدلالي بشكل متوازن, على اعتبار أن الكتابة الجديدة تعتبر المتلقي عنصرا ديناميا لا بد من إقحامه بشكل ما في صميم العمل أو لنقل توريطه في فخ البناء. لذلك كانت تحضر بشكل مقصود مؤشرات داخل المنجز الإبداعي القصصي تحيل على طبيعة المروي لهم والعلاقة التي تربطه بالراوي والحكاية(إن وجدت أصلا). وقد تساوقت هذه التجارب مع النداءات التي تقول بانفتاح النص على أشكال جديدة وتمرده على منظور النقاء الأجناسي, وبالتالي فقد بات القصاصون يفتحون شرفات داخل تجاربهم لتتلقح وتتخصب وتجد لها امتدادات خارج فضائها الخالص.
ومن بين هذه الأصوات التي أسست لهذا الاجتهاد وحملت صخرة هذه الرهانات بإصرار وعناد سيزيفيين؛ نجد الأديب جمال بوطيب الذي أغنى الخزانة القصصية المغربية بأربع مجموعات, وبين المجموعة والمجموعة كان الرجل يطور من أساليب قصه ويأتي بالجديد, وعقب كل تجربة تحس أن الرجل ليس هو الرجل وأن تبدلات جذرية طرأت دون أن تحيد به عن عزمه الأسمى وهاجسه الموحد, وإن تعددت التجارب, ألا وهو خلق قوالب مبتكرة وصياغات مغايرة تخرج بالقصة عن طابع التنميط والاجترارية, سلاحه في ذلك مكسب التجريب الذي يشكل قناة العبور إلى ضفاف المدهش من القوالب والأشكال, ويمثل شراع الأمان الذي يبيح للكاتب هذا العبور ويبرر له ركوبه, ومن خلال سفَرنا القرائي عبر المنجزين الثاني والثالث للقاص جمال بوطيب, والموسومين على التوالي ب "برتقالة للزواج!!... برتقالة للطلاق!!..." و"مقام الارتجاف", نلحظ, بشكل كبير, حضور الاعتبارات السالفة الذكر, هذا من جهة, ومن جهة أخرى يثيرنا طغيان أشكال مستحدثة على كلا المنجزين, مما يحرض في ذهن المتلقي أكثر من سؤال حول طبيعة هذه الأشكال والقوالب, وأهميتها في إبراز شعرية المتون الحكائية وخدمة المحكيات وبلورة الطفوحات الدلالية, ووظيفتها تكمن في خلق نص منسجم قادر على إرباك المتلقي واستفزازه وتحريضه على التساؤل وإعادة القراءة وتحريك أسس القراءة لديه. وإذا كنا مع الكاتب والقراء نحتفي بهذه التساؤلات ونروم اتخاذها موضوعات جوهرية لتلقّ فعَّال يحيد بنا عن الاستهلاك والخطية والنمطية, فإننا في الآن نفسه, ندعو إلى عدم محاورة مثل هذه المنجزات بناء على خلفيات قرائية متقادمة تبحث عن المتعة والفائدة بأقل جهد ممكن, مثلما ندعو إلى تمثل راهنية الأسئلة التي أضحت تؤرق جوهر الكتابة وتقض مضجع الكتاب؛ بعيدا عن أي تعصب للمتراكم القرائي, وبعيدا عن أسطورة الثابت والنموذج وغيرها من القيم التي لا شرعية لها في تغليف الإبداع وتكبيله؛ تحت غطاء أي ذريعة كانت, فالحقيقة الكامنة أمامنا هي النص ولا شيء يثبته هذا النص إلا اللاثبات في شكل الكتابة مهما كان نمطها, فالتحولات والتبدلات التي تطال هذه القوالب والأشكال ماهي سوى إجابات عن التحولات الملحة التي تطال الحياة نفسها, فكيف نريد من الكتابة أن تُنمط وترسو على هيئة معينة والحياة تتغير بشكل لا نستطيع إدراكه ولا التحكم فيه, فلا بد أن تضع الحياة المتسارعة التي نحياها أشكالها التعبيرية التي تختار وتريد، دون أن تكون هذه الأخيرة مضطرة للثبات والصمود أكثر مما تستطيع.
وإذا كان المنجزان اللذان بين أيدينا غنيين, من حيث التحول الشكلي والاحتفاء التجريبي, إلى درجة يستعصي علينا فيها القبض على كل ملامح المغايرة التي تسِم النصوص, فإننا بمكنتنا الإحاطة ببعض سمات التبدل والانتقال التجريبي الذي خضع له مسار السرد طيلة هذه المتون, والتي نستطيع أن نستجليَها كالتالي:
- تقطيع النص القصصي وتفتيت المتن الحكائي, وهذه الطريقة تمنح الكاتب فرصة التحكم في سيولته واللعب بالمضمون في محاولة لنزع الاتجاه الخطي الكرونولوجي لأحداث الحكاية, وهذه الوسيلة, وإن كانت تفيد في استعادة نفَس الحكي وضبطه؛ وتعطي للكاتب حق التدخل لتكسير رتابة السرد المسترسل والاستراحة من عبء التسجيل الهندسي المستقيم لمعطيات المتن القصصي, فإنها لكي تكون وظيفية لا بد أن تكون منسجمة مع البناء الخطابي للنص, غير نشازٍ, ودون أن يحس المتلقي أنها غاية في حد ذاتها, وأيضا لا بد أن يكون محتوى المقاطع متكاملا, بعضها يكمل البعض الآخر, لهذا فجمال بوطيب, وإن كان يحدد لكل مقطع عنوانا مستقلا؛ فإن ذلك لا يمنع أن يكون للخطاب انسجامه وتكامله, وهكذا كان، فأغلب النصوص مقطعة إلى أقوال وروايات وأخبار سردية, وواضح أن الكاتب يستعين بتقنية التقطيع هاته ليعلن تمرده من جهة على صيغ الحكي المتداولة التي تفي للخطية الكرونولوجية من جهة, ومن جهة أخرى كي يفتح شرفة داخل منجزه لتداخل المحكيات والخطابات والأزمنة.
- حضور الغنائية وطفوح النفس الشعري من حين لحين خاصة في تجربة "مقام الارتجاف ",إذ غلب على السرد التعابير الاستعارية والطفرات المجازية الدسمة مما زاد بناءه جمالية وكثافة, وقد يعود هذا الحضور إلى التداخل الممكن بين الحكائي والشعري لدى الذات الكاتبة, خاصة وأن الكاتب يزاوج بين التجربتين معا شعرا ونثرا, ومن الطبيعي, كما هو معروف أن يحدث, داخل الأثر الإبداعي لنفس الكاتب, التفاعل والتلاقح والتوارد, ومن العسير أن يظل المبدع وفيا لتجربة معينة على حساب الأخرى:
"قول أول:
-قال النخل: بعت سعفي.
-قالت الحقول: لونت خضرتي.
قالت الطيور: هجرت أوكاري.
قال النحل: عفت عسلي."
- استلهام أشكال وقوالب جديدة, غريبة على عالم القص, قريبة منه في نفس الآن, وقد أضفى عليها الكاتب دينامية السرد وحولها, تبعا لتكتيكات فنية, لتلائم طبيعي المحكي ولتصير كائنات قصصية, إذ يتم استدارجها من موقعها الأصلي ثم يتم استنباتها في محيط القصة التي تمنحها حياة جديدة وملامح جديدة وأهواء خاصة تفقدها صورتها الأصلية وتمنحها صورة أخرى بعد أن تحيَّن وتستدمج ويعاد تشكيلها. ومن هذه الأشكال نجد المسرح كشكل فني (شكل النص المسرحي)، وكذا الأغنية:
بغداد الأسطورة، بغداد السلام
بغداد المنصورة، يا عش الحمام"
ثم الحكاية الشعبية (بناؤها على الخصوص):
"كان يا مكان، في قديم الزمان/ كانت اللذة بلا جنحان/ والحب مورد ف البستان/ والعسكر يقارع كل من يفرق الخلان"
فالرسالة:
"سيدة ارتجافي.
عرفتك من خطك الأنثوي المرقون بغبش غاضب على الورقةالرمادية الداكنة..."
والوصية, الخطبة:
" أيها الناس:
سحرت العين، وسهل الخد، ولطف الكف..."
إضافة إلى المقامة, والنقد,... وقد زاد هذا من غنى المنجزين وثرائهما شكلا ومضمونا قالبا وقلبا, دالا ودلالة.
- توظيف الموروث الثقافي داخل المتون وتحيينه بشكل يخدم انسجام النص ويعمق تواصله مع عوالم شتى, ولقد حضر هذا الموروث بأشكال متعددة منها الحضور المفهومي أو المصطلحي, وحضور أسماء الأعلام: ( الجازية، أنتجون، محمد الكغاط، أوديب، الجاحظ، ريما، دياب، الحلاج، أمغار، جميل، ابن ربيعة، الشريف، بطوطة...) وكذا استلهام التاريخي والأسطوري والشعبي "وهذي ساعة مباركة فاش تلاقينا" مما يجعل النص القصصي حافزا على تحريك مدارك ومعارف وتجارب كثيرة يطبعها التواشج والتعدد والتناقص, ويخرج المنجزان هذه المواد المتوارثة من سياقها التي استعملت فيه لتأخذ طابعا جديدا وخاصا يفرضه عليها السياق النصي الجديد, وأكثر من هذا أن الكتابة هنا تعمق من أثر هذه الأنساق الحكاية القديمة على المتلقي؛ خاصة حينما تلبس ثوب التحيين وتزدان بفرادة التجربة, وأحيانا يعمد الكاتب إلى إعادة صياغة هذه الأنساق بأسلوب جديد يجعلها مشبعة بحيوية الحياة العصرية وما يطبعها من تعقد.
-الاشتغال على موضوعات جديدة وإحياء مواضيع متقادمة بأشكال حديثة, فقد أوسع الكاتب تجربته لاحتواء التصوف والرومانسية كما اجتهد ليطوع هلوسات الذات وكوابيسها وأحلامها ليضع منها موضوعات للتشظي والخروج من الأعضاء والانسلاخ عن الجسد وتعدد الكائن الواحد واستنساخ المخلوق البشري وتحويله إلى جماد أو شيء؛ ثم الاحتفاء بالجسد في بحثه الدؤوب عن اللذة والضوء الهارب والطرف المفقود, العصي على القبض.
-التعامل الوظيفي مع اللغة, فالكاتب لا يقدس اللغة بل يحررها من أسلاك النقاء والصفاء ويبتكر لها علاقات جديدة قادرة على الإيحاء, كما أنه يسعى إلى تطويعها ومنحها دينامية وحركية غير معهودة تزيد المحكي توثبا وانطلاقا ومرونة, لذلك فهو يوظف اللغة الفصحى الرصينة والتي لا تخلو من دسم الشعرية كما يوظف اللغة الدارجة والفرنسية ليزيد مسرودة غنى وثراء ولكي يرقي من مستوى الواقع اللغوي عبر منجزيه, إنه يراهن على انفتاح الخطاب وتعدده اللغوي, وهو في نفس الوقت يؤكد أن العربية الفصحى قد تعجز أحيانا عن الإيفاء بالمقصود الدلالي؛ وأن الاستعانة بالمدد اللغوي المحايث قد يفجر إيحائية النص ويولد معان تليدة تخدم انسجام مكونات الخطاب وتزيده قوة تأثيره:"الرايب"، "الشقوفا"...
- استعمال ضميري الخطاب والتكلم والابتعاد عن ضمير الغيبة مما يعزز مسألة حضور السيري وهيمنة النفس الخطابي, فضمير الخطاب يعكس اهتمام الكتابة بالمروي له واستحضاره عبر المتن كشخصية فاعلة ومنفعلة, فيجعلك هذا تحس بأن التجربة كلها موجهة لقارئ بعينيه.
- تعدد الرواة عبر نفس النص القصصي, وهي تقنية تتيح للكاتب التعامل مع الحدث ( إن وجد) من زوايا متعددة، وفي كل مرة تختلف الرواية واللغة وصيغتاهما وتختلف بالتالي درجة التلقي وأفق التواصل وعناصر مكونات المحكي.
- النزوع الصوفي داخل تجربة "مقام الارتجاف" خاصة، وذلك من خلال التعبير عن التوحد في جسد المحبوب والتفاني في الاحتفاء به، ففي قصة (أنتجون والعازف) تبدو نغمة الحب الصوفي طاغية، حيث تمنح الحسناء السارد الأعمى بصيرة أسطورية (وكنت أقاوم سلطة عينيها وبيني وبين نفسي أعترف سرا وقهرا أنني حتى اللحظة كنت أعمى البصر والبصيرة). كما أن نزعة التصوف تبدو أيضا من خلال توحد الجسدين.
- طفوح التجربة ونغولها بالتناص وأشكاله المتعددة, وهي تناصات على أية حال ليست حرفية,إنها مجرد استلهام لتجارب قديمة أو معاصرة؛ ثم استدماجها في التجربة بطريقة تكون فيها دالة وبصورة مغايرة لما كانت تدل عليه في الأصل, إنها تتخذ أبعادا جديدة داخل النص الجديد بعد أن تحرك لدى القارئ ذاكرته وتحفز لديه معارف سابقة محال عليها نصيا, وعبر هذين المنجزين يمكن أن نجد لدى بوطيب نوعين من التناص:
- تناص دلالي يستوحي مقولات ويستعيرها لشحن متنه الدلالي المعبر عنه نصيا.
- تناصات شكلية تطمح من خلالها التجربة إلى استلهام أشكال مغايرة من مجالات أخرى مشابهة أو قريبة، أقصد سواء المنبنية على الحكي أو على غيره:كالشكل المسرحي أو شكل الوصية والرسالة والمرافعة والمقامة والمقالة النقدية وغير ذلك من الأشكال, وللإشارة فهذه الأشكال تطوع نفسها داخل المحكي لتتناسب مع معطيات القص حتى يتهيأ لها تحقيق الدلالة المنشودة وفق الانسجام الذي تستلزمه حكاية الحكاية.
- مثلما تتعدد الأشكال والأشكال والدوال عبر هذه المتون, فإن الشخصية أيضا لا تعرف استقرارا، فهي ليست سوى قالب أو وعاء تفرغ فيه السحنات والملامح أو لنقلْ إنها مجرد علامة أو سمة دلالية متحولة, فهي ليست بالضرورة كائنا آدميا, بل قد تغدو, عبر التجربة, أشياء ميتة أصلا أو جمادات, وبأسلوب فني حجازي تتحرك هذه الجمادات وتتحاور وتفعل ما يفعله الآدميون أو يكادون, إن هذه الأشياء والجمادات تتنقل عبر المحكي وفق دينامية متجددة تمنحها لها الخصوبة النصية, انطلاقا من الوعي المسبق لدى الذات الكاتبة بأهمية التنقل بين الحالات عبر المتن الواحد وأبعاد هذا الانمساخ والتبدل "الكرسي البني الشاغر وعلبة الستيفيزان والفنجان والكوب في قهقهات شامتة. تستفحل الشماتة فيضرب الفنجان على يد الكوب، يضحكان حتى تغلب الغرغرة الأحداق..."
- تشغيل الصمت وترك فسحات للمتلقي كي يدلي بدلوه في سبيل بناء الدلالة وهي تقنية تقحم القارئ في صميم التجربة وتجعله كائنا نصيا وظيفيا فاعلا بدل أن يكون استهلاكيا, منتجا وليس سلبيا, فقد نجد بعض الفراغات التي تكتفي بالتنقيط, وهذا ضرب من الاشتغال على الصمت, وجعله لغة فصيحة قد تقول ما يعجز عنه الإفصاح والإعراب نفساهما, فالخطاب منفتح على التأويل, مشرعا نوافذه للتداخل والتنافر والتفاعل والتلاقح, إنه متاهة لا سبيل للخلاص منها بالنسبة للمتلقي, فهو لابد أن يقترح ويتأمل وينفعل ويتساءل ويقارن ويقلق ويعلق.. إلخ من الأفعال القرائية الناجمة عن اصطدامه بالسيولة النصية, ومن هنا تبدو القوة القاهرة للغة الصمت على الإيهام والاستنطاق والاستفزاز وخلق نص متعدد القراءات مفتوحا على التأويل, نص لا يمنح نفسه ببساطة وإنما يرهق قارئه بتشغيله على فك شفراته وبناء دلالاته.
- مثل أي كاتب وأية تجربة كتابة, قصصية كانت أو غيرها, فإنه لابد من انفلاتات العودة إلى الذاكرة باعتبارها المعين الثر الذي ما يفتأ يمد التجارب بالعمق والصدق والثراء, حيث إنه كلما ضاقت السبل بالكتابة وجدت لها فجوة داخل هذا المدى الشاسع, وكلما تاه بها المداد كانت الذاكرة الواعية اللجام الذي يعيدها إلى المسار المنشود ويمنحها وهج اللحظة وإشراقة الدفق لشعوري, إن الذاكرة التي تؤرخ لجراح الذات والتماعات التجارب الحياتية في نجاحاتها وإخفاقاتها تشكل ذلك المنبثق النوراني الذي يصل هم الذات بالهم الجمعي اللذين يلتحمان على أية حال من الأحوال, لذلك ففي هذين المنجزين تحضر الذات بقوة كما تحضر الذاكرة الفردية والجمعية عبر تردد مجموعة من المؤشرات البارزة التي تحيل على الواقع، من خلال أمكنة معينة عبرتها الذات أو قرأت أو سمعت عنها وأزمنة غابت عنها الذات أو حضرتها وأسماء أعلام لاقت أهلها الذات أو تفاعلت معها بشكل من الأشكال.
* المؤشرات المكانية: ظهر المهراز, الحي الجامعي, السور, بوجلود, فاس, باب الفتوح الطالعة الصغيرة, الأطلس, البطرس...
*المؤشرات الزمانية: فترات الدراسة الجامعية.
*المؤشرات الاسمية, محمد الكغاط, جمال بوطيب, جميل، الجازية، الحلاج، الحجام...
وكما أكدنا ذلك سابقا فالكاتب يعي جيدا ما يكتب وما يفكر فيه, مع سبق الإصرار والترصد, بل يصمم عمله وفق استراتيجيات مهيكلة مسبقا, ومن هنا يتخذ هذا التمثل بعدا إجرائيا مميزا, فحضور هذه المؤشرات الدلالية, بما تحيل عليه من مرجعيات, جدير بأن يكشف ذلك التعالق الوطيد بين الذاتي والموضوعي, الواقعي والمتخيل,في هذه التجربة مع حسن تمثل الحدود والفواصل والإيقاعات, وهو ما يجعلنا ننبه إلى كثافة الطبيعة التقنية للعملين السرديين, إذ تبدو كل العناصر المشكلة للعمل القصصي منسجمة وموضوعة بعناية في مكانها اللائق وبشكل محسوب للغاية, حتى أن البناء عامة يبدو تشييدا مضبوطا على إيقاع الدلالة المنسجمة والرسالة النصية.
- بقدر ما ينشغل النص في هذه التجربة بالمحكي والمكتوب وبقدر ما يحتفي بالدلالة والمقاصدية فهو أيضا ينشغل بطريقة تشكله وبنائه, وكأنما يحكي عن المخاضات العسيرة التي أفرزته وأخرجته إلى حيز الوجود, وهي إشارة ذكية إلى غياب المواكبة النقدية للأعمال الأدبية, مما جعل الكاتب يضمِّن منجزاته إشارات نقدية حول طبيعة المكتوب وصيغه، وهو في، نفس الآن، تعبير عن أهمية مراهنة الكاتب على الوعي بأشكال الكتابة وقوالبها وآفاق تطورها ومدى انفتاحها على الذات والآخر والواقع والتراث, فمن شأن ذلك فتح شرفات جديدة لتخصيب المكتوب وتسميد تربته ببهارات ممكنة, ولعل هذا ما جعل الكتابة السردية توسَم بالتعدد والانفتاح وكثير من المرونة.
- تسعى المجموعتان إلى فك ألغاز الشخصية وسبر أغوار الجسد الأنثوي في علاقتهما بالذات الواعية واللاواعية, وفي ارتباطها بالآخر مهما تعددت صنوفه وتجلياته في محاولة لفك العزلة عن الكائن وكشف الغطاء عن المستور من الهواجس والكوابيس والسلط التي تتحكم في مفاتيح العبور إلى سراديبهما ومساربهما العميقة, ويتصدر الجسد الأنثوي قائمة الذوات التي تنبض بالحيوية داخل المتون, وبخاصة في مجموعة "مقام الارتجاف", إذ يتخذ هذا الجسد بعدا وجوديا يتطور أحيانا ليصل إلى بعد صوفي معقد, خصوصا حينما يصبح ممتصا لنزوعات شتى تتجذر وتتماهي لتتسربل بنكهة السؤال الفلسفي الذي يحضن المظاهر المتعددة للتفاعلات الشخصية تبعا لعلائقها الشائكة: (الرقص, الزواج, الخيانة, الغناء, الموت, الحياة, الفتنة, الجمال, الضعف, القوة, النفاق, العفة, البلاغة...) وقد احتفت خطابات (الإهداء) بنساء تاريخيات, واقعيات, حقيقيات أو متخيلات, مما يعمق حضور خطاب الأنوثة المقدسة, الطاهرة والمدنسة, بما تقترح من بلاغة الافتتان وانتصار الراغائب واستئساد الطفح الجسدي بلغاته القاهرة المتعددة.
- نغول المكتوب بالخطابات الساخرة, وتكررها بشكل ملفت حتى تكاد تكون هي القيمة المهيمنة على الخطاب السردي بهذين المجموعتين, وهذا الخطاب، إذ يتعدد، فهو يحيل على امتعاض الكاتب من قيم سائدة ومنحطة وانتقاده للواقع المزيف, وقد تعددت مظاهر التهكم الوظيفي عبر المنجزين؛ وإن توحدت مقصدياتها, بكونها تفضي إلى دلالة واحدة هي عدم الرضى مما يعتمر الذات والواقع من معايير وأشكال واهية, إن العملين يسخران من:
-القارئ الباحث عن الجاهز, المستهلك, الكسول, العاجز عن التساؤل والنقد.
-الناقد السادن الذي يقدس متراكماته ولا يحفل بما جد واستحدث.
-الأشكال الإبداعية التي تنحو منحى التقليد والمعارضة وتظل صدى لنموذج سائد.
-الواقع المتعفن بالأدران والأمراض والأوبئة المتجذرة في العقليات والأدمغة.
-القصاصون والأشباح والوصوليون الذين لا يملكون، من الإبداعية، سوى الجبين ووجه حربائي ولسان منافق.
-كل أشكال الولاء للثوابت والتي تقمع الابتكار والتجديد.
-السلط التي تكبل قوى التوثب والانعتاق والخلق, خاصة في مجال الإبداع.
إن هيمنة هذا الخطاب يتساوق دلاليا مع الاستبطان الضمني للغيرة على الآدمية، ذاك الانتماء الذي تحتفي به التجربة وتدافع عنه, ومن أجله تجرد فورتها وتستنفر عذاباتها القصوى.
- تحرص التجربة القصصية, من خلال هذين المنجزين, على تعرية أوجه التناقض الذي تشوب القيم والسلوكات, وذلك عبر تمظهر الكلمة ونقيضها وكشف التصدع على مستوى البنيات والأشكال, إذ تحتدم الرغائب والخطابات واللغات في تماسات عنيفة, تتفجر حينا وتخبو أحيانا, إذ لا شيء ثابت نصيا, فالقيمة تنفي القيمة, والشكل يدحض الشكل, وما بين القوسين يسخر مما يسبقه أو يليه, ويتفاقم التسلسل في الأحداث والحالات والتحولات كما تتشوش آفاق التفاعل والتواصل بين أطراف الحوارات, وتحتضن الفوضى قلب النظام.
* نحس أحيانا أن النص ينطلق من نقطة معينة ثم يكبر شيئا فشيئا وتتعقد البؤر وتشتعل التحولات وفق منطق خاص وتتفاعل الحبكات, ثم في الأخير نجد أنفسنا منتهين حيث ابتدأنا, فتصير البداية نهاية والنهاية بداية وتستحيل خطية السرد إلى دوامة دائرية متاهية.
* تستحضر الكتابة القصصية داخل المنجزين صورة متلقيها، إذ يشغل حضور المروي له مساحات متميزة سواء بشكل ضمني أو بشكل لفظي، وهذا يعكس التوجه الواعي في الكتابة السردية لدى القاص جمال بوطيب، الذي يحشد كل مقوماته المعرفية والثقافية لإنتاج نص هجاسي متمرد على الأشكال، متشبعا بإمكانيات الحداثة ومرونة القوالب، ويبدو أن الكاتب يوظف مقروءه من نظريات ومعارف من أجل بناء شكل جديد يستلهم مقولات الخطاب الهيرمينوطيقي ومنه جمالية التلقي التي تدعم التركيز على المتلقي وإمكانياته الهائلة في التأويل وفي إحياء النص أو قتله، وتبدو التجربتان، هنا، كأنما الحوار فيهما يتم على نطاق واسع بين الراوي والمروي له/الرواة والمروي لهم، وهذا التوظيف قد يتخذ بعدين:
- بعد ساخر: ينطلق فيه القص من مقولة القارئ السطحي الذي يريد من القصة أن تكون مشيدة وفق هواه ومتراكماته القرائية (الحكاية الممنطقة، وفق سيرورة الزمان والمكان والشخصية)، وهو منظور مبني على أساس الهدم والبناء.
- بعد بنائي: يشيد المحكي، من خلاله، منظورا جديدا لتلقي النص القصصي، وأفقا مشرعا على التجريب الهادف ومفتوحا على إمكانيات رحبة تتسع لاستيعاب الهم الإنساني الذي يعتبر الإبداع أحد روافد تصريفه.
* تنشغل المجموعتان بطبيعة المكتوب وبأسئلة الكتابة في هذا العصر داخل فضاء معين يحمل سمات مغربية، فالكتابة بقدرما تنشغل بنفسها وصيغ تمظهرها للقارئ وعناصرها المتعددة، فهي كذلك تنصرف أحيانا كثيرة إلى انتقاد النقط السوداء في الوسط الذي تنتمي إليه باعتباره الأفق الرحب الذي ينفس عن الروح البشرية والملاذ الذي تقصده حينما تنسد الآفاق الأخرى, لذا فالرواة يسخرون من حال الشعراء المتهافتين على النجومية بلا إبداع حق ويشفق على حال الكتاب الذين يجعلون من الكتابة قنطرة للعبور نحو ما يختلج في الذات وفق أوهام مزيفة وأحلام مادية صرفة, الكتاب الذين عمروا المشهد الثقافي بصنوف الفقاعات والأحابيل والقيم الفاسدة التي لا تمت بصلة لعالم الإبداع الحق الذي يجسد هم الإنسان ويعانق أحلامه وعذاباته ويستضمر لبوساته الشعورية ويطرح بجرأة أسئلته اليومية التي تقض مضجعه, وبدل أن تسود ثقافة جادة تساير التنمية البشرية وتحرضها في الإنسان, عمت ثقافة استهلاكية تروج للنفاق والمحاباة والمجاملة والتزوير والإقصاء والركض خلف سراب الشهرة والقيم المادية والمناصب والصفات والألقاب, كل هذه الأشياء جعلت سوق الكساد والرطانة والابتذال مفتوحة من كل الواجهات على العبث والانتشار السريع مثل فيروسات ذات عدوى قاهرة. وهذا الهاجس الذي يهلوس الذوات عبر المكتوب يتناغم مع الانشغال القوي بالمكتوب نفسه وبصيغه وبشكل انبثاقه وانبصامه وتمظهره, سواء من خلال الاحتفاء المقاصدي أو من خلال اتخاذه مواضيع لكتاباته, ويبدو أن التجريب كتمية وكهم, يعد رهانا قويا داخل المنجزين، لكن هذا المفهوم بقدر ما هو قادرعلى تحقيق الشعرية المتوخاة فهو قادر على أن يكون نشازا القصد منه ترشيح النص بالديباجة الزائدة التي لا تخدم بناه ورؤاه ورسالته، عكس ما ترومه الكتابة هنا، إنها تحرص على أن يكون التجريب وظيفيا ومنسجما مع باقي المكونات النصية المحايثة، وأن يكون كل عنصر متخذا مقاسه اللائق في التصميم العام للتجربة في أي نص وهذا ما يميز الكتابة الواعية.
ولعل الملاحظ عبر المتنين هو كون الكاتب يجرب في كل نص طرقا جديدة وأشكالا مستحدثة، فهو يكره أن يكرر ذاته أو يفيَ لخط واحد, أو لنقُلْ إن الكتابة عنده مغامرة, رحلة متجددة لا ترسو إلا لتنطلق من جديد شأنها في ذلك شأن الحياة، فإن لم تكن مشفوعة بالتورط في الكشف والغوص فلابد أن تشيخ ثم تموت, إنها مسخ يجب أن يتحرر من كل المغاليق والستارات والحجب كي تتعدد وتتناسخ وتتعايش ولا تذوب أبدا, وانطلاقا من هذا الوعي، كان جمال بوطيب يحرص على هذا التجدد ويرعى هذا التعدد ويسقي جذوره بماء البحث والتنقيب والاجتهاد, إن الكتابة عنده هي اللا ثبات واللا سكوت والهجس الدائم والتساؤل الزوبعي الذي يفتك بالأشكال والأنواع التي تحب التسلط والسيطرة, إنه في كل نص جديد يفضل أن يعيش تجربة جديدة مغايرة, ومعها تكتب له حياة أخرى لم يتِحْها له الواقع ولم يسطرها له في دفتره المقدور, لذلك لا يمكننا حصر هذا الثراء، فهو عصي على القبض بعوالمه القصية وتصاميمه الغريبة وموضوعاته الآسرة المذهلة, فاللحظات عبرها كالسراب تلتمع في موقع ثم تفر إلى آخر, وهكذا تظل تلهث خلفها في رحلة كشفية أبدية، فتستهويك المسارب، وتضيعك المتاهات، وتأسرك جنة النص التي لا سلطة فوقها سوى سلطة الله.
إن تجربة الكتابة, عبر هذين المنجزين, تختار لها هذا الخط المفتوح الهادم والباني في آن واحد، الراكض خلف ضوء لم ينبلج نوره قط, والباحث عن جوهر حقيق للإنسانية في بصمتها الصوفية الأولى, والمقتفي آثار التماعات الذات في تعاليها البهي وتوحدها الأقصى، وهي (أي الكتابة)إذ تختار لها هذا المسار، تكاد تقتضي من فعل القراءة فتح الأسوار المغلقة والمستتر والبديهي, وتكاد تعرب عن دعوتها إلى رفع السلط وتحرير الشكل والدلالة معا وسلك سبيل الكشف عن الجوهر في الأشياء وسبر المكنونات المحفوفة بالأصفاد, المثقلة بالأغلال على تنوعها, وتكاد تلغي القراءةَََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََ كفعل سلطوي لأنها تقرأ ذاتها وإن لم يقرأها أحد، وتكاد تلتحم بهذا القارئ نفسه لأنها أسئلته اللامكشوفة ورفضه المرجأ، وتمرده المبطن، إنها تجربة تستحق أن تُفتح المرات تلو المرات، والأكيد أن الرحلة في كل مرة لن تشابه مثيلاتها من رحلات قرائية استكشافية لعوالم النصوص.

الاثنين, 24 ابريل, 2006
مدن الحلم
في مدن الحلم
التي هدها الطوفان
أرى ما لا ترون
أسمع نوح القيثارة
ترثي المأوى
والأهل والحمى
وأعشق جناح البحر
إذ يحملني إلى روحي
إلى بردة شيخ قبيلتنا
إلى ضفائر صبايا الحي
و سبايا الموت اللائي
في أعينهن
أبحث
عن مفتاح السر الباذخ
والوجنة الخجلى
وحرب الحزن
وآلاف الأناشيد
أبحث
عن صياح الديك المخرس
وطاولة على صفحتها
قامرت بالصبوة
وخسرت
أبحث
عن رفاق لم يحزنوا للمراق من دمي
على وجنة التحقيق
أبحث
عن زفاف لم أحضر غير سمائه
عن طوفان يجرف المقامر
والمخرس والمحقق والسافك
عن كل ما أرى وما لا ترون
عن بسمة القيثارة
تزف بشرى الحصاد
وعودة السنونو
وغربة الأهل
وإباحة الحمى
وتشرد المأوى .

الاحد, 23 ابريل, 2006
فــي أسبـــــوع
عندما بدأت أفك الحروف، اشترى لي أبي كتابا اسمه " كيف تتعلم الصلاة في أسبوع؟». قرأت الكتاب. مر الأسبوع.. ولم أ تعلم الصلاة.
وحين التحقت بالمدرسة عشقت اللغات. جمعت بضعة دراهم واشتريت كتابا اسمه " كيف تتحكم في خمسة لغات في أسبوع".
تحكمت في نفسي. هجرت اللعب. كبرت على أصدقائي والتصقت بالكتاب . مر الأسبوع ولم أتحكم في اللغات . وعدت إلى اللعب إلى أن فصلوني.
ولما فصلوني لم أغضب كثيرا .جمعت دراهم أخرى واشتريت كتابا اسمه "كيف تصبح مليونيرا في أسبوع ". حفظت الكتاب. مر الأسبوع ولم أصبح مليونيرا.
سؤال واحد ظل يخنقني: ""ماذا يقصدون بالأسبوع ؟ هل لهم أسبوعهم ولنا أسبوعنا ؟ "
سألت صديقي : ألا يوجد كتاب اسمه ""كيف تنتحر في أسبوع ".
ضحك وقال:
- الانتحار لا يحتاج إلى أسبوع.
- الانتحار يحتاج إلى دقيقة أو دقيقتين.
-الانتحار شجاعة وقرار وتنفيذ.
تشجعت وقررت ولم أستطيع التنفيذ.
مرت دقيقة. مرت دقيقتان وأعلنت في فرح ونشوة:
- لقد صار أسبوعي مثل أسبوعهم. وغدا أتعلم الصلاة واللغات وأصبح مليونيرا وانتحر "في أسبوع".
عبـــــارة زائـــــدة
أثبت النص مرفقا بأسئلته على السبورة السوداء المثقوبة في أكثر من مكان. الحصة حصة تركيب. كان مطلوبا من التلاميذ أن يشطبوا على كل عبارة زائدة. فوجئ بأكسل تلميذ في الفصل يتقدم نحو السبورة السوداء المثقوبة في اكثر من مكان. حمل الممسحة البنية الصغيرة . تراجع خطوتين إلى الوراء . تقدم نحو السبورة ثانية. أشار بسبابته إلى السؤال : "شطب على كل عبارة زائدة."
ودون أن ينبس بحرف مسح التاريخ.
ألقى الممسحة البنية الصغيرة وغادر الفصل بينما تعالت التصفيقات.
ياسين والوادي
جمع الشيخ أحفاده وعليهم قص الحكاية التي كان مستهلها "كان يا ما كان" ونهايتها" وحكايتي مشات مع الوادي."
ياسين، حفيده الأكرت الشعر، ذهب إلى الوادي يتقفى آثار الحكاية.
بسذاجة طفل تساءل : "الوادي لازال في مكانه ، و أكيد أن الحكاية لازالت هنا ".
غطس في الوادي بحثا عنها . لم يجد غير الحجارة والملساء والضفادع وأعشاب مائية . قرر ياسين عدم العودة من الوادي إلا بالحكاية متوهما أنه سيرضي جده.
لكن جده الذي دمعت عيناه وابيضت من الحزن ، اعتزل الحكي وصار من يومها يحكي لبقية الأحفاد حكاية واحدة هي حكاية ياسين مع الوادي.
درس الــحب
مخمورا دخل الطفل إلى الفصل . حدق جيدا في المعلمة وقال :
- أحبك.
ضحك الصغار وظلت حنان تتأمله.
كانت المعلمة قد هرعت إلى مكتب المدير. وكان المدير قد هتف إلى الشرطة. سرى الخبر في المدينة :
- طفل مخمور قال لمعلمته أحبك...
عندما حضر مسؤول الشرطة كان التلميذ قد كبر، وقبل أن يقتربوا
منه قال :
- لم أعد أحبها.
كانت رائحة الخمر لا تزال فواحة من فمه،وكان يبدو أطول منهم جميعا . بينما كان الوزير قد قرر أن يعدل المنهاج المدرسي وألا يدرس الأطفال شيئا غير درس الحب.
وفي أذن الطفل همست حنان :
- أنا صرت أحب الوزير.
المــكــافأة
يقينا أنني كنت أحلم حين أجلسني الرجل الأنيق على كرسي وثير في مكتبه الواسع والمكيف .ابتسم . ابتسم لي بالتأكيد لأنه لم يكن معنا ثالث . ابتسم لي مرات عديدة فاضطررت للابتسام . قال لي بأدب بالغ:
- نحن رهن إشارتك . نحن طوع أمرك . نحن عبيدك. اطلب ما
تريد. لا تتردد اطلب.
في البداية ، طلبت - في سري - ان تكون عاقبة أمري سليمة،
وحين أصر الرجل تردد طلب كوب ماء.
لكن صاحبنا غضب، وطلب مني أن أكون في مستوى مسؤوليتي . قال إن علي أن اطلب عقارات مثلا، نساء، أموالا، سيارات ،،، فجلال قدري يفرض أن أ طلب أشياء أهم.
استحضرت جلال قدري الذي يفرض أن أطلب أشياء أهم، وطلبت من الرجل أن يأخذ ورقة وقلما ويسجل :
"أريد خروفا وبقرة وحمامة.
أريد تينة وزيتونة وليمونة.
أريد ساقية وبئرا وطاحونة".
وحين استرقت النظر إلى ورقته، وجدته لم يسجل ما قلت وإنما كتب:
" فعلا سيدي كما توقعتم".
وقبل أن أغادر مكتبه ، حمل السماعة وهمس في أذن ما بأنني أنا المقصود.
وبعد ساعة ، رأيتني ساكنا. رأيت عنقي خاضعا إلى أعلى. رأيت نساء باكيات . رأيت عجوزا يعريني، وثوبا ابيض يخاط.
إ فـــــــحـــــــام
بوقاحة مفاجئة، سألتني الشقراء الجالسة في صف الذكور:
- أستاذ،قيل لنا إنك تحسن الرقص.
فكرت في سد فمها بقذيفة تحفظ لي شيئا من وقاري أمام هؤلاء العفاريت الذين يخفون ضحكاتهم ، قلت:
- هل تريدين أن أرقص معك ؟
- نعم.
فأفحمتني.
وقـــاحــة
في الفصل- بتحريض من الشقراء الجالسة في صف الذكور -
سألني أقصر تلميذ في الفصل :
- أستاذ، ما الفرق بين المقصور والمنقوص والممدود؟
ارتبكت كعادتي كلما اسأل، استحضرت كل معارفي وصرت أبين الفرق.
كان القصير يتابع ويبتسم ، وكانت الشقراء تبتسم ولا تتابع.
وحين انتهيت قال لي القصير بأن ما شرحته له الشقراء أفيد بكثير مما شرحته أنا .سألتها. فقالت إن للأمر علاقة بالرقص، فأفحمتني مرة ثانية.
مخـــالـفـــة
ظلت الشمس تلفح الشرطي الذي كان يترقب مخالفات السائقين المنتبهين منه وإليه . لم تقوى قبعته على مقاومة الحرارة . نزعها. حك صلعته التي نزفت عرقا. أعاد القبعة إلى رأسه. وضع سيجارة في فمه. أرسل صفيرا فاشتعلت السيجارة . وصار ينفث دخانها في الهواء.
مساءا عاد إلى المركز دون أن يسجل ولو مخالفة واحدة.شكا نفسه إلى رئيسه:
- سيدي لم ألتزم بأخلاق عملي وعجزت عن أجمع لكم مصروفكم اليومي.
غضب رئيسه. سبه وفتش جيوبه ، قبل أن يمزق الشكاية.
فكر الشرطي الأصلع:
- ورقة ناقصة من دفتر المخالفات معناه مبلغ مالي قبض بدلا لها.
عاد مكتئبا إلى منزله. اندهشت زوجته كيف عاد دون بطيخة المساء . أما المخالفة التي سجلتها عليه صغيرته هي أن رائحة حذائه أصبحت لا تطاق.
طـــــلاق
كان الحمار قد تردد كثيرا قبل أن يخبر الأتان برغبتـه الصادقة في الزواج منها . وكانت الأتان تدرك ميله المفضوح إليها فتتغاضى وتتجاهله ، وحين اختلى بها في الحقل اشترطت :
- مهري ركلة للفلاح في حجره.
لم يشفق الحمار على نفسه من شئ غير نفيه من الزريبة، ولما عزم على الفلاح وهو يشده إلى المحراث كانت الأتان تلتهم التبن . غمزته بغنج وبين فخذيه سرت قشعريرة قاتلة وركل المحراث.
استلقت الأتان على ظهرها ضاحكة. غضب الحمار وقال :
- أنت طالق.
ظلت الأتان غارقة في ضحكها وهي تغالب دمعة الشماتة ثم قالت له :
- ستظل حمارا.
طـــوفــــان
على الشاطئ تخلص الطفل من ثيابه.عاريا فبدا هزيلا.التقط عقب سيجارة رخيصة وأشعلها. ارتشف رشفة أو رشفتين.
- أريد أن أكبر.
قال لصديقته ، وهو يسلمها الثياب ويرسم قبلة على خدها .ويسرع مندفعا نحو البحر .
-أنا في انتظارك.
قالت صديقته
وحين ابتعد، أردفت:
- ودادي لك ، وتحياتي إلى النورس.
غاب الطفل في البحر . انتظرته صديقته حتى غابت شمس المساء. ولما غابت شمس المساء انتابتها حيرة وقلق كبيرين. عادت باكية إلى منزلها. سألتها أمها فلم تجبها. مرت سنوات كثر كان الجفاف فيها سيدا لا يقهر. بكت الطفلة حتى طالت ضفيرتها. ولما طالت ضفيرتها خطبها ابن والي المدينة.
وليلة الزفاف، اقتحم القصر رجل عار تتبعه مجموعة من النوارس. حرروا الفتاة وعادوا إلى البحر. غضب الوالي وأمر بأن يصادر البحر من مدينته في الصباح . لكن مع الفجر، اقتحم الطوفان المدينة وحلقت النوارس في فضائها ، وكتب المؤرخون :
" قديما كانت هنا يابسة".
مــــــــرارة
لما أغرقت بالسكر القهوة السوداء، ضحكت وقالت : إن المرارة في الماء.
تذكرت درس الأشياء هناك ذات ابتدائية :" الماء سائل لا طعم له ولا لون ولا رائحة".
وتذكرت أستاذ المادة وهو يتجرع دواءه بين الفينة والأخرى .تذكرت فاتورة الماء أيضا والبركة التي كانت مسبحا لنا ذات شغب. و . . و
كانت القهوة السوداء قد قررت الانفلات من الماء وكنت -حقدا عليها - قد قررت أن أضيف إليها بعضا من حليب البقر يكسر وحشيتها.
قالت القهوة السوداء :
-أتعجب لك كيف ترضى لنفسك أن تكون للعجل أخا من الرضاعة.
وديعة
بجدية فرك الرجل أطرا فه في الحمام. لم يتوقف الدرن فقرر أن يستعين بالكياس. قال له :
- " كيسني مزيان ".
صار الكياس يفركه وصارت أطرفه تتساقط الواحد تلو الآخر. إلى بيته عاد رجلا بلا أطراف. وفي نهاية الأسبوع عندما حمله أبناؤه في قفة إلى الحمام وجد مكتوبا على باب الحمام :
- صاحب الحمام غير مسؤول عن الأطراف التي لايودعها أصحابها عنده قبل ولوج الحمام.
سبـــــــــاق
قرر الأطفال الخمسة أن يتسابقوا . ركب الأول الطائرة ، والثاني الباخرة ، والثالث القطار ، والرابع السيارة، والخامس دراجة هوائية.لم يحددوا نقطة الوصول وإنما قرروا التسابق فقط ، وعندما توقف عدنان ليصلح عطبا بإحدى عجلتي الدراجة كان راديو الدراجي يوالي بث الأخبار:
- قطار اصطدم بعربة نساء في بلقصيري.
- باخرة غرقت في المحيط.
- طائرة سقطت في البحر ومات جميع الركاب.
- سيارة كسرت " بانو " سيدي علال البحراوي وتمزق السائق أشلاء.
لم يكثرت عدنان وإنما واصل السباق مؤمنا أن أصحابه سيصلون ولو ركضا.
فتــــوى
غضب " قاطوط " لما سمع الخبر . الأمر لا يحتمل التأخير ومملكة القطط في خطر . قط عاش في وسط ميسور يرفض أن يأكل فأرة ويزعم أنه يحبها.
-نقتله. قال قط متطرف.
-نصلبه. قال القط ذو اللحية الكثة.
- نتركه حتى حين. قال القاضي.
قال القط العاشق :
- وأما من هواها فإني لا أ توب .
أما أنصار السلام من القطط والفئران فقد خرجوا في مظاهرة حاملين لافتات ويرددون:
- يسقط الميز العنصري .
- يسقط الإرهاب العاطفي.
- عاش السلام.
- عاشت القطط والفئران.
قالت محامية القط والتي كانت على علاقة مع فأر بورجوازي:
- أسجل انسحابي.
وأفتى إمام القطط مرغما:
" ينبغي الجمع بين المحبين، وإن كانت بينهما أقدام عداوة في التاريخ"
وكان الإمام كلما صلى يبتهل إلى الله في أن يوفقه في علاقة عاطفية مع فأرة شرط أن تكون جميلة ومتدينة.
ذكـــــاء
فكرت الشجرة الذكية كثيرا قبل أن تخبر صديقاتها بقرارها الخطير :
- غير معقول، الناس يرموننا بالحجر ونحن نرميهم بالثمر.
في البداية حاولت مجموعة من الأشجار القصيرة التنصل من قرار الإضراب ، لكنها سرعان ما أذعنت لرأي الجماعة.
- غدا ليلا سنهجر المدينة.
قالت الشجرة الذكية.
لكن مجلس جماعة المدينة كان أذكى حين اقتلع الأشجار صباحا وقرر تحويلها إلى ورق يكتب فيه عن فوائد الأشجار.
أمــــانـــي
قالت أمي : لابد ان تصير شرطيا.
قال لأبي : صر ما شئت إلا شرطيا.
قالت جدتي: طاعة الوالدين من طاعة الله.
قلت أنا: (بين الغلطة والزحام جابوا القاضي يتختن).
قال الشرطي ، وهو يضع الأصفاد في يدي : أنت شخص تمس الأمن العام.ما دخل القاضي ؟ ومن قال إن البلاد فيها خلطة وزحام؟؟
صيـــــام
ظل الطفل يقاوم الوسن . يغفو ثم يستيقظ . رسم دوائر وخطوطا كثيرة حتى لايغلبه النوم. كان يريد أن يحضر وجبة السحور بعد أن فشل في إقناع والديه بإيقاظه . قرر في داخله أن يصوم . أصدقاؤه في المدرسة يصومون وهو يوميا يكذب عليهم قائلا إنه لايفطر .ثم فوق ذاك كان يشعر بقدرته على الصيام ومقاومة الجوع يوما كاملا . عندما تسحر لم ينم. صلى الفجر وراء أبيه . أوصى أمه بأن توقظه إذا ما نام حتى لا يفوته درس الصباح . وفي القسم مر الوقت بطيئا ، ولم يستوعب الدرس على غير عادته. عند الظهر قالت أمه :
- صمت نصف يوم ، ولم تبق لك إلا ساعات . استعن عليها بالقيلولة ياولدي.
- أنا ذاهب لإدراك الصلاة مع الجماعة.
قال لها وهو ينظر إلى وجهه الشاحب في المرآ ة.
- وفي المسجد ، بعد الصلاة ، قرأ حزب " سبح " مع الفقهاء. كان مزهوا لأنه يحفظه ، بعد تلاوة القرآن كان الإمام يتحدث عن فضل الصيام على الأنام وعن الجنة وعن أطعمتها ولذتها. خرج الطفل مسرعا إلى منزله. قال لأمه :
- أريد غدائي.
إعجــاب
حين أبدت أحلام المراهقة إعجابها بالشاعر أحمد، لم يفكر هو في شئ غير ندمه على تورطه في الزواج من بنت عمه " هبة " قال لها :
- شكرا على إعجابك بي .
قالت المراهقة :
- أنا معجبة بقصيدتك،لا بك
استاء الشاعر. وجدها نسخة من زوجته.وحين سلمته مستلة من قصيدتها البكر ليبدي رأيه فيها لم يقاوم شهوته. قال:
- أنا معجب بك لابقصيدتك.
- هل ستكتب عني شعرا ؟
- نعم.
- أنا متيقنة أني سأعجب به.
- وأنا؟؟
- يكفيك أن تظل معجبا بي .
وفي حفل تقديم ديوان الشاعر، قال صديقه الناقد الذي كان يحسده على وقفته مع المراهقة:
- وحين كان معجبا بها كان شاعرا ، وحين أعجبت به لم يعد.
بعد حفل التقديم قالت المراهقة للناقد:
- أنا معجبة بك.
- فرح الناقد . بينما ظلت هي تشرح له ضرورة تطبيق مقولته النقدية على نفسه.
قـرار
امتطى الطفل حصانه القصبي وصار يجوب شوارع المدينة لخالية. كانت يده تمتد حينا إلى رأس القصبة تطعم الحصان وحينا آخر خلف ظهره تحثه على الإسراع . أوقفه الشرطي .استل من بين فخذيه حصانه القصبي وانهال عليه ضربا وسبا وشتما. ولم يهرب الطفل وإنما لملم أشلاء حصانه المترامية. خطا واثقا وقد قرر في داخله :
- أبدا لن أعزف عن ركوب الخيل.
جمعيــة
اجتمعت جمعية الحيوان في دورة استثنائية لتدارس مشاكلها والتخطيط للأفق القريب والمتوسط والبعيد. لكن الحمار تخلف . في البداية اعتبر الأمر عاديا فلأنه حمار لابد أن يتخلف. ولأنه لا يستطيع التمرد على صاحبه والحضور في الوقت. لكن الحمار تخلف. أرسلوا الأرنب باحثة عنه. مسرعة ذهبت ومسرعة عادت. لاأثر للحمار. اتصلوا هاتفيا بالفلاح . أخبرهم أن الحمار قد غادر الزريبة باكرا، وأنه علم من كواليس الزريبة أن الحمار قد رفس بقوائمه بطاقة الجمعية. ولم يخف الفلاح تخوفه من أن يكون الحمار ينشط بتحريض من أياد غريبة خفية. قرر الأسد أن تفتتح الدورة على أن يخصص شطرها الثاني لما أسماه بمحور الحمار.
حيوانات كثيرة كانت حاضرة جسدا فقط أما عقولها فكانت تخطط لتكوين فيدرالية مع الحمار.
عـزوف
اليوم ماتت جدتي، وماتت معها الحكاية التي بدأتها لي يوم أمس ولم تتممها. قالت جدتي:
- إن القط عاكس الأرنب وبلغ الخبر الخز فخرج باحثا عنه . . . .
وماتت جدتي.
سألت أمي تتمة الحكاية فنهرتني وقالت
- عيب يا ولد.
وسألت أختي الكبرى فاعتذرت بأنها لا تعرفها وانكبت تنجزتمارينها المدرسية .
وفي الفصل ، سألت المعلمة . وبختني لأنني عرقلت سير الدرس.
وقالت لي :
- اسكت ياقط.
ويوما عابت على فاطمة عينيها المتراقصتين وعيرتها وأسمتها أرنبا.
وفي اليوم الموالي عاكست فاطمة وانتظرت قدوم الخز لأعرف تتمة الحكاية، ولكنه لم يأت.
لذا قررت نسيان الحكاية نهائيا، وعزفت عن زيارة قبر جدتي، وأكل لحم الأرانب وتربية القطط.
شاعـر حداثـي
غضب الشاعر حين أوقفه المكلف بالأمن عند عتبة باب الملهى الليلي وطلب منه أن يؤدي ثمن تذكرة الولوج. التفت الشاعر يمينا وشمالا إلى صديقيه . لم يجد منهما مؤازرة. كان يعرفان أنه على ضلال.
رفع صوته زاعقا ومهددا رجل الأمن:
- ألا تعرف من تكلم؟؟
- لا . .
- أنت تكلم أكبر شعراء الحداثة في الوطن.
ظل المكلف بالأمن ظابطا نفسه ثم وفور الدم في جسد الشاعر
مجيبا:
- للأسف ، نحن لا نعرف إلا شعراء الجاهلية.
مقــابلــة
في النعش قابله الشيطان ، قال له:
- عد وخد كل العبيد.
استغرب من مكلمه. أردف الشيطان:
-لا تصدق دموعهم، هم الآن يبكونك وإذا ما في التراب دسوك
تسابقوا نحو موائد الخليفة . .
اهتز من تحته النعش . أطل . ضجر همس:
- لابد أن أمزق أشلاء هذه الغواية.
همس ثانية
- لا بد أ ن انثر أوصال هذا القصيد.
صرخ. كتم القابض الصرخة ورشاه وترجاه:
- لا تصرخ.
لم يتوقف صراخه. ترجاه مرة أخرى:
- لا تحرض علينا أبناء الشيطان . سنعيد لك الحياة من جديد.
لكن رفض رشوته ودفع راحته بعيدا عنه. فرح الشيطان. صب له كأسا وثانية وثالثة. ثملا صار وطلب الموت.فر الموكب الجنائزي. كتب وصية وحفر قبره. اندس وللموتى باح بسره.ويروي أهل المكان من سكان المقبرة انه ليلا بدأ النبش وانتفض الرفات وانطلقت مظاهرة نحو قصر الخليفة.
بورتـريـه
حضر الرسام الأصباغ والألوان .طلب من زوجته ان تهيئ له فنجان القهوة السوداء وأن لا تحاول إزعاجه . أوصاها بان تتعشى وتترك له عشاءه في إناء قرب الموقد. لم تستغرب زوجته فقد كانت تلك عادته عندما ينشد الخلوة في مرسمه، وإنما استغربت لدخوله المرسم بالمنامة لأول مرة. فكرت:
- أ يكون قد سئم جسدي وفكر في موديل عار من تلك الموديلات التي يغص بها المرسم ؟
كانت تشعر بغيرة حقيقية من موديل المرأة الشقراء التي ينسدل شعرها على خاصرتها ويسميها هو " الكاوية ".
كان الرسام متخصصا في رسم البورتريهات والموديلات. يتقنها وهي سبب شهرته المكتسبة في الوطن.
- سأرسم بورتريها للوطن.
هجس لنفسه.
فض بكارة الثوب الأبيض بأكثر من لون وحين بدأت ملامح الوطن تتبدى ابتسم.لكن وطنه فاجأه حين نهره قائلا:
- لست " الكاوية " ولا أ ريد بورتريها بالمجان.
-
تـلفـزيـون
غضب " طرفة" لما قدمته منشطة البرنامج التلفزيوني مبتسمة بالشاعر الشاب. ندم كثيرا على قبوله دعوتها .كتم سخطه، واحترس من سورة غضبه. جاهد نفسه ليجيب عن أسئلتها بما يكفي من الحلم واعتبر مستجوبته جليس سوء ينبغي أن يصبر عليه وأن يحتمل جهلها. ولم يسامح نفسه على ذنب حضوره الذي لا يقوى على إصلاحه. مسح العرق المتصبب من جبهته بفعل تلك الشمس التي لم يرها قريبة منه مثل اليوم. تذكر تلك القاعة المليئة بالغواني اللائى
أحطن به ضاحكات ومرددات كلاما بذيئا وإحداهن مسدت جبهته بطلاء غير سحنته وكاد مقصا يلهو بلحيته لولا أنه حذق فيها بحنق فهمت مغزاه.
كانت المستجوبة تسأله وهو يجيب معتبرا قوله " إذا القوم قالوا من فتى؟ " هو السبب في هاته الوقاحة التي قدمته بها.
صدمت المستجوبة سمعه حين أخبرته أنه سيموت في الخامسة والعشرين من عمره بمتفجر يوضع له في جرابه . أكد لها شجاعته وقلبه واجل: - أنا لا أحفل متى قام عودي.
ولما قالت له تمن علينا قبل أن تموت .قال:
- أتمنى أن أموت طفلا فوحدهم الأطفال شعراء حقيقيون.
حـلـم
ظل زكرياء يجوب الشوارع وعلبة السجائر في يده أملا في بيعها بالتقسيط . كان دخلها كافيا له ولأمه في اليوم لشراء البيض والخبز وتوفير ثمن علبة السجائر للغد. دخل كل المقاهي لكن أحدا لم يكلمه أو يشتري منه فقد كان الرواد يجلسون إلى طاولاتهم وأمامهم علبهم الأنيقة الملونة. ظهرا،وقرب بائع ساندويتشات أحس زكرياء بالجوع فتوقف كثيرا أمام المحل يتابع الزبناء وهم يأكلون.انتبه إلى علبة السجائر وقد ابتلت عرقا بين يديه الصغيرتين. كانت الشمس تميل نحو مغربها. عد الدراهم الخمسة التي استطاع أن يوفرها طيلة يوم كامل. هده العياء وعلى الرصيف جلس يستريح وعيناه مشدودتان إلى الصبية الأنيقين بحقائب مدرسية أنيقة يعبرون الطريق.أخرج الولاعة وأشعل سيجارة ولم يحلم بشيء غير الجلوس إلىطاولة في المقهى يرتشف شايا وأمامه علبة سجائر ملونة.
عـري
كثيرون حلموا بها ، وظل جسدها مبلغ غايتهم ومنتهى مطمحهم.
- لو تهبني نفسها ليلة واحدة فقط.
يحدث كل واحد نفسه.
لكنها هي تزوجت من بائع خردة . حسدوه عليها. وبعد زواجها اشتغلت في مصنع للفصالة والخياطة يديره مستثمر ألماني، وزاد جمالها. رشاها المستثمر ورقاها غير ما مرة وخفف تعبها ووعدها بأشياء كثيرة وجميلة . ومع ذلك لم يظفر بها. فقرها كان غناها ، وجمالها كان ملكا لم تهبه أحدا غير زوجها بائع الخردة الذي تفتن سمرته . وزاد عدد الحالمين بها وتخيلوها ليلا عارية بين أحضانه.
حتى الطوفان المباغت الذي داهم "دوار الملحة" وجرفت سيوله البيوت والناس عشقها. كانت تنام قرب رضيعها حين باغتها السيل الجارف وقد اقتحم الغرفة الوضيعة. انتبهت متأخرة ولم تطاوعها كبدها على الهروب والنجاة بنفسها دون رضيعها. وانتقم منها الطوفان ولم يرحمها.
وقرب " القناطر البيضاء" وجدها في الغد ميتة وقد جردتها السيول من ثيابها وعرتها كما حلم بها كثيرون.
هــــجـــرة
طوى الورقالمقوى وفكرفي صنع زورق. استعصى عليه الأمر فسخ المصنوع وحاول، لكنه لم ينجح . لم ينجح في المرات الكثيرة التي استغرقت وقته وأعصابه. عندما كان صغيرا في المدرسة الابتدائية كان يصنع الزورق والطائرة والباخرة وأشياء أخرى كثيرة. نسي كل هذا وهو يفكر في صنع زورق فقط .ومع ذلك لم يستطيع. استعان بابنه الصغير:
- هل تستطيع ان تصنع زورقا.
رد الصغير:
- وبشراع أيضا .
- أرني كيف تفعل.
صار الصغير يصنع الزورق والأب يراقبه . ولما انتهى ابتسما معا. وليلا عندما نام الابن فتح الأب محفظته واخرج العجين وصنع رجلا يشبهه وخبأه في الجيب الداخلي لسترته. صباحا في فترة الاستراحة لم يغادر الأب الفصل. نهر الصغار وأمرهم بالخروج بسرعة . فتح خزانة الفصل وأخرج خريطة العالم.وضعها على مكتبه . وضع الرجل الذي يشبهه في الزورق ووجه الزورق باتجاه الضفة الأخرى من البحر وصار يضحك.
اعتـصـام
مر فصل الربيع مسرعا،وتبدت ملامح فصل الحر . شمر الفلاحون في البوادي عن سواعدهم استعدادا لحصد المزروع، وإقامة الأعراس. عن الملابس ذات الأكمام تخلى الناس في الحواضر، ولبسوا
سراويلهم القصيرة . لكن المفاجأة أخرست الجميع. ف " مارس " و" أبريل" و "مايو" ظلوا معتصمين أمام مقر البرلمان وقدموا بذلك صورة قبيحة - حسب المسؤولين - عن وجه الربيع في الوطن.وجاء الخريف وحرث الفلاحون أرضهم ثانية والتحق الأطفال الصغار بالمدارس واصفرت أوراق الشجر وتساقطت. ودرس التلاميذ مزايا الفصول، لكن معلميهم كانوا يتحاشون تحديثهم عن الربيع .وجاء الشتاء وتكاثرت السيول وعادت الأودية إلى منابعها وتفتقت الرتوق وابيضت الجبال بالثلوج، وانتظر الناس الربيع لكنه لم يأت . فمارس وأبريل ومايو كانوا لا يزالون قرب مقر البرلمان وبلغ تماديهم في غيهم درجة إضرابهم عن الطعام.
واختل ترتيب السنة الهجرية أيضا وتعطل شعبان ورمضان وشوال وافطر الناس تلك السنة ولم يحتفلوا بالعيد وصمت الأطفال بعد ان سألوا عن بذلهم والكعك ولم يجبهم أحد.
توقعت بقية شهور السنة من المسؤولين عن التاريخ والتقويم مساءلة الشهور الغاضبة ومعرفة سبب اعتصامها لكن ذلك لم يحدث.واستمرت الأمطار في التساقط ليلا ونهارا واقترب الطوفان ولم خف الناس كثيرا.إلا أن الوحيد الذي كان متيقنا من موته هو شهر"غشت" مادام
لايتقن فن السياحة.
شمـاتة
تألم الأسد كثيرا لما بلغه قرار مجلس الغابة بإعفائه من مهامه. كاد يبكي. قال سرا :
- كل شيء يهون غير شماتة الأعداء.
أما أعداؤه فقالوا :
- سينتحر لا محالة.
بينما الذين كانوا معه لأنه كان راكبا وصاروا مع غيره لأنه نزل، فقالوا:
- لكل أجل كتاب.
- ليس للدنيا أمان.
- "مادايمش".
في عرينه بكى الأسد خفية ولم يبن. واللبؤة تمنعت عنه ليلتها ولأشبال قالوا:
- كان أبونا رجلا صالحا.
ظلت الحيوانات في الغابة غير مصدقة ماحدث، وحده الحمار ضاق صدره بسعادته . ألقى البردعة، استلقى على ظهره وفي التراب تمرغ وحلم:
- لو ينتخبني مجلس الغابة بدلا عن الأسد.
نمـيمـة
الحاج نجيب نمام محترف، لكنه لا يبدأ نميمته إلا باستغفار خاص يورده مباشرة بعد اسم الشخص الذي يفكر في تشريحه. يستهل:
- فلان- الله يسمح لنا من ذكره-......
ثم يغرق في تقطيعه إربا وأشلاء، وشويه وأكله وحين ينتهي يختم باستغفار ثان:
- الله يسمح لنا. نحن لا نتكلم فيه، لكن كل واحد يذكر بأفعاله.
ويزعم الحاج نجيب أنه لا يكلم أحدا عن ثان إلا إذا كان الأول ثقة. لكن أصدقاءه هجروه وصاروا يتحاشونه. ومرة وجدهم متحلقين إلى طاولة في المقهى فكر:
- بالتأكيد هم يتكلمون عني.
تردد قبل أن يلتحق بهم قائلا:
- أنا أحدثكم عني.
إبـــداع
استعصت عليه القصيدة .منذ أزيد من سنتين لم يكتب. أوجس في نفسه خيفة:
- سينساني القراء.
ارتشف رشفة من كأس الشاي المنعنع فلسعته حرارته. مد يده إلى كوب الماء قربه من فمه. عبه كله .أخرج ولاعته البلاستيكية الحمراء فأشعل سيجارة . فكر في القصيدة ظلت مستعصية عليه فجأة صاح:
- وجدتها . أوريكا. وجدت القصيدة.
نظر إلى أشيائه رتبها. أخد ورقة وقلما وصار يكتب:
"السيجارة مائي
والشاي ولاعة
الحمرة كوبنا.
والمفاتيح دخان
انفث تبغك
انفث
فالكراسي شاغرة"
ابتسم فرحا بميلاد القصيدة، وفي نشرها فكر. لكنه سرعان ما تراجع و هجس لنفسه:
- النقاد أ داوتهم معطلة ومستهلكة وقد لا يدركون عمق هذه القصيدة.
إذاعــات
هنا إذاعة " سميرة " : في برامج الليل.
تقول المذيعة:
- مرحبا بعمالنا في الخارج.
يرتد الصدى:
- لا مرحبا بعمالنا في الداخل.
تستطرد المذيعة:
- نترككم - عمالنا بالخارج - مع . . . . .
يقاطعها التقني:
- " أما عمالنا بالداخل فقد تركناهم عند الترحيب "
تخفي المذيعة حنقها، وتعود:
- نترككم عمالنا في الخارج مع أغنية عن العشق والغربة و . . . .
وهناك إذاعة القاهرة في وصلة غنائية مع المطرب الكبير . . . . .
وهنا " سميرة " وهناك " القاهرة " :
القاهرة قاهرة وسميرة مقهورة.
وبين هنا وهناك خبر - في مجلة كثيرة الصور والابتسامات - لم
تذعه إذاعة سميرة ولاإذاعة القاهرة ولا إذاعة أهل سميرة.
يقول الخبر :
- " عزيزي بليغ:
هنيئا لك بالبراءة من التهمة التي نسبت إليك والمتمثلة في الزعم بتحريضك على الفساد في بيتك بين المغربية سميرة. م والسعودي س.س والتي انتحرت برمي نفسها من شرفة بيتك المصون و . . . . . "
ويسأل طفل تعجبه الخرافة:
- وأين دفنت سميرة ؟
- في القلوب يجيبه العاشق.
- وهل القلوب تحفر ويدفن فيها الأموات؟
- حين تكبر يا ولدي وتعشق سميرة. وتغادرك سميرتك شرقا أوغربا وتحترف أقدم مهنة في التاريخ مع أدنس رجل في الجغرافيا.
ستعرف ما معنى أن يكون القلب قبرا.
يخرس الطفل طويلا، ثم يشرع في فك قطع المذياع . .
ذبــول
مد الوردة وابتسم.
قالت لها الوردة:
-لا تصديقه فهو كاذب.
أما هي فقبلته في خده وانتشى.
قالت له الوردة:
- لا تصدقها، ففي شفاهها بقايا من خده.
وضعت الوردة جانبا على السرير ومدت له يدها.اشتبكت
أيديهما.قبلها. ابتلع ريقها ضمها إليه.تأوها . خمدا. صار يتحدثان.
كانت يده تعبت بخصلات شعرها. ويدها تعبت بشعيرات صدره.
- أحبك. قالت له.
- ليس بحجم حبي. رد عليها.
- كانت موسيقى " خوليو " بفرنسيته الركيكة شاهدة عليهما. ولما انتبها وجدا الوردة ذبلت. قالت الوردة:
- أذبلني صدقي وكذبكما.
رصـاص
تساءل ياسر بعد أن بلغه نبأ وفاة أبيه برصاصة شرطي:
- كيف يمكن للرصاص أن يقتل؟؟
ردد السؤال ل أكثر من مرة في داخله. ثم فكر:
أخوه الأكبر يشتغل في شركة لسبك الرصاص ومع ذلك يعود كل مساء إلى المنزل سالما ومعافى.خالته الحاجة الذهبية عندما تزورها النسوة لتقرأ لهن الطالع أو تفسخ عنهن السحور تحضر قطعة رصاص. تصهرها فوق " الفاخر " ثم تدسها في طبق الحلفاء المليء بالدقيق لتخبو فيه . ومن خلال التشكل الجديد لقطعة الرصاص تخبرهن بالكائن وبالممكن وبالمحال.
قلم رصاصه الأبيض المزين بفراشات ملونة لم يحدث أن قتل ورقة أوفراشة.
أعياه التفكير ولم يهتد لسر الرصاص القاتل.
حين أطلق رصاصة على صديقه وهما يلعبان في " عاشوراء " ولم يمت صديقه، جاءه السر طائعا:
- لابد للرصاص من بندقية.
عــقــم
حالتها جعلتها تخبر الأولياء وتعرف تخصصاتهم، وحين دلوها على سيد العابد الوالي الصالح الرابض هناك في جبل " المحصر " فرحت كثيرا. حملت إليه الشموع وديكة حمراء وسوداء وقوالب سكر و . . و . .
ترددت عليه مرات كثيرة . ربما يكون قادرا على أن يهبها " المولود "الذي طالما انتظرته . فقد هدها العقم ، وتوجساتها من زواج ثان لزوجها وغضبه الدائم غير المبرر. في اخر مرة زارت سيد العابد لتبيت هناك كما نصحتها نسوة الدوار، فوجئت بمقدم الوالي يقول لها:
انوي خيرا يابنتي ف " سيد العاقر " بركاته لا حد لها.
بطون
قال الطفل التغلبي، وهو يقلب الجريدة بحثا عن صور ملونة:
- نفروا من برصي.
قال الطفل العبسي، وهو يلمع حذاء رجل متهدل الكرش: عيروني بسواد لوني.
قال الطفل الأسدي ، ويده الصغيرة تتسلق سطح السيارة الفخمة التي كان يغسلها: بالبخل نعتوني.
قال الطفل الحميري وهو يفتش في مقلب قمامة كبير: يقولون إن لا أب لي .
لما سيقوا الى المحكمة لعدم اكتراثهم بعيد الطفولة سألهم القاضي:
- لماذا تم القبض عليكم؟
رد الطفل العبسي:
- لأننا نكره الكبار .
ردد أصدقاؤه:
- لأننا نكره الكبار.
- وهذه السكاكين والسفافيد التي أمامي هل هي ملك لكم.
فكر التغلبي في تبرئة أصدقائه.
- هي لي وحدي.
قال الأسدي والحميري والعبسي بصوت واحد:
- لا، هي لنا جميعا.
التفت القاضي إلى يمينه ، حدق في أقصى القاعة رفع صوته مهددا:
- ألا تعرفون أنها أسلحة؟؟
- نعرف.
- وأنها ممنوعة. ؟
- لا نعرف.
- سأحبسكم.
بعدها لم يتكلموا . ظل القاضي يسألهم وهم لا يجيبون. نفذ صبره. ضرب بمطرقته على المنصة ضربات بحجم الغضب الذي لم يقوى على كتمه. قال:
- ليس لديكم كلام، أم تمتنعون؟
- سنتكلم حين تردون إلينا سكاكيننا وأسفدتنا.
خـردة
حين أحيل على المعا ش قرر أن يشرع في الصلاة ويبدأ رحلة جديدة بين داره والمسجد خمس مرات في اليوم. لكنه لم يستطيع ان يتخلى عن عادته القديمة في التجول في أسواق الخردة. كان يصلي العصر بعجلة، ثم يهرول إلى الجوطية. لم يستسغ الارتفاع في الأسعار الذي طال الأشياء المستعملة حتى صار ثمنها لاسعا.
عند بائع أ ثواب أثار انتباهه لباس غريب وغير مستهلك كثيرا: سال البائع:
- نسائي أم رجالي ؟
- معا. رد البائع.
فاجأه الثمن الذي كان ارخص مما توقع ولما سأله عن اسم اللباس قال البائع:
- نخوة . اسمه نخوة.
طرحها أرضا لأنه يعرف كيف يرتديها وابتعد.كان البائع يلاحقه بصوته المبحوح:
- أؤكد لك يا سيدي أنها نخوة عربية.
شـعـور
لم يعرف ما الذي فعله حتى نزلت على خده صفعة الشرطي البدين .تلتها ركلات وسب و . . . بعدها لم يعد يذكر شيئا.
على الأرض سقط . أغمي عليه . في المستشفى حين فتح عينيه بتثاقل تنهدت زوجته وهمست بصوت مسموع:
- الحمدلله .ثم سألته:
- بماذا تشعر؟
- بالوطنية.
أنا لها
لا يذكر أصدقاء الحجاج بن يوسف أنه شارك في مظاهرة طلابية في سنوات الكلية إلا إذا كانت متعلقة بمنحة الدراسة. ولم يزور الحي الجامعي مرة إلا لرؤية محبو بته البضة القديمة من جبل بعيد في الريف. أحبه أساتذته
لاجتهاده الذي لا يحد. استحقاقاته مشرفة دائما. أما رئيس الشعبة فقد كان راضيا عنه تماما لوقوفه جنبه في المسجد أثناء صلاة العصر.
لما تخرج حصل على منحة لمتابعة الدروس بفرنسا . درس العبرية هناك وفيها تخصص. تفوقه مثبت على شهادة الدكتوراه التي عاد بها من سنوات البرد وغسل الصحون إلى الوطن حالما بمنصب في الكلية. لكن أمله خاب
وطالت مدة عطالته وصار يدخن ويرتاد المقاهي وترك الصلاة و . . . .
تقدم إلى مبارة عمداء الأمن ونجح فيها. وتخرج عميدا. كان يتلقى
الأوامر ويطبقها ويرقى وفي كل نائبة مستعصية يقول:
- أنا لها.
وكلما رن في مكتبه هاتف الوالي توقع أن يقول له:
- من للجامعة؟؟
لكن ذلك لم يحدث.
كـتـابـة
في الصحراء، وقرب مدخل خيمته ، جلس نبيه يدخن سيجارة شقراء مهربة، وقد انتشرت السهام حوله . كان بعضها مكسرا وبعضها الآخر عليه آثار مراق حديثا. قال له الرجل النحيف العاري الصدر والأعزل والذي كان اسمه جميلا:
- نبيه ، من أذن لك بالزواج من بثينة؟
- ومن أذن لك بالتشبيب بها بالرغم من زواجنا؟
رد نبيه وقد صار واقفا:
- أنا أولى منك بها. قال جميل بصوت متهدج.
- زواجك منها لن يكون غير ستر لعارها.
- هي تحبني يا نذل.
ثم إن نبيها هم بصفع جميل ، إلا ان الثاني كان هزيلا فخشي الأول ان يقتله. بصق على الأرض ودخل خيمته.
ونظم جميل القصيدة تلو الأخرى في بثينة. ولم تبالي هي به بعد أن كانت تدبر له أمر زيارته لها خفية من زوجها. فارسل لحيته حتى صرته وباع النوق والغنم والسمن والخيمة وهاجر إلى أوروبا.
وفي حانة في " سيرجي بونطواز " بباريس، لاقاه عروة وقيس وهما
يتأبطان دواوين شعرية أصدروها على نفقتهما وكتبا على صفحة الغلاف
الداخلية :
- كل الحقوق محفوظة للمحبوبة .
سألاه عن حاله وسألهما عن الأهل والصحراء وعلى وجهيهما بدت له ملامح حزن فاضح.
قال قيس :
- ليلى، يا جميل، صارت لغيري.
قال كثير :
- اكتفيت بالصلاة حيث صلت عزة.
بقي جميل صامتا، مسح قيس دمعة مكابرة انفلتت منه. أخرج الديوان من سجن إبطه، مده لجميل :
- هذا ديواني الأخير وعليه ختمي.
- ختم بثينة في قلبي، يا قيس، وقلبها مناي.
تدخل كثير مسايرا :
- كم كتبت عنها من قصيدة؟
- ...
- كم كتبت عنها من قصيدة يا جميل ؟
رد جميل وذكرى لقائه مع نبيه في الصحراء ماثلة بين عينيه :
- تسع قنينات يا كثير.
أضـــاحـي
يوم وصل إبراهيم، البناء الماهر، إلى الورشة في إقامة " سوماكوترا "
هناك في " بييرفيت " سأله رئيس الورش :
- هل معك شهادة تثبت خبرتك في البناء؟
أشار إلى ساعده الأيسر قائلا :
- هذه شهادتي.
اقتنع رئيس الورش بجوابه المفحم وشغله.
يصبر إبراهيم على الجوع ويقهر شهواته وإلى أسرته يبعث بالحوالة تلو الأخرى.
انتهت الأشغال بالورش. تعطل إبراهيم. صبر على كل شيء إلا أضحية العيد لأبنائه في " البلاد " . ويوم العيد لم تغادره المرارة. وفي " البلاد " ضحت ابنته العذرة مع إسباني عجوز عشاها " بيتزا " وسلمها أوراقا مالية كثيرة وملونة. وضحت زوجته ببعض من أثاث البيت واشترت حملا قريبا من الأرض.
لــغــــو
قبل أن يرافق الصغير أباه إلى المسجد لصلاة الجمعة لأول مرة، علمه أبوه كل شيء : الوضوء والركوع والسجود و... أصر الابن على أن يستظهر أمام أبيه التشهد كاملا. لكن أباه ظل ينبهه إلى ضرورة ألا ينسى أمرين فقط هما : ركعتا التحية حرمة للمكان والصمت عندما يكون الإمام يخطب.
دخلا المسجد، صليا الركعتين. بدأ الإمام يخطب. تكلم عن الماء الكهرباء والهاتف والأنترنت و ... و ...
كان الصغير يعبث بقصب الحصير الذي يجلس عليه وبين فينة وأخرى يسأل أباه :
- متى سنعود إلى المنزل ؟
لم يجبه الأب. كتم سخطه وصبر. لما خرج من المسجد شده من ياقة عباءته الصغيرة بعنف. هزه وقال له :
- ألم أقل لك لا تلغ عندما يكون الإمام يخطب؟؟
رد الصغير ببراءة :
- ولكن الإمام كان يلغو.
عـجـــزة
في دار العجزة، يقاسم مارك توين زهيرا بن أبي سلمى الغرفة الضيقة والمتسخة. يلعبان الورق. يعبئان شبكة الكلمات المسهمة . يتحدثان عن الإبداع وهمومه. شعارهما العجوز للعجوز نسيب.
كان زهيرا مكلفا بالسقاية والزجاجة بينهما تحتضر. فاجأه مارك قائلا:
- من غير شك ان الحياة كانت ستبدو اجمل وأروع لو كنا نولد في الثمانين ومع مرور الأعوام نقترب من سن الثامنة عشرة.
- ولماذا الثامنة عشرة؟
- لأن في هذا السن تصنع بنا أيدينا كل شيء جميل ورائع.
- ونموت عندما نبلغه؟
تساءل زهير باستغراب. فرد مارك وهو يحاول أن يكون عادلا في صب آخر جرعات تعطلت في الزجاجة:
- ليس في الكون ما يستحق البقاء بعد.
شرد زهير وعبثا حاول أن ينظم قصيدة.
بــريـــد
وجد الرسالة في صندوق بريده . على ظهرها مكتوب:
- المرسل هل تعرفه؟؟
لم يرهق ذهنه لتذكر الخط المرتبك الذي كتبت به العبارة. فمراسلوه معدودون وبريده شحيح حد الغياب.
همس لنفسه:
- عرفتك يا حبيبتي، لكن خطك من ثقفه. ؟؟
هــاتــف
خرس هاتفه منذ غيابها ، ولم يعد يسمع ذلك الرنين الذي كاد يصير جزءا من أشيائه الصغيرة المرتبة بلا ذوق ولا اكتراث.المرة الوحيدة التي رن فيها الهاتف. نط إليه. صعقه صوت موظفة البريد :
- يؤسفنا أن أبلغكم عزم وكالتنا على وقف اشتراككم حتى تسووا وضعيتكم الحسابية.
حضــانـــة
تجلد الصغير محمد وحاول ان يبدو رجلا. حمل الرضيعة سارة الباكية في كفيه الصغيرتين. في فمها وضع الرضاعة. سكتت. قبلها.
أحس بشيء ما يؤلمه في صدره. قرر :
-لا بد أن أتحمل.
نامت الرضيعة . وبجانبها استلقى محمد.كانت سناء تراقبهما معا. وهي ترفض أن يمشط شعر عروستها.
قالت لأيمن :
- بنتنا لابد أن تنام .
هز أيمن كتفيه الصغيرتين. قال:
- يجب أن نكبر عن هذا الشغب.
- أي شغب تعني؟
- شغب الصغار الذي يسمونه " عريس وعروس "
- لكننا لازلنا صغارا.
- أنت نعم ، أما أنا فكبير.
أخرسها جوابه. حاولت ان تجنح به إلى حديث آخر قالت:
- ما أسعد ذلك العريس بعروسته.
وأشارت إلى محمد والرضيعة. ضايقه كلامها. فك من بين يديها
الدمية وألقى بها بعيدا وانصرف.
خلفهم جميعا تجلس امرأة ثكلى في سرها تقول:
- تعسا للآباء وللأمهات حين يقوون على فراق أكبادهم.
خـريطــة
أنجز التلميذ تمرين مادة الجغرافيا لوحده. لم يستعن بأحد. هولا يتقن شيئا اكثر من رسم خريطة الوطن، وقلب مخترق بسهم في الوسط.
على قفاه، نزلت ثقيلة يد معلم الجغرافيا . فزع التلميذ . سأله المعلم:
-ماذا طلبت منكم ؟
- رسم الخريطة.
- وبدون أودية ولا أ نهار. ؟؟
- نعم.
- لم رسمت إذا هذا النهر. ؟؟
رد التلميذ وهو يمسح الدموع بظاهر كفه :
- ليس هذا نهرا ، هذه مدينة تبكي.

الاحد, 23 ابريل, 2006
جمال بوطيب
الحكاية تأبى أن تكتمل
مجموعة قصصية
الكتاب: الحكاية تأبى أن تكتمل
المؤلف: جمال بوطيب
رقم الإيداع القانوني: 916/93
المطبعة: وجدة/ SNIP
الطبعة: الأولى1993
الغلاف: حسن بنصالح
اللااهداء:..........................!!
لأنني أعرف قيمة الإهداء.
أبيت أن أفسدها.
- حين لا يكون زماننا زمانا يحط الجياد ويسمي الحمير.
- وحين لا يكون أهل زماننا ممن يأكلون مع الذئب ويندبون مع الراعي.
- وحين لا ننظر إلى الحق والعدل والحب والمساواة على أنها أساطير أو نكت غير مضحكة.
- وحين نرفض أن تداس كرامتنا أحياء، ولا نأبه إذا مامتنا أن نحك مع سدرة.
- وحين لا نتقي بمظلاتنا الرخيصة زخات المطر ونتركها تغسل رجسنا ونجسنا ودنسنا.
حينذاك. حينذاك.
وحينذاك فقط اسألوني لماذا أنا أكتب ؟؟
تقديم
د/ محمد علي الرباوي
حين كان القاص جمال بوطيب طالبا بالكلية في سنوات الثمانين، قدم إلى قصة – أظنها من بواكر إنتاجه – لأطلع عليها، ولأقول رأيي فيها. واذكر أني حين قرأتها أعجبت بأسلوبها، وببنائها. ولكن العمل الواحد لا يسمح بتقويم صاحبه؛ لهذا أخفيت إعجابي بالقصة، واكتفيت بأن قلت لصاحبها: ان بعملك أثرا واضحا لأسلوب كافكاKAFKA.
وبعد تخرجه من الجامعة فاجأني بمجموعته القصصية الأولى: " الحكاية تأبى أن تكتمل " ، وكلفني بكتابة مقدمة لها، وهو لا يعلم أن مشاغلي لا تسمح لي بإنجاز هذا العمل الذي يتطلب وقتا للقراءة.ولكن لإعجابي السابق بقصته الأولى قبلت على ان اكتفي بقراءة مطالع هذه القصص ثم أدبج المقدمة. ولكن ما ان أبدأ في قراءة الجملة الأولى من كل قصة حتى أجد نفسي عند النهاية. وهكذا نجح القاص فنيا حيث ورطني في القراءة وأرغمني على دخول إلى عالمه المدهش الجميل لقد نجح في بناء مقدمات قصصه وهي مقدمات تدفع بالقارئ كيفما كان مستواه إلى ضرورة متابعة القراءة، وهذه الخاصية في قصص جمال ما عدنا نجدها في كثير من القصص القصيرة التي تنشر ان في المغرب وان في المشرق العربي. ويدعم هذه الخاصية استعارة جمال أسلوب الحكاية الشعبية والخرافية وأسلوب الليالي حيث يتداخل الواقع واللاواقع والمعقول واللامعقول والطبيعي والمدهش والتصريح والتلميح والنثر والشعر كل شيء في هذه القصص يتحرك ويتكلم الإنسان والجماد والطير والحيوانات انه المدهش .
إن مدينة وجدة هي مدينة الشعر حتى المسرح المزدهر بها لاتخرج لغته عن لغة الشعر وعندي أن هذا يعود إلى ما بالمغرب الشرقي من طابع بدوي لكن حين تسلمت هذه القصص فرحت باعتبارها عملا سرديا جاء ليزاحم جنس الشعر ولكن بعد القراءة تأكد أن هذا العمل عباراته تتأجج شعرا فمن تجليات هذا الشعر في الحكاية تأبى أن تكتمل اللغة المتوترة والمنسقة في جمل قصيرة يضاف إلى هذا بناء بعض القصص على أسلوب الفقرات وإعطاء عنوان لكل فقرة مثل وصايا لسباع أرادت تعلم المواء فنسيت الزئير والحكاية تأبى أن تكتمل حيث يوهم القاص القارئ بأن كل فقرة تمثل بناء مستقلا في حين أن ثمة خيطا رفيعا يربط بين تلك الفقرات .
ومن تجليات النفس الشعري بهذه القصص حضور الأزمة في بعض الحكايات مثل غفوة والرأس و الوسادة ففي غفوة تتكرر من فقرة إلى أخرى العبارة التالية إلا من الناموس والأزبال ولعنه الأقدار لكن هذه اللازمة حين تعود إلى الظهور تنكشف عليها ثوب جديد.
ومن أهم تجليات الشعر أن القصة عند جمال تبدأ بفعل يحمل ضميرا يعود على غير معين: من تكون " حكال " التي تتحدث عنها القصة الأولى؟ أهي امرأة؟ ان بالفقرة الأولى علامات كثيرة على أنها فعلا امرأة من هذه العلامات فعل صمتت والكلمات التالية القلب العاشق أغرت كلها كلمات ترتبط بالعشق بالمرآة ولكن الفقرة تنتهي ويزول القناع عن حكال فاذا هي مدينة صنع لها القاص اسما غريبا وهذا الأسلوب مستعار الشعر من خاصياته خلق التوتر في وجدان الملتقى الذي يظل يتساءل وهو يقرأ من يكون المكني في النص.
وبهذا الأسلوب فرض علي الأستاذ جمال بوطيب قراءة كل قصصه التي اعتبرها من أجود ما قرأت من قصص .
غــفــوة
...صمتت "حكال" كأنها قلب عاشق مخدوع. طقس ثقيل وموحش خيم عليها، فتضاعف صمتها في هذا المساء الهادئ مثل شيخ وقور. كل من أغرته يوما بالبقاء عافها، وغادرها حتى صارت مهجورة إلا من الناموس والأزبال ولعنة الأقدار... تلك هي " حكال" مدينة الآباء والأجداد.
في المدينة كلها لم يكن غير مصباح واحد منيرا، لا أدري أي شيء خارق جعل حجارتنا تخطئه عندما كنا نتسلى بتكسير المصابيح ونحن صغار. وكان المصباح ينطفئ لحظة وينير أخرى كأنه رجل مر ماش يحاول اختراع كذبة خطيرة .
تحت ضوء المصباح افترشت التراب مادمت لا أملك فراشا ولا مأوى. أسندت ظهري إلى عمود المصباح .مددت ساقي اليسرى وجعلت اليمنى تستريح عليها، ولا أدري لماذا تذكرت بالضبط أستاذ الفلسفة بوزرته البيضاء كبائع حلويات متجول وهو يشرح ويعيد أن أصل العالم تراب عند بعضهم وعند اخرين هو الماء أو الهواء أو...وقتها كنت أحس بجوع شديد وحين لاحظ الأستاذ شرودي، سألني:
-ماذا قلنا عن أصل العالم ؟
وبلغة بليد لاتخيفه عواقب إجابته، قلت:
قلنا ان أصل العالم هو.... الخبز.
بعدها مباشرة فصلت عن الدراسة بميزة "حمار" ومنحة لمتابعة الدروس في شوارع " حكال" مدينة الأسى والحزن.
اعتدلت في جلستي بسبب حصاة لعينة دبرتني ، وأنا أقاوم النوم هذا الملعون المتمسك بي كما تتمسك طفلة بعروستها. وبدأت أغني علني أطرده عني.. لم أعد أرغب فيه مند صار خدعة من خداع عصر الموضة والسيدا والجراد . أغني وأدرك كامل الإدراك أننا في زمان أصبح فيه الغناء مدعاة للرقص لاغير.
لم أكن أتوقع ما حدث. ذهب النور. وانصرف الناموس الذي كان متجمعا حول المصباح .وتحول الناموس إلى جسدي يقرصني وكأنه يعاتبني ، فأشعرني أنني مغن بائس مسكين يحتاج كثيرا من الأشياء ....
والحق أنني كنت محتاجا