درجات اكتمال الخطاب اللغوي
قراءة في مجموعة " الحكاية تأبى أن تكتمل "
أحمد لطف الله
إذا كان الحديث عن اللغة يمتاز بالخصوبة اللذة باعتبار اللغة ليست فقط كما نعتبر بشكل تقليدي: وسيلة للاتصال، بل هي عالم مضيء يمتلك روح الخلق، هي المجتمع...، وهي أل " نحن ". إلا أن الأمر يتدثر بغطاء المغايرة حينما نتحدث عن لغة الفن القصصي.
ففي هذا الفن تتزاوج التقنيات والرؤى والأحلام.. وتتمازج في تداخلات متشابكة وكل شيء يتمن باللغة ويخضع لها أو تخضع له.
واللغة في المجموعة القصصية " الحكاية تأبى أن تكتمل " ( 1) للقاص المغربي جمال بوطيب تزيل الستار عن عدة سمات لغوية تتعلق بالمستويات الثقافية والاجتماعية للقصة، فإذا اعتمدنا على التعريف البسيط للسرد، " نقل الحادثة من صورتها الواقعة إلى صورة لغوية " ( 2)، يمكن أن نتساءل عن طبيعة الصور اللغوية داخل المجموعة.
في قصة "غفوة " أولى هذه القصص تتأسس بنية سردية مثلثة تنطلق من الهدوء ( المدينة الصامتة ) إلى الاضطراب ( الأحداث الواقعة بين العسكري والشخصية الرئيسية التي تتداخل مع الراوي ) ويسيطر السرد على هذا النص ولا يظهر الحوار إلا في شكل لمحات خاطفة، وقد وضع الكاتب لكل مقطع سردي لغة تليق به، ويكفي للتدليل على هذا التوافق أن نجد في المقطع الأخير الخاص بالارتخاء جملا مثل " كان النسيم رطبا ". الفجر لوحة جميلة...فتحتص9). في كسل " ( ص13)، بينما ينصب مقطع الهدوء في قالب لغوي يعتمد الوصف للمكان / فضاء المدينة / ويستعين ببعض التشابيه " كان المصباح ينطفئ لحظة وينير أخرى كأنه رجل مر ماش..." ( ص9) .
ومن خلال مرآة اللغة دائما تنعكس لنا صورة تداخل مجالات ثقافية في هذه النصوص، وينكشف الإنفلاث الأجناسي خاصة الشعري والمسرحي لهذه القصص، ففي نص الرأس والوسادة نسمع خطابا لغويا مسرحيا مبنيا على على المواجهة والنبر الدرامي " إلى متى ستظل هاربا يا ابن سعادة ؟ ؟ فن'ص19).ك وأمامك وعلى يمينك وعلى شمالك، نحن قدرك فسل نفسك تسلم، لا سلم نفسك لن تسلم، عيناك سوف تعميان وراسك سوف يقطع ونحن المعمي والقاطع..." 'ص19).
وتصبح اللغة شاعرية مستلهمة من روح الدفق الشعري الذاتي ومنتجة لصور شعرية ناضجة حينما يقول الراوي في نص " الكوجيتو ": " كنت وحيدا كنجمة الفجر...عيناي يغشاهما ضباب غد ناقم " (ص 43)، " والمظلة السوداء الجميلة... تقي بنيتها الأنيقة من عبث المطر ( ص44).
وفي هذا النص حينما ينتقل الكاتب من مستوى السرد إلى مستوى الحوار تعود اللغة إلى طبيعة المهمة المنوطة بها فالحوار هنا يتمم السرد، ولا غرابة في ذلك فهو مفصل حيوي منه ولذلك جعل الكاتب هذا الحوار في نسق لغوي بسيط وواضح، ففي نهاية النص يبين الحوار الدائر بين الشخصية الرئيسية والضابط عن هذه الخاصية:
_" تأكد لنا انك بريء
_ كيف ؟ وماذا كانت تهمتي ؟؟
_ أتريد العودة إلى السجن ؟
فقط.ا لا... فقط ..
_ لا تكن غبيا... هيا مع السلامة " (ص 48).
فالموقف ( حوار الضابط للشخصية ) خلق هذا التعبير اللغوي الواضح، وأحيانا نجد مكانة الشخصيات هي الداعية
إلى نمط لغوي معين يختلف باختلاف مستوياته، ولعل مسالة ملاءمة الخطاب الحواري لمستوى الشخصية ومكانتها الاجتماعية والثقافية.. وقد أثيرت مند بواكير الخطاب النقدي العربي، فميخائيل نعيمة يقر بان الكاتب الذي يحاول أن يجعل فلاحا أميا يتكلم بلغة الدواوين الشعرية والمؤلفات اللغوية يظلم فلاحه ونفسه وقارئه..(3)، وقد عالج نجيب العوفي المسالة أيضا بشيء من الحياد اقتضاه العمل التصنيفي في دراسة، يقول " والنصوص التي يطابق فيها الحوار الشخصية مضمونا ومنطوقا هي التي تعتمد الحوار العامي " (4).
وفي قصص جمال بوطيب تختلف درجات الاستعمال اللغوي في الحوار، حيت يتشكل الفضاء اللغوي الفصيح في قصة " العصفور الشاعر " فضاء يتسم بلغة شفافة سلسة رغم خوضها في مجال تخييلي واستعمالات ترميزية (5)، ونمثل بما قاله العصفور للقفص، حينما حضرته الوفاة:
"_ إني لم أوفق في الكتابة عنك يا عزيزي، فكن أصيلا أيها القفص الحديدي الصغير واكتب عني " (ص16).
أما النص الأول " غفوة "، والذي سبقت الإشارة إليه، فهو يتضمن حوارا بلغة عامي تتخللها جمل تتأرجح بين العامية والفصحى، ففي الحوار العامي نجد العسكري يخاطب الشخصية / الراوي:
_ زد، وتتسرب هذه العامية إلى الخطاب السردي كذلك " زدت امتثالا لأمره "، وفي محاولة استنباط لغة فصيحة من الأسلوب العامي نجد العسكري يقول دائما: " آه البوليتيكات لا تنفع معي، آه... قل'ص11)..." 'ص11) .
وفي النص / الغلاف " الحكاية تأبى أن تكتمل "تنتمي الشخصيات إلى العالم القروي، وقد انطقها الكاتب بهذا الشكل:
" قالت امرأة ثقة: لأول مرة لم تبض دجاجتي
وقال ابنها المدلل: لأول مرة لم أجد بيضا اسرقه.
وقال زوجها القصير: إن أحدا ما حرض الدجاج على تحديد النسل.
وقالت الدجاجات: إن الديكة ضعفت همتها
وقال شيخ صالح: إن الدنيا على أحرها " (ص27)
إن كلا من المرأة والابن والشيخ الصالح وحتى الدجاجات كشخصيات تخترق العادي ـــ قد تفوق بكلام يلائمه، أما زوج المرأة فرغم كونه بدويا فقد جعله الكاتب متحدثا بلغة علمية ( تحديد النسل ) وفد يكون هذا الأسلوب الكافكاري الساخر هو ما أتاح له ذلك، فقد كان كافكا يحب أخد عباراته من لغة القانون والعلم ويعطيها نوعا من الدقة الساخرة " (ص 6).
ويبقى التشبث بالفصحى سمة لغوية بارزة في هذه المجموعة، وهي ميزة تحسب أديبا، للكاتب لأنه يستطيع أن يطوع الفصحى للغة الحوار، وهنا يجمع الحوار الفصيح بين السلامة اللغوية والجمال الأسلوبي في التعبير عن الموقف القصصي " ( 7).
إضافة إلى هذا التنوع في توزيع اللغة داخل هذه المجموعة سيوله الجمل القصيرة التي تجعل الأحداث تسرع بصورة دينامية تعكس دوامة الحياة الاجتماعية من جهة والهاجس الإبداعي القلق من جهة أخرى، وهي سيولة تستدعي تكتيف الأفعال، ففي نص " الإرث " مثلا نقرا: " يستيقظ يجد أمه نائمة يستغرب كيف تنام حتى هذا الوقت، لا يرى الدراجة الرمادية المسنة، يعرف أن أباه خرج، يتوضأ يصلي..." ( ص50)، كما نلمس ميلا نحو الابتعاد عن الشكل السير ذاتي في حكي الأحداث واستحضار الموروث الشعبي، كل هذه الأشياء وغيرها توجه هذا العمل القصصي نحو رغبة تجريبية تحاول الوصول إلى أفق جديد لهذا الفن السردي وتحاول، كما يقول محمد زنيبر في مقدمة مجموعته القصصية ( الهواء الجديد ): " البحث عن فن جديد، عن لغة جديدة تهدف أن تكون أعمق وأوسع في التبليغ من كل الأساليب السابقة " (8).
هوامـــش:
1_ جمال بوطيب " الحكاية تأبى أن تكتمل " الطبعة الأولى 1993، مطبعة SNIP ( وجدة ).
2_ د. عز الدين إسماعيل " الأدب وفنونه " الطبعة السادسة 1976، دار الفكر العربي.ص187
3_ قول ميخائيل نعيمة وارد، إضافة إلى كتابه الغربال، في كتاب النقد والنقاد المعاصرون لمحمد مندور، الفصل الخاص ب" مطبعة نهضة مصر، ص48.
4_ نجيب العوفي " مقاربة الواقع في القصة القصيرة بالمغرب / من التأسيس إلى التجنيس " رسالة الدكتوراه السلك الثالث، الطبعة الأولى 1978_المركز الثقافي العربي ص518.
5_ استعمل القاص عدة علامات لغوية ترمز في الغالب إلى الجهاز القمعي، وقد أشار إليها الباحث محمد اقضاض في قراءته للمجموعة، جريدة أنوال العدد 1554بتاريخ 7/12/97ص7( ثقافة ).
6_ vladimire nako bou ( l'étude aui suit la métamorphosé de fkhfka ) le livre de poche) p 92 /93.
/_ د. طه وادي " لغة الفن القصصي " ( دراسة ) مجلة القصة العدد 78_1994_ص23.
8_ قول محمد زنبير مأخود من كتاب نجيب العوفي ( مرجع مذكور ) ص 200.










